فهرس الكتاب

الصفحة 8277 من 11127

5563 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقري التَّبوذكيُّ، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضاح اليشكُري (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبعد الألف سين مهملة، هو ابنُ يحيى (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبي (عَنِ الْبَرَاءِ) أي ابن عازب رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا) أي مثل صلاتنا (وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا) معناه من كان على دين الإسلام (فَلاَ يَذْبَحْ) أضحيته (حَتَّى يَنْصَرِفَ) بتحتية فنون، وفي رواية أبي ذرٍّ بنونين؛ يعني النَّبي صلى الله عليه وسلم من صلاة العيد، والمعنى إذا انصرف من الصَّلاة يذبح بعدها (فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ، فَقَالَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلْتُ) بضم التاء؛ أي فعلت الذَّبح قبل الصَّلاة، ووقع عند مسلم من هذا الوجه (( نَسَكْتُ عن ابن لي ) )، وقد تقدَّم توجيهه [خ¦5556] .

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (هُوَ) أي الذي ذبحته، وفي رواية الكُشميهني (شَيْءٌ عَجَّلْتَهُ) من التَّعجيل؛ أي قدَّمته لأهلك ليس من النُّسك (قَالَ) أي أبو بردة يا رسول الله (فَإِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً) من المعز (هِيَ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّتَيْنِ) تثنية مسنَّة، قال الدَّاوديُّ هي التي أُسقِطت أسنانها للبدل، وقال الجوهريُّ يكون ذلك في الظِّلف والحافر في السَّنة الثَّالثة، وفي الخف في السَّادسة.

(أَذْبَحُهَا) همزة الاستفهام فيه مقدرة، ويروى بهمزة استفهام ممدودة (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ) اذبحها (ثُمَّ لاَ تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ، قَالَ عَامِرٌ) هو الشَّعبي (هِيَ) أي الجذعة الموصوفة (خَيْرُ نسيكتيه) بالتَّثنية كذا وقع، فإن قيل اسم التَّفضيل يقتضي الشَّركة والذَّبيحة الأولى لم تكن نسيكة، أُجيب بأنَّه وإن وقعت شاة لحم غير أضحية، لكن له فيها ثواب؛ لكونه قاصدًا جبر الجيران فهي أيضًا عبادة، أو صورتها كانت صورة النَّسيكة؛ لأنَّه ذبحها في وقته.

قال الحافظُ العسقلانيُّ وفيه ضمُّ الحقيقة إلى المجاز بلفظ واحدٍ، فإنَّ النَّسيكة هي التي أجزأت عنه، وهي الثَّانية،

ج 24 ص 42

والأولى لم تجزِ عنه، لكن أطلق عليها نسيكة؛ لأنَّه نحرها على أنَّها نسيكة، أو نحرها في وقت النَّسيكة، وإنَّما كانت خيرهما؛ لأنَّها أجزأت عن الأضحية بخلاف الأولى، وفي الأولى خير في الجملة باعتبار القصد الجميل. ووقع عند مسلم من هذا الوجه قال (( ضحِّ بها، فإنَّها خيرُ نسيكة ) )، وكذا وقع هنا في رواية غير أبي ذرٍّ.

ونقل ابن التِّين عن الشَّيخ أبي الحسن؛ يعني ابن القصار أنَّه استدلَّ بتسميتها نسيكة على أنَّه لا يجوز بيعها، ولو ذبحت قبل الصَّلاة ولا يخفى وجه ضعفه.

وفي الحديث أنَّ من ذبح قبل الصَّلاة فعليه الإعادة بالإجماع؛ لأنَّه ذبحَ قبل وقته، واختلفوا فيمن ذبحَ بعد الصَّلاة، وقبل ذبح الإمام، فذهب أبو حنيفة والثَّوري واللَّيث إلى أنَّه لا يجوز ذلك، وقال مالك والشَّافعي والأوزاعيُّ لا يجوز لأحدٍ أن يذبحَ قبل الإمام؛ أي مقدار الصَّلاة والخطبة وذبح الإمام، واختلفوا في ذبح أهل البادية فقال عطاء يذبحُ أهل القرى بعد طلوع الشَّمس، وقال الشَّافعي وفيها كما في الحاضرة مقدار ركعتين وخطبتين، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة وأصحابه من ذبح من أهل السَّواد بعد طلوع الفجر أجزأه؛ لأنَّه ليس عليهم صلاة العيد، وهو قول الثَّوري وإسحاق.

وقد أطال الكلام في هذا المقام الحافظُ العسقلانيُّ _ وقد اخترنا نقله، وإن أدَّى إلى الملال؛ لما فيه من الفوائد الجمَّة _ قال

تمسَّك بالحديث الشَّافعيَّة في أنَّ أوَّل وقت الأضحية قدر فراغ الإمام من الصَّلاة والخطبة، وإنَّما اشترطوا فراغ الخطيب؛ لأنَّ الخطبتين مقصودتان مع الصَّلاة في هذه العبادة، فيعتبر مقدار الصَّلاة والخطبتين على أخفِّ ما يجزئ بعد طلوع الشَّمس، فإذا ذبحَ بعد ذلك أجزأه الذَّبح عن الأضحية، سواء صلَّى العيد أم لا، وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا، ويستوي في ذلك أهل المصر والحاضر والبادي، ونقل الطَّحاوي عن مالك والأوزاعيِّ والشَّافعي لا يجوز أضحية قبل أن يذبح الإمام، وهو معروف عن مالك والأوزاعيِّ،

ج 24 ص 43

لا الشَّافعي. قال القرطبيُّ ظواهر الأحاديث تدلُّ على تعليق الذَّبح بالصَّلاة، لكن لما رأى الشَّافعي أنَّ من لا صلاة عيد عليه مخاطب بالتَّضحية حمل الصَّلاة على وقتها، وقال أبو حنيفة واللَّيث لا ذبح قبل الصَّلاة، ويجوز بعدها، ولو لم يذبح الإمام، وهذا خاصٌّ بأهل المصر، فأمَّا أهل القرى والبوادي فقال مالك يذبحون إذا نحر أقرب أئمة القرى إليهم، فإن نحروا قبل أجزأهم، وقال عطاء وربيعة يذبح أهل القرى بعد طلوع الشَّمس، وقال أحمد وإسحاق إذا فرغ الإمام من الصَّلاة جازت الأضحية، وهو وجه للشَّافعيَّة قوي من حيثُ الدَّليل، وإن ضعَّفه بعضهم، ومثله قول الثَّوري تجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته وفي أثنائها، فيدخل وقت الأضحية في حقِّهم عند ذلك، ويحتمل أن يكون قوله (( حتَّى ينصرف ) )؛ أي من الصَّلاة، كما في الرِّوايات الأخرى، وأصرح من ذلك ما وقع عند أحمد من طريق يزيد بن البراء عن أبيه رفعه (( إنَّما الذَّبح بعد الصَّلاة ) )، ووقع في حديث جندب عند مسلم (( من ذبح قبل أن يصلِّي فليذبحْ مكانها أخرى ) )، قال ابنُ دقيق العيد هذا اللَّفظ أظهر من اعتبار فعل الصَّلاة من حديث البراء؛ أي حيث جاء فيه (( من ذبح قبل الصَّلاة ) ). قال لكن إن أجريناه على ظاهره اقتضى أنَّه لا تُجزئ الأضحية في حقِّ من لم يصلِّ العيد، فإن ذهب إليه أحد فهو أسعد النَّاس لظاهر هذا الحديث، وإلَّا وجب الخروج عن هذا الظَّاهر في هذه الصُّورة، ويبقى ما عداها في محلِّ البحث. وتعقِّب بأنَّه قد وقع في «صحيح مسلم» في رواية أخرى (( قبل أن يصلِّي أو نصلِّي ) )بالشَّك. قال النَّووي الأُولى بالياء، والثَّانية بالنون، وهو شك من الرَّاوي، فعلى هذا إذا كان بلفظ «يصلي» ساوى لفظ حديث البراء في تعليق الحكم بفعل الصلاة، وقال الحافظُ العسقلانيُّ وقد وقع عند البُخاري في حديث جندب في «الذَّبائح» [خ¦5500] مثل لفظ البراء، وهو خلاف ما يوهمه سياق صاحب «العمدة» فإنَّه ساقه على لفظ مسلم،

ج 24 ص 44

وهو ظاهر في اعتبار فعل الصَّلاة، فإنَّ إطلاق لفظ الصَّلاة وإرادة وقتها خلاف الظَّاهر، وأظهر من ذلك قوله (( قبل أن نُصلِّي ) )بالنون، وكذا قوله (( قبل أن ننصرف ) )سواء قلنا من الصَّلاة أم من الخطبة.

وادَّعى بعض الشَّافعية أنَّ معنى قوله صلى الله عليه وسلم (( من ذبح قبل أن نصلِّي فليذبَح مكانها أخرى ) )أي بعد أن يتوجَّه من مكان هذا القول؛ لأنَّه خاطب بذلك من حضره، فكأنَّه قال من ذبح قبل فعلي هذا من الصَّلاة والخطبة فليذبح أخرى؛ أي لا يعتد بما ذبحه، ولا يخفى ما فيه، وأورد الطَّحاوي ما أخرجه مسلم من حديث ابن جريج عن أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم النَّحر بالمدينة، فتقدَّم رجال فنحروا وظنُّوا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قد نحر فأمرهم أن يُعيدوا، قال ورواه حماد بن سلمة عن أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه بلفظ أنَّ رجلًا ذبح قبل أن يصلِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى أن يذبحَ أحدٌ قبل الصَّلاة، صحَّحه ابن حبَّان.

ويشهد لذلك قوله في حديث البراء (( إنَّ أوَّل ما نصنع أن نبدأَ بالصَّلاة، ثمَّ نرجع فننحر ) )فإنَّه دال على أنَّ وقت الذَّبح يدخل بعد فعل الصَّلاة، ولا يشترط التَّأخير إلى نحر الإمام، ويؤيِّده من طريق النَّظر أنَّ الإمام لو لم ينحر لم يكن ذلك مسقطًا عن النَّاس مشروعيَّة النَّحر، ولو أنَّ الإمام نحر قبل أن يصلي لم يجزئه نحره؛ فدلَّ على أنَّه هو والنَّاس في وقت الأضحيَّة سواء، وقال المهلب إنَّما كُرِه الذَّبح قبل الإمام؛ لئلَّا يشتغل النَّاس بالذَّبح عن الصَّلاة، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( فلا يذبح حتَّى ينصرفَ ) )ومن قوله (( هي شيءٌ عجلته ) )؛ لأنَّ معناه لا يقوم ذلك عن الأضحية، فلا بدَّ من إعادتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت