5576 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الحمصي، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد(سَعِيدُ بْنُ المسيِّب أَنَّهُ سَمِعَ
ج 24 ص 69
أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ)بضم الهمزة على البناء للمفعول (لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) بضم الهمزة أيضًا (بِإِيْلِيَاءَ) بكسر الهمزة وسكون التحتية وكسر اللام وفتح التحتية الخفيفة بعدها همزة ممدودة، اسم مدينة بيت المقدس، وقيل بالقصر، والمعنى عُرِض عليه صلى الله عليه وسلم حين كان بإيلياء.
(بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ) وفي رواية (( ثلاثة أقداح قدح من عسل، وقدحان من خمر ولبن ) )ويحتمل أن يكون عرض الثَّلاثة عند رفعه إلى سدرة المنتهى (فَنَظَرَ) صلى الله عليه وسلم (إِلَيْهِمَا، ثُمَّ أَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ) له (جِبْرِيلُ) عليه السَّلام (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ) أي فطرة الإسلام والاستقامة (لَوْ أَخَذْتَ) وفي نسخة بالواو، وهي رواية ابن عساكر، وفي نسخة ضُبِّب على الواو (الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ) أي ضلَّت وانهمكت في الشَّر، ولكن بلطف الله تعالى اختار اللَّبن؛ لكونه سهلًا طيِّبًا طاهرًا سائغًا للشَّاربين سليم العاقبة، وفيه استحباب حمد الله تعالى عند تجدُّد النِّعمة، وحصول ما كان يتوقَّع حصوله، واندفاع ما كان يخاف وقوعه، وفي «المصابيح» لا يفهم من عدوله صلى الله عليه وسلم عن إناء الخمر حينئذٍ أنَّ الخمرَ كانت محرَّمة، فإنَّ حديث الإسراء كانت بمكَّة، وتحريم الخمر بالمدينة، وإنَّما تفرس فيها صلى الله عليه وسلم أنَّها ستُحرَّم، فترك من ذلك الوقت، وعدل عنها، ولو كانت محرمة حينئذٍ لم يتصوَّر أن يُخيَّرَ بين مباح وحرام، لكن قد يُقال فإذا كانت مباحة فهي حينئذٍ متساوية، لكن الرَّجحان مناف للإباحة.
وقال ابن المُنيِّر لا مانع من افتراق مباحين مشتركين في أصل الإباحة باستمرار إباحة أحدهما، وتحريم الآخر، وقال الحافظُ العسقلانيُّ يحتمل أن تكون نفرته صلى الله عليه وسلم منها؛ لكونه لم يعتدْ شربها، فوافق بطبعه ما سيقع من تحريمها بعد حفظها من الله تعالى له ورعاية.
وقوله (( غوت أمَّتك ) )يحتمل أن يكون أخذه من طريق الفأل، أو تقدُّم عنده علم بترتب كلٍّ من الأثرين على كلٍّ من المؤثرين، وهو أظهر، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقال
ج 24 ص 70
الحافظُ العسقلانيُّ محلُّ التَّرجمة قوله (( غوت أمَّتك ) )، وقد أخرجه بقية السِّتَّة بأسانيد مختلفة.
(تَابَعَهُ) أي تابع شعيبًا في روايته عن الزُّهري (مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (وَابْنُ الْهَادِ) هو يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد اللَّيثي (وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضم العين، هو ابنُ موسى بن عبد الله بن معمر التَّيمي (وَالزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالدال المهملة، هو محمد بن الوليد بن عامر أبو الهذيل الشَّامي الحمصيُّ، والزُّبيدي هذا ما وقع مع هؤلاء المذكورين، إلَّا في غير رواية أبي ذرٍّ. أمَّا متابعة معمر فوصلها البُخاري في قصَّة موسى من أحاديث الأنبياء عليهم السَّلام، وليس فيه ذكر إيلياء، وفيه (( اشرب أيُّهما شئت، فأخذت اللَّبن فشربته ) ) [خ¦3394] .
وأمَّا متابعة ابن الهاد فوصلها النَّسائي من طريق اللَّيث عنه عن عبد الوهَّاب بن بخت، عن ابن شهاب، وهو الزُّهري، فعلى هذا قد سقط ذكر عبد الوهَّاب من الأصل بين ابن الهاد وابن شهاب على أنَّ ابن الهاد، قد روى عن الزُّهري أحاديث بغير واسطة، وقد وصله أحمد من طريق ابن الهاد عن الزُّهري بغير واسطة، ووصله أيضًا أبو عَوانة، والطَّبراني في «الأوسط» من طريق اللَّيث أيضًا عن عبد الوهَّاب. وقال الطَّبراني تفرد به يزيد بن الهاد عن عبد الوهَّاب.
وأمَّا رواية عُثمان بن عمر فوصلها تمام الرَّازي في «فوائده» من طريق إبراهيم بن المنذر عن عُمر بن عُثمان بن عمر عن أبيه عن الزُّهري، وأمَّا ما ذكره المزي في «الأطراف» عن الحاكم، أنَّه قال أراد البُخاري بقوله تابعه ابن الهاد وعُثمان بن عمر عن الزُّهري حديث ابن الهاد عن عبد الوهَّاب، وحديث عُثمان بن عمر بن فارس الرَّاوي عن يونس بن يزيد كلاهما عن الزُّهري، ففيه أنَّه ليس كما زعم الحاكم وأقرَّه المزي في عُثمان بن عمر، فإنَّه ظنَّ أنَّه عُثمان بن عمر بن فارس الرَّاوي عن يونس بن يزيد وليس به، وإنَّما هو عُثمان بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن مَعمر التَّيمي، وليس لعثمان بن عمر بن فارس ولد اسمه عُمر يروي عنه،
ج 24 ص 71
وإنَّما هو ولد التَّيمي كما ذكر من «فوائد تمام» ، وهو مدني.
وقد ذكر عُثمان الدَّارمي أنَّه سأل يحيى بن معين عن عمر بن عُثمان بن عمر المدني عن أبيه عن الزُّهري، فقال لا أعرفه، ولا أعرف أباه، وقد ذكره الزُّبير بن بكَّار في «النسب» وقال إنَّه ولي قضاء المدينة في زمن مروان بن محمد، ثمَّ ولي القضاء للمنصور، ومات معه بالعراق، وذكره ابن حبَّان في «الثقات» ، وأكثر الدَّارقطني من ذكره في «العلل» عند ذكره الأحاديث التي يختلف رواتها عن الزُّهري، وكثيرًا ما يرجح روايته عن الزُّهري، نبَّه على ذلك كلُّه الحافظُ العسقلانيُّ.
وأمَّا رواية الزُّبيدي فوصلها النَّسائي وابن حبَّان والطَّبراني في «مسند الشاميين» من طريق محمد بن حرب عنه، لكن ليس فيه ذكر إيلياء.