45 - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ) بتشديد الموحدة، ابن محمد البزار _ بزاي بعدها راء _، الواسطي، يكنى أبا علي، سكن ببغداد، قالوا كان من خيار الناس. وقال أحمد بن حنبل ثقة صاحب سنة، وما يأتي عليه يوم إلا وهو يفعل فيه خيرًا. روى عنه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وروى الترمذي عن رجل عنه، تُوفي ببغداد سنة ستين ومائتين، وقيل سنة تسع وأربعين ومائتين، فعلى القول الأول تكون وفاته قبل البُخاري؛ لأنه تُوفي سنة ست وخمسين ومائتين.
(سَمِعَ) أي أنه سمع، وجرت عادتهم بحذف أنَّه في مثل هذا خطًَّا لا نُطقًا كقاله (جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ) بن جعفر القرشي، المخزومي، الكوفي أبو عون.
قال ابن معين هو ثقةٌ. وقال أحمد رجل صالحٌ ليس به بأس. تُوفي بالكوفة سنة سبع ومائتين، روى له الجماعة.
(حَدَّثَنَا) أي قال حدثنا (أَبُو الْعُمَيْسِ) بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون الياء وفي آخره سين مهملة، هو عتبةُ بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهُذلي المسعودي، الكوفي، أخو عبد الرحمن.
قال يحيى وأحمد ثقة. تُوفي سنة عشرين ومئة. روى له الجماعة.
(أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) هو أبو عَمرو الكوفي، العابد، سمع طارق بن شهاب، ومجاهد، وغيرهما. وعنه الأعمش ومسعر وغيرهما. مات سنة عشرين ومئة أيضًا (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) بن عبد شمس البَجَلي _ بالموحدة والجيم المفتوحتين _، الأحمسي الكوفي الصَّحابي، رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وأدرك الجاهليَّة، وغزا في خلافة الشَّيخين رضي الله عنهما ثلاثًا وأربعين من بين غزوة وسرية. روى عن من الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصَّحابة، سكن الكوفة وتوفي سنة ثلاث
ج 1 ص 324
وعشرين ومئة، وقيل سنة ثلاث، أو اثنتين، أو أربع وثمانين.
(عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه. ومن لطائف إسناده أن فيه التَّحديث والإخبار والعنعنة. ومنها أن فيه رواية صحابي عن صحابي. ومنها أنَّ ثلاثة من رجاله كوفيون.
وقد أخرج متنه المؤلِّف في المغازي [خ¦4407] والتفسير [خ¦4606] والاعتصام أيضًا [خ¦7268] ، وأخرجه مسلم والترمذي وقال حسنٌ صحيح. وكذا النسائي في الإيمان والحج.
(أَنَّ رَجُلًا) هو كعب الأحبار قبل أن يسلم، صرَّح بذلك مسدَّد في (( مسنده ) )، والطَّبري في (( تفسيره ) )، والطبراني في (( الأوسط ) )، وفي رواية أخرى للمؤلِّف من طريق الثوري [خ¦4407] عن قيس بن مسلم أن ناسًا (مِنَ الْيَهُودِ) وفي رواية أخرى [خ¦4606] له ، فالتوفيق بين الرِّوايات أن يقال إنَّ كعبًا حين سأل عمر رضي الله عنه عن ذلك كان معه جماعة من اليهود، وتكلَّم كعب على لسانهم. واليهود عَلَم قوم موسى عليه السلام، وسمُّوا به اشتقاقًا من هادوا؛ أي مالوا وتابوا من عبادة العجل، أو من دين موسى، أو من هاد؛ إذا رجع من خير إلى شرٍّ، أو من شرٍّ إلى خيرٍ؛ لكثرة انتقالهم من مذاهبهم.
وقيل لأنهم يتهودون؛ أي يتحركون عند قراءة التَّوراة، وقيل هو معرَّبُ يهوذا بن يعقوب عليه السلام _ بالذال المعجمة _، فكأنَّهم سُموا باسم أكبر أولاد يعقوب عليه السلام، ثمَّ نُسب إليه فقيل يهودي ثمَّ حذف الياء في الجمع، فقيل يهود، وكل جمعٍ منسوب إلى جنس يفرق بينه وبين واحده بالياء وعدمها نحو رومي وروم، وزنجي وزنج، وجنِّي وجن.
(قَالَ لَهُ) أي لعمر رضي الله عنه (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ) مبتدأ، وجوَّز ذلك؛ لكونها متخصِّصة بالصِّفة، وهي قوله (فِي كِتَابِكُمْ) .
وقوله (تَقْرَؤُونَهَا) صفة أخرى لها، والجملة الشَّرطية خبره؛ أعني قوله (لَوْ عَلَيْنَا) أي لو نزلت علينا كقوله تعالى {أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ} [الإسراء 100] أي لو تملكون أنتم (مَعْشَرَ الْيَهُودِ) كلام إضافي منصوب على الاختصاص؛ أي أعني معشر اليهود.
والمعشر الجماعة الَّذين شأنهم واحد، ويجمعُ على معاشر.
(نَزَلَتْ) تفسير للمُضمر بعد كلمة لو (لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا) أي لعظَّمناه وجعلناه عيدًا لنا في كلِّ سنة؛ لعظم ما حصل فيه من كمال الدِّين، والعيد فعلٌ من العود، فجعل الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، وإنما سُمِّي به؛ لأنَّه يعود في كلِّ سنة.
وقال الزمخشريُّ في قوله تعالى {تَكُونُ لَنَا عِيدًا} [المائدة 114] قيل العيد هو السُّرور العائد ولذلك
ج 1 ص 325
يقال يوم عيد، وكأن معناه تكون لنا سرورًا وفرحًا، ويجمع على أعياد فرقًا بينه وبين أعواد الذي هو جمع عُود _ بالضم _.
هذا ويجوز أن يكون المخصص للمبتدأ هي الصِّفة الملحوظة المستفادة من التنوين؛ أي آية عظيمة، وقوله (( في كتابكم ) )خبره، وقوله (( تقرءونها ) )خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا تقديره في كتابكم آية، وحذف؛ لدَلالة المذكور عليه حذفًا واجبًا.
(قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (أَيُّ) بتشديد الياء، كلمةُ استفهام تسأل بها عمَّا يميز أحد المتشاركين من الآخر، وهو مبتدأ مضاف إلى قوله (آيَةٍ) والخبر محذوف؛ أي هي أي تلك الآية، والغرض تعيين تلك الآية وتمييزها عن سائر الآيات المقروءة في الكتاب.
(قَالَ) أي كعب، هي قوله تعالى {الْيَوْمَ} أي يوم عرفة في حجة الوداع، وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعده ثلاثة أشهر {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} بالنصر والإظهار على الأديان كلِّها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد، والتَّوقيف على أصول الشَّرائع وقوانين الاجتهاد، قاله البيضاوي رحمه الله.
وقد جزم السُّدِّي بأنه لم ينزل بعد هذه الآية شيء من الحلال والحرام.
وقد مرَّ ما به مطابقة الآية للترجمة فتبصَّر.
{وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} بالهداية والتوفيق، أو بإكمال الدِّين، أو بفتح مكة وهدم منار الجاهلية، وإبطال آيين الكفر والشرك {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ} أي اخترته لكم {دينًا} من بين الأديان وآذنتكم بأنه هو الدِّين المرضي وحده {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران 85] .
(قَالَ) وفي رواية (عُمَرُ) رضي الله عنه (قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ) وفي رواية (فِيهِ) وفي رواية (عَلَى النَّبِيِّ) وفي رواية (صلَّى الله عليه وسلم وَهُوَ قَائِمٌ) جملة اسمية وقعت حالًا، والباء في قوله (بِعَرَفَةَ) ظرفية متعلقة بقوله قائم، أو نزلت، وهو غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث اللفظي، علم للمكان المخصوص، وقد يُطلق على اليوم المعهود أيضًا (يَوْمَ جُمُعَةٍ) وفي نسخة وإنما لم يصرف كعرفة؛ لأنَّ عرفة علم والجمعة صفة، أو غير صفة ليس علمًا ولو جعل علمًا لامتنع من الصرف.
ومعنى قول عمر رضي الله عنه إنَّا ما أهملناه، ولا خفي علينا زمان نزولها، ولا مكان نزولها، وضبطنا جميع ما يتعلَّق بها حتى صفة
ج 1 ص 326
النبي صلى الله عليه وسلم وموضعه في زمان النزول، وهو كونه عليه السلام قائمًا بعرفة يوم الجمعة، وهو غاية في الضبط.
فإن قلت كيف طابق الجواب السُّؤال؛ لأنه قال لاتخذناه عيدًا، وأجاب عمر رضي الله عنه بمعرفة الوقت والمكان، ولم يقل جعلناه عيدًا؟.
فالجواب أنَّه ثبت في (( الصحيح ) )أنَّ النزول كان بعد العصر، ولا يتحقق العيد إلا من أول النهار، وقد قال الفقهاء إنَّ رؤية الهلال بعد الزوال لليلة المستقبلة، ولا ريب أنَّ اليوم التالي ليوم عرفة يوم عيد للمسلمين، فكأنَّه قال جعلناه عيدًا بعد إدراكنا استحقاقَ ذلك اليوم للتَّعييد فيه.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وعندي أنَّ هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلا فرواية إسحاق بن قبيصة قد نصت على المراد، ولفظه (( نزلت يوم جمعة يوم عرفة ) ). وكلاهما بحمد الله لنا عيد، وعند الطبرانيِّ (( وهما لنا عيدان ) ). وكذا عند الترمذي من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أن يهوديًا سأله عن ذلك فقال (( فإنها نزلت في يوم عيدين يوم جمعة، ويوم عرفة ) ).
فظهر أنَّ الجواب تضمَّن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيدًا؛ لأنه ليلة العيد، وقد جاء في الحديث (( شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة ) )فسمي رمضان عيدًا؛ لأنه يعقبه العيد، انتهى.
وقال النَّووي معناه أنَّا ما تركنا تعظيم ذلك اليوم والمكان، فأمَّا المكان فهو عرفة وهو معظم الحج الذي هو معظم أركان الإسلام، وأمَّا الزمان فهو يوم الجمعة ويوم عرفة، فهو يوم اجتمع فيه فضيلتان وشرفان، ومعلومٌ تعظيمنا لكلِّ واحدٍ منهما، فإذا اجتمعا زاد التَّعظيم، فقد اتخذنا ذلك اليوم عيدًا، وعظَّمنا مكانه أيضًا.