فهرس الكتاب

الصفحة 8220 من 11127

5529 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن جعفر المعروف بالمدينيِّ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (قَالَ عَمْرٌو) هو ابنُ دينار (قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) هو أبو الشَّعثاء البصريُّ (يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ) أكل

ج 23 ص 657

(حُمُرِ الأَهْلِيَّةِ) من إضافة الموصوف إلى صفته (فَقَالَ قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَاكَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح الحاء المهملة والكاف، وعَمرو، بفتح العين (الْغِفَارِيُّ) بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء وبالراء، الصَّحابي، وقال الكِرمانيُّ نزل البصرةَ ومات بمرو سنة خمس وأربعين، وقال أبو عمر بعثه زياد بن أميَّة إلى البصرة واليًا في أوَّل ولاية زياد على العراقين، ثمَّ عَزَلَه عن البصرة، ووَلَّاه بعضَ أعمال خراسان، وماتَ بها، وقيل مات بالبصرة سنة خمسين.

(عِنْدَنَا بِالْبَصْرَةِ، وَلَكِنْ أَبَى) أي امتنع (ذَاكَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني باللام، أشار به إلى قوله نهى عن حمر الأهليَّة (الْبَحْرُ) أي في العلم (ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما سمِّي رضي الله عنهما به؛ لسعة عِلْمِه.

وقال الحافظُ العسقلانيُّ هو من تقديم الصِّفة على الموصوف مبالغة في تعظيم الموصوف. وتعقَّبه العيني بأنَّه لا تتقدَّم الصِّفة على الموصوف، بل قوله (( ابن عبَّاس ) )عطف بيان لقوله (( البحر ) ). ويروى سمِّي به؛ لأنَّه كان يُزَيِّنُ ما قاله.

(وَقَرَأَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما ( {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} ) الآية، يعني أنَّه استدلَّ بهذه الآية؛ لأنَّ المُحَرَّمَ في هذه الآية ما ذكره الله فيها، فتقتصر الحرمة عليها، وما وراء ذلك فعلى أَصْلِ الإباحة، وفقهاء الأمصار مُجْمِعُون على تحريمِ الحُمُر الأهليَّة، إلَّا أنَّه روي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه أباحَ أكلها، وروي مثله عن عائشة رضي الله عنها، وعن الشَّعبي، وأمَّا المنُخْنَقِة وما ذُكِرَ معها داخلة في الميتة، أو نقول إنَّ سورةَ الأنعام مكيَّة، فيجوز أن لا يكون حرم في ذلك الوقت إلَّا ما ذكر في هذه الآية، وسورة المائدة مدنية، وهي آخر ما نزل من القرآن.

قال العينيُّ فإن قيل الأحاديث التي وردتْ في تحريم لحوم الحمر الأهليَّة أخبار آحاد، والعملُ بها يُوجب نَسْخَ الآية المذكورة، وذلك لا يجوز. فالجواب أنَّها قد خَصَّت من هذه الآية أشياء كثيرة بالتَّحريم غير مذكورة فيها كالنَّجاسات والخمر ولحم القردة، فحينئذٍ يجوز تخصيصها بأخبار الآحاد؛

ج 23 ص 658

يعني التَّخصيص من عموم التَّحليل المستفاد من اقتصار الحرمة على الأشياء المذكورة فيها.

والحاصل أنَّ الأكثرين على عدم تخصيصِ الحرمة بالأشياء المذكورة في هذه الآية، فقد حرِّمت أشياء غيرها، كما تواردت الأخبار بذلك، والتَّنصيص على التَّحريم مقدَّم على عُموم التَّحليل، وعلى القياس. قيل وما لمْ يأتِ فيه نصٌّ يُرْجَعُ فيه إلى الأغلبِ من عادة العرب؛ فما يأكله الأغلب منهم فهو حلالٌ، وما لا فهو حرامٌ؛ لأنَّ الله تعالى خاطبهم بقوله {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة 4] فما استطابوه فهو حلالٌ، وقوله {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ} [الأنعام 145] معناه منصوصًا في وحي القرآن. انتهى.

وفيه أنَّ التَّحريم إنَّما يثبت بوحي الله تعالى وشرعه، لا بهوى النَّفس، فلْيُتَأَمَّل، وقال ابن العربي اختُلِفَ في تحريم لحوم الحمر الأهليَّة على أربعة أقوال

الأوَّل حرِّمت شرعًا.

الثَّاني حرِّمت؛ لأنَّها كانت تأكل الجَلَّة وهي النَّجاسة.

الثَّالث أنَّها كانت حَمُولةَ القَوم.

الرَّابع أنَّها حرِّمت؛ لأنَّها أُفْنِيَتْ قبل القِسْمَة، فمنع النَّبي صلى الله عليه وسلم عن أكلها حتَّى تُقْسَم. انتهى.

قال العينيُّ ذكر الطَّحاوي هذه الأقوال فأخرج في القول الأوَّل عن اثني عشر نفرًا من الصَّحابة في تحريم أكل الحمر الأهليَّة من غير قيدٍ، وقد ذكرناهم في شرحنا لمعاني الآثار.

وأخرج في القول الثَّاني عن ابن مرزوق، عن وهب، عن شعبة، عن الشَّيباني قال ذكرت لسعيد بن جُبير حديثَ ابن أبي أوفى في أَمْرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إيَّاهم بإكفاءِ القدور يوم خيبر، فقال «إنَّما نهى عنها؛ لأنَّها كانت تأكلُ العذرة» .

وأخرج في القول الثَّالث عن حديث عبد الرَّحمن بن أبي ليلى قال قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما «ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهليَّة إلَّا من أجل أنَّها ظهر» .

وأخرج في القول الرَّابع من حديث عدي بن ثابت، عن البراء «أنَّهم أصابوا من الفيء حمرًا فذبحوها» ، ففيه أنَّها كانت نهبة، ولم تكن قسمت.

ثمَّ أجاب عن الأقوال الثَّلاثة بحديث

ج 23 ص 659

أبي ثعلبة رضي الله عنه، أنَّه قال أتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله، حدِّثني ما يحلُّ لي ممَّا يحرم عليَّ؟ فقال (( لا تأكل الحمار الأهلي ) )رواه من حديث مسلم بن مِشْكَم كاتب أبي الدَّرداء عنه. ثمَّ قال فكان كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم جوابًا لسؤال أبي ثعلبة إيَّاه عمَّا يحل له ممَّا يحرم عليه، فدلَّ ذلك على نهيه صلى الله عليه وسلم من أكل لحوم الحمر الأهليَّة لا لعلَّة، بل كان التَّحريم في نفسه مطلقًا.

وقال الحافظُ العسقلاني قال الطَّحاوي لولا تواتر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم الحمر الأهليَّة؛ لكان النَّظر يقتضي حِلَّها؛ لأنَّ كلَّ ما حُرِّم من الأهليِّ أُجْمِعَ على تحريمه إذا كان وحشيًا كالخنزير، وقد أُجْمِعَ على حلِّ الحمار الوحشي، فكان النَّظر يقتضي حل الحمار الأهلي. ثمَّ قال قلتُ وما ادَّعاه من الإجماع مردودٌ، فإنَّ كثيرًا من الحيوان الأهلي مخْتَلَفٌ في نظيره من الحيوان الوحشي كالهرِّ.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ دعواه الرَّد عليه مردودة؛ لأنَّه فَهِمَ عكس ما أراده الطَّحاوي؛ لأنَّ مراده كل ما حرم من الحيوان الأهلي أجمع على تحريمه إذا كان وحشيًا، ومثل لذلك بالخنزير، فإنَّه مجمع على حرمته من غير فرق بين كونه أهليًّا، يعني مستأنسًا، أو وحشيًا غير مستأنس، وليس مراده أنَّ كل ما أجمع على تحريمه من الوحشي يقتضي حله من الأهلي كالضَّيْوَنِ، فإنَّه مختلف فيه، فلا يقتضي حل السِّنور الأهلي، فقد روى التِّرمذي عن جابر رضي الله عنه، قال «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الهرِّ وثمنه» ، وقال هذا حديثٌ غريبٌ.

ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت