5571 - 5572 - 5573 - (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، أبو محمد السُّلمي المروزيُّ، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك المروزيُّ (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو عُبَيْدٍ) بضم العين وفتح الموحدة، سعد بن عبيد (مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ) هو عبدُ الرَّحمن بن أزهر بن عوف أخو عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنهما، وينتسب أيضًا إلى عبد الرَّحمن بن عوف، قال يحيى ابنُ بكير مات سنة ثمان وتسعين.
(أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ يَوْمَ الأَضْحَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ) صلاة العيد (ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَأَمَّا الآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ من نُسُكِكُمْ) بضمتين؛ أي أضحيتكم. وفي رواية أبي ذرٍّ بالباء، وفي نسخة بدون حرف الجر، واستدلَّ به على أنَّ النَّهي عن الشَّيء إذا اتَّحدت جهته لم يجز فعله كصوم يوم العيد، فإنَّه لا ينفكُّ عن الصَّوم، ولا يتحقَّق فيه جهتان، فلا يصحُّ، بخلاف ما إذا تعددت الجهة كالصَّلاة في الدَّار المغصوبة فإن الصَّلاة تتحقَّق في غير المغصوب، فيصحُّ في المغصوب مع التَّحريم.
(قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ) مولى ابن أزهر، هو موصول بالسَّند السَّابق (ثُمَّ شَهِدْتُ العِيدَ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية بدون لفظ «العيد» ؛ أي شهدت العيد، ولم يبيِّن كونه أضحى، أو فطرًا،
ج 24 ص 57
قال الحافظُ العسقلانيُّ والظَّاهر أنَّه الأضحى الذي قدَّمه في حديثه عن عمر رضي الله عنه [خ¦5571] ، فتكون اللام فيه للعهدِ، وهذا هو الظَّاهر، ويؤيِّده ما في نسخة بالضَّمير، وإن تعقَّبه العينيُّ بأنَّه يحتمل أحد العيدين، ولاسيَّما في الرِّواية التي لم يذكر فيها لفظ «العيد» .
(فَكَانَ) وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر بالواو (ذَلِكَ) أي كان يوم العيد ذاك (يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيْهِ عِيدَانِ) يعني يوم عيد الجمعة، ويوم العيد حقيقة، وسمِّي يوم الجمعة عيدًا؛ لأنَّه زمان اجتماع المسلمين في معبد عظيم؛ لإظهار شعائر الشَّريعة كيوم العيد، والإطلاق على سبيل التَّشبيه.
(فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي) أي يتأخَّر إلى أن يصلِّي صلاة الجمعة، والعوالي جمع العالية، وهي قرى بقرب المدينة من جهة الشَّرق، وأقربها على المدينة على أربعةِ أميال أو ثلاثة، وأبعدها ثمانية (فَلْيَنْتَظِرْ) أي فليتأخر إلى أن يصلِّي الجمعة (وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ) أي إلى منزله من العوالي (فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ) وبه استدلَّ أحمد على سقوط الجمعة عمَّن صلَّى العيد إذا وافق العيد يوم الجمعة، وبه قال مالك مرَّة.
وأُجيب بأنَّهم إنَّما كانوا يأتون العيد والجمعة من مواضع لا يجبُ عليهم المجيءُ، فأخبر بما لهم في ذلك، وليس فيه تصريحٌ بعدم العود إلى المسجد لصلاة الجمعة حتَّى يستدلُّ به على سقوطها عمَّن صلَّى العيد إذا وافق يوم الجمعة.
(قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ) بالسَّند السَّابق أيضًا (ثُمَّ شَهِدْتُهُ) أي العيد، والمراد به عيد الأضحى؛ لدَلالة السِّياق عليه، ويؤيِّده ما وقع في رواية عبد الرَّزاق عن مَعمر عن الزُّهري عن أبي عبيد أنَّه سمع عليًّا رضي الله عنه يقوم يوم الأضحى، وفي رواية النَّسائي من طريق غُنْدر عن مَعمر بسنده شهدت عليًّا رضي الله عنه في يوم عيد بدأ بالصَّلاة قبل الخطبة بلا إذن ولا إقامة، ثمَّ قال سمعت ... فذكر المرفوع.
ج 24 ص 58
(مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) رضي الله عنه (فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلاَثٍ) زاد عبد الرَّزَّاق في روايته (( فلا تأكلوا بعدها ) ).
قال القرطبيُّ اختلف في أوَّل الثَّلاث التي كان الادِّخار فيها جائزًا، فقيل أوَّلها يوم النَّحر، فمن ضحَّى فيه جاز له أن يمسكَ يومين بعده، ومن ضحَّى بعده أمسك ما بقيَ له من الثَّلاثة. وقيل أوَّلها يوم يضحي فيه، فلو ضحَّى في آخر أيَّام النَّحر جاز له أن يمسكَ ثلاثًا بعدها، ويحتمل أن يؤخذ من قوله (( فوق ثلاث ) )أن لا يحسب اليوم الذي يقع فيه النَّحر من الثَّلاث، وتعتبر اللَّيلة التي تليه وما بعدها. ويؤيِّده ما في حديث جابر رضي الله عنه كنَّا لا نأكلُ من لحوم بدننا فوق ثلاث بمنى، فإنَّ ثلاث منى يتناول ما بعد يوم النَّحر لأهل النَّفر الثَّاني، قال الشَّافعي لعلَّ عليًّا رضي الله عنه لم يبلغه النَّسخ. وقال غيره يحتمل أن يكون الوقت الذي قال فيه علي رضي الله عنه ذلك كان بالنَّاس جهد وحاجة كما وقع في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك جزم ابنُ حزم فقال إنَّما خطب علي رضي الله عنه بالمدينة في الوقت الذي كان عُثمان رضي الله عنه حوصر فيه، وكان أهل البوادي قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة، فأصابهم الجهدُ، فلذلك قال عليٌّ رضي الله عنه ما قال، ويؤيِّد صحَّة هذا أنَّ الطَّحاوي أخرج من طريق اللَّيث عن عقيل عن الزُّهري في هذا الحديث، ولفظه (( صلَّيت مع علي العيد وعثمان رضي الله عنه محصور ) )، والحاصل أنَّ النَّهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث لم يبقَ حكمه من التَّحريم والكراهة في كلِّ حال.
وقال أبو عُمر لا خلاف فيما علمته بين العُلماء في إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وقبل ثلاث، وأنَّ النَّهي عن ذلك منسوخٌ، ولا خلاف في ذلك بين فقهاء المسلمين. وأخرج الطَّحاوي أحاديث النَّسخ
ج 24 ص 59
عن جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال حدَّثنا ابن أبي داود حدَّثنا أبو معمر، قال حدَّثنا عبد الوارث، قال حدَّثني علي بن زيد، قال حدَّثني النَّابغة بن مخارق بن سليم، قال حدَّثني أبي أنَّ عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنِّي كنتُ نهيتُكم عن لحومِ الأضاحي أن تؤخِّروها فوق ثلاثة أيَّام فادَّخروها ما بدا لكم ) ).
وأخرجه أحمدُ في «مسنده» عن حديث ربيعة بن النَّابغة عن أبيه عن علي رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ... الحديث، وفي آخره (( ونهاكُم عن لحوم الأضاحي أن تحبسوها بعد ثلاث فاحبسوا ما بدا لكم ) ).
قال الذَّهبي ربيعة بن النَّابغة عن أبيه عن علي في الأضحية لم يصح، وقال ابن حبَّان ربيعة روى عن أبيه عن علي رضي الله عنه عداده في أهل الكوفة، وهو ثقةٌ، وقد وفق الطَّحاوي بين الرِّوايتين المتنافيتين بما ذكر آنفًا، واستدلَّ بهذه الأحاديث على أنَّ النَّهي عن الأكل فوق ثلاث خاص لصاحب الأضحية، فأمَّا من أهدى له أو تصدَّق عليه، فلا لمفهوم قوله (( من أضحيته ) ).
وقد جاء في حديث الزُّبير بن العوَّام عند أحمد وأبي يَعلى ما يؤيِّد ذلك ولفظه قلت يا نبي الله! بأبي أنت قد نهى المسلمون أن يأكلوا من لحم نُسُكهم فوق ثلاث، فكيف نصنع بما أُهدِيَ لنا؟ قال (( أمَّا ما أُهدِيَ إليكم فشأنكم به ) )فهذا نصٌّ في الهدية، وأمَّا الصَّدقة فلأنَّ الفقير لا حَجْر عليه في التَّصرف فيما يُهدَى له؛ لأنَّ القصد أن تقعَ المواساة من الغني للفقير، وقد حصلت.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في أثر علي رضي الله عنه في آخر الحديث.
وذلك لأنَّ التَّرجمة قوله «باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي» ، وهو يشملُ ما يؤكلُ منها في ثلاثة أيَّام، وما يؤكل في أكثر من ذلك، ولكن في أثر عليٍّ رضي الله عنه
ج 24 ص 60
أنَّه لا يجوز فوق ثلاثة أيَّام.
(وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ نَحْوَهُ) أي نحو ما رُوي عن علي رضي الله عنه، وهو قوله (( نهاكم أن تأكلوا لحمَ نُسككم فوق ثلاث ) ).
والظَّاهر أنَّه معطوف على السَّند المذكور، فيكون من رواية حبَّان بن موسى عن ابن المبارك عن مَعمر، هو ابنُ راشد، ويحتمل أن يكون معلَّقًا، رواه الشَّافعي في «الأم» فقال حدَّثنا الثِّقة عن معمر، فذكره.