5575 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عُمر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما، ولم يذكر لفظ «عبد الله» في رواية أبي ذرٍّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا) بضم الحاء المهملة وكسر الراء المخففة، من الحرمان، على البناء للمفعول، وهو متعدٍّ إلى مفعولين؛ لأنَّه ضدُّ أعطيت؛ أي لم يشربها.
(فِي الآخِرَةِ) كما قال الله تعالى {وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} [محمد 15] ، وفي رواية مسلم من طريق أيُّوب عن نافع (( فمات وهو مدمنها، لم يشربها في الآخرة ) ). وفي رواية مسلم عن القعنبي (( لم يُسْقَها ) ). وزاد مسلم أيضًا في أوَّل الحديث مرفوعًا (( كلُّ مسكرٍ خمر، وكلُّ مسكرٍ حرام ) )، وسيأتي الكلام عليه في باب «الخمر من العسل» [خ¦5585 قبل] .
فإن قيل ظاهره عدم دخول الجنَّة ضرورة أنَّ الخمرَ شراب أهلها، فإذا حرَّم شربها دلَّ ذلك على أنَّه لا يدخلها، ولأنَّه إن حرَّمها عقوبة له لزم وقوع الهمِّ والحزن له، والجنَّة لا همَّ فيها ولا حَزن، كما قال الخطابيُّ والبغويُّ، والمعصية لا تُوجب حرمان الجنَّة. فالجوابُ أنَّه يدخلها ولا يشرب من نهرها مع أنَّها من فاخر شراب أهلها، فإن قيل كيف يكون ذلك وفيها ما تشتهيه الأنفس؟
ج 24 ص 67
فالجوابُ أنَّه قيل ينسى شهوتها، وقيل لا يشتهيها وإن ذكرها، فيكون ذلك نقص نعيم من أشرف نعيم الجنَّة بالنِّسبة إلى من هو أتم نعيمًا منه.
وقال القرطبيُّ ظاهر الحديث تأبيد التَّحريم، فإن دخل الجنَّة يشرب من جميع أشربتها إلَّا الخمر، ومع ذلك فلا يتألَّم لعدم شربها، ولا يحسد من يشربها، ويكون حاله كحال أصحابِ المنازل في الخفض والرَّفع، فكما لا يشتهي منزلة من هو أرفعُ منه لا يشتهي ذلك أيضًا، وليس ذلك بعقوبة له، قال تعالى {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا} [الحجر 47] . وقيل إنَّه يعذب في النَّار، فإذا خرج من النَّار بالرَّحمة أو بالشَّفاعة، ودخل الجنَّة لم يحرم شيئًا [1] .
وقال ابنُ عبد البر هنا وعيد شديد يدلُّ على حرمان الجنَّة؛ لأنَّ الله تعالى أخبر أنَّ في الجنَّة أنهارًا من خمر لذة للشَّاربين، وأنَّهم {لا يصدعون عنها ولا ينزفون} ، فلو دخلها وقد علم أنَّ فيها خمرًا، أو أنَّه حرمها عقوبة له؛ لزم وقوع الهم والحزن له، والجنَّة لا هم فيها ولا حزن، وإن لم يعلم بوجودها في الجنَّة، ولا أنَّه حُرِمها عقوبة له لم يكن عليه في فقدها ألم، فلهذا قال بعضُ من تقدَّم إنَّه لا يدخل الجنَّة أصلًا، قال وهو مذهبٌ غير مرضي عندنا إذا كان على القطع في إنفاذ الوعيد.
قال ومحمل الحديث عند أهل السُّنَّة على أنَّه لا يدخلها، ولا يشرب الخمر فيها إلَّا إن عفا الله عنه، كما في بقية الكبائر، وهو في المشيئة، فعلى هذا فمعنى الحديث أنَّ جزاءه في الآخرة أن يحرمها؛ لحرمانه دخول الجنَّة، إلَّا إن عفا الله عنه.
قال وجائز أن يدخل الجنَّة بالعفو، ثمَّ لا يشرب فيها خمرًا ولا تشتهيها نفسه، وإن علم بوجودها فيها، ويؤيده حديث أبي سعيد رضي الله عنه المروي عند الطَّيالسي، وصحَّحه ابن حبَّان مرفوعًا (( من لبس الحرير في الدُّنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنَّة لبسه أهل الجنَّة، ولم يلبسه هو ) ). وقريبٌ منه حديث عبد الله بن عَمرو رفعه (( من مات من أمَّتي وهو يشربُ الخمر حرم الله عليه شربها في الجنَّة ) )أخرجه أحمد بسندٍ حسنٍ. وقال ابن العربيِّ ظاهر الحديثين أنَّه لا يشرب الخمر في الجنَّة ولا يلبس
ج 24 ص 68
الحرير فيها.
وذلك لأنَّه استعجل ما أُمِر تأخيره، ووُعِد به، فحرمه عند ميقاته كالوارث إذا قتل مورثه، فإنَّه يحرم ميراثه لاستعجاله، وبهذا قال نفر من الصَّحابة ومن العُلماء، وهو موضع احتمال، وموقف إشكال، والله أعلم كيف يكون الحال.
وفرَّق بعض المتأخرين بين من يشربها مستحلاًّ لها، وبين من يشربها عالمًا بتحريمها، فالأوَّل هو الذي لا يشربها أبدًا؛ لأنَّه لا يدخل الجنَّة أصلًا، وعدم الدُّخول يستلزم حرمانها. والثَّاني هو الذي اختلف فيه فهو الذي يحرم شربها مدَّة، ولو في حال تعذيبه إن عذب، أو المعنى أنَّ ذلك جزاؤه إنَّ جوزي. والله تعالى أعلم.
وفي الحديث أنَّ التَّوبة تُكفِّر المعاصي الكبائر، وهو في التَّوبة من الكفر قطعي، وفي غيره من الذُّنوب خلاف بين أهل السُّنَّة هل هو قطعي أو ظنِّي؟
قال النَّووي الأقوى أنَّه ظنِّي، وقال القرطبيُّ من استقرأ الشَّريعة علم أنَّ الله يقبل توبة الصَّادقين قطعًا، وللتَّوبة الصَّادقة شروط سيأتي البحث فيها في «كتاب الرِّقاق» إن شاء الله تعالى [خ¦6308] .
وفيه أنَّ الوعيد يتناولُ من شرب الخمر وإن لم يحصل له السُّكر؛ لأنَّه رتَّب الوعيد في الحديث على مجرَّد الشُّرب من غير قيد، وهو مجمعٌ عليه في الخمر المتَّخذ من عصير العنب، وأمَّا في غيرها ففيه خلاف كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى [خ¦5579 قبل] .
ويؤخذ من قوله ثمَّ لم يتب منها أنَّ التَّوبة مشروعة في جميع العمر ما لم يصل إلى الغرغرة؛ لما تدلُّ عليه «ثم» من التَّراخي، وليست المبادرة إلى التَّوبة شرطًا في قبولها.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه مسلم أيضًا في «الأشربة» ، والنَّسائي فيه، وفي «الوليمة» .
[1] في هامش الأصل قال القاضي عياض المراد بحرمانه شربها أنه يحبس عن الجنة مدة إذا أراد الله عقوبة، ومثله الحديث الآخر (( لم يرح رائحة الجنة ) ). منه.