5584 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) بفتح الدال المهملة المشددة، قال (حَدَّثَنَا يُوسُفُ أَبُو مَعْشَرٍ) هو يوسف بنُ يزيد، وكنيته أبو معشر، وهو مشهورٌ بكنيته أكثر من اسمه (الْبَرَّاءُ) بالتشديد وبالمد، وكان يبري السِّهام، ويُقال له القطَّان أيضًا، وهو بصري، وليس له في البُخاري سوى هذا الحديث، وآخر سيأتي في «الطِّب» [خ¦5737] ، وكلاهما في المتابعات، وقد ليَّنه ابن معين وأبو داود، ووثقه المقدَّمي.
ج 24 ص 87
(قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتَّصغير، هو ابنُ جُبير _ بالجيم والموحدة _ ابن حَيَّة _ بالحاء المهملة وتشديد التحتية _، وثَّقه أحمدُ وابن معين. وقال الحاكم عن الدَّارقطني ليس بالقويِّ، وليس له في البُخاريِّ سوى هذا الحديث، وآخر تقدَّم في «الجزية» [خ¦3159] (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بسكون الكاف، المزنيُّ البصريُّ (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (حَدَّثَهُمْ أَنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ) على البناء للمفعول (وَالْخَمْرُ يَوْمَئِذٍ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ) أي والحال أنَّ الخمر يوم التَّحريم متَّخذة منهما، هكذا رواه أبو معشر مختصرًا.
وأخرجه الإسماعيليُّ من طريق روح بن عُبادة عن سعيد بن عبيد الله بهذا السَّند مطولًا، ولفظه عن أنس رضي الله عنه نزل تحريم الخمر، فدخلت على أناسٍ من أصحابي، وهي بين أيديهم فضربتها برجلي، فقلت انطلقوا فقد نزل تحريم الخمر، وشرابهم يومئذٍ البُسر والتَّمر. وهذا الفعل من أنس كأنَّه بعد أن خرج فسمع النِّداء بتحريم الخمر، فرجع فأخبرهم.
ووقع عند ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أنس رضي الله عنه فأراقوا الشَّراب، وتوضَّأ بعض، واغتسل بعض، وأصابوا من طيب أمِّ سُليم، وأتوا النَّبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقرأ {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية [المائدة 90] ، وفي «التوضيح» هذا الحديث حجَّةٌ على العراقيين أنَّ الخمر من العنب وحده؛ لأنَّ الصَّحابة القدوة في علم اللِّسان، ولا يجوز عليهم أن لا يفهموا أنَّ الخمر إنَّما هي من العنب. وتعقَّبه العينيُّ جزاه الله خيرًا أنَّه كرَّر هذا الكلام في هذه الأبواب، والذي قاله نقص في حقِّهم لنسبته إيَّاهم إلى عدم المعرفة بفنون الكلام، وهم القدوة فيها، وإنَّما قالوا لغير المتَّخذ من العنب خمرًا؛ لتشبيه بالمتَّخذ منه في مخامرة العقل، وقد مرَّ ذلك غير مرَّة أيضًا [خ¦5579 قبل] .
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وهو من أفراده.
وتفصيل الاختلاف في ذلك أنَّ ما عدا الحنفية ذهبوا إلى أنَّ المُسكر المتَّخذ من غير العنب يحرم شربَ قليله وكثيره، كما يحرم شرب القليل من المتَّخذ من العنب إذا أسكر كثيره؛ لأنَّ الصَّحابة فهموا
ج 24 ص 88
من الأمر بالاجتناب من الخمر تحريم ما يتَّخذ للسُّكر من جميع الأنواع، ولم يستفصلوا.
وقالت الحنفيَّة ومن قال بقولهم من الكوفيِّين بتحريم المتَّخذ من العنب قليلًا كان أو كثيرًا، إلَّا إذا طبخ على تفصيل سيأتي بيانه في باب مفرد [خ¦5598 قبل] ، فإنَّه يحلُّ. وقد انعقد الإجماع على أنَّ الخمر المتَّخذة من العنب يحرم قليلها وكثيرها، وعلى أنَّ العلَّة في تحريم قليلها كونه يدعو إلى تناول كثيرها، فيلزم ذلك من فرَّق في الحكم بين المتَّخذ من العنب، وبين المتَّخذ من غيره.
فقال في المتَّخذ من العنب يحرم القليل منه والكثير إلَّا إذا طبخ، وفي المتَّخذ من غيره لا يحرم منه إلَّا القدر الذي يسكرُ، وما دونه لا يحرم، ففرَّقوا بينهما بدعوى المغايرة في الاسم مع اتِّحاد العلَّة فيهما، فإن كل ما قدر في المتَّخذ من العنب يقدر في المتَّخذ من غيره.
قال القرطبيُّ وهذا من أرفع أنواعِ القياس؛ لمساواة الفرع فيه للأصل في جميع أوصافه مع موافقتهِ لظواهر النُّصوص الصَّحيحة. وقال الشَّافعي قال لي بعض النَّاس الخمر حرامٌ، والسُّكر من كلِّ شراب حرام، ولا يحرم المُسكر منه حتَّى يسكر، ولا يحدُّ شاربه. فقلت كيف خالفت ما جاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ثمَّ عن عمر، ثمَّ عن علي رضي الله عنهما، ولم يقل أحدٌ من الصَّحابة خلافه، قال روينا عن عمر رضي الله عنه، قلت في سنده مجهولٌ عندكم فلا حجَّة فيه.
قال البيهقيُّ أشار إلى رواية سعيد بن ذي لَعْوة أنَّه شرب من سَطِيحة لعمر رضي الله عنه فَسَكر، فجلده عُمر رضي الله عنه قال إنَّما شربت من سطيحتكَ، قال ضربتك على السُّكر، وسعيدٌ قال البُخاري وغيره لا يُعرف، قال وقال بعضُهم سعيد بن ذي حُدَّان، وهو غلطٌ، ثمَّ ذكر البيهقي الأحاديث التي جاءت في كسر النَّبيذ بالماء
منها حديث همَّام بن الحارث عن عُمر رضي الله عنه أنَّه كان في سفر فأُتِيَ بنبيذٍ فشربَ منه فقطَّب، ثمَّ قال إنَّ نبيذ الطَّائف له عُرام _ بضم المهملة وتخفيف الراء _، ثمَّ دعا ماء فصبَّه عليه، ثمَّ شرب، وسندُه قوي، وهو أصحُّ شيءٍ ورد في ذلك، وليس نصًّا في أنَّه بلغ حدَّ الإسكار،
ج 24 ص 89
إذ لو كان بلغ حد الإسكار لم يكن صَبُّ الماء عليه مزيلًا لتحريمه، وقد اعترف الطَّحاوي بذلك، فقال لو كان بلغ التَّحريم؛ لكان لا يحل، ولو وُهِّنتْ شدَّتُه بصب الماء، فثبت أنَّه قبل أن يُصبَّ عليه الماء كان غير حرام.
قال الحافظُ العسقلانيُّ وإذا لم يبلغ حدَّ الإسكار فلا خلافَ في إباحة شُرب قليله وكثيرهِ، فدلَّ على أنَّ تقطيبه لأمر غير الإسكار، قال البيهقي حمل هذه الأشربة على أنَّهم خشوا أن تتغيرَ وتشتدَّ فجوزوا صب الماء فيها؛ ليمتنع الاشتداد أولى من حملها على أنَّها كانت بلغت حدَّ الإسكار، فكان صب الماء فيها لذلك؛ لأنَّ مزجها بالماء لا يمنعُ إسكارها إذا كانت قد بلغت حدَّ الإسكار.
ويحتمل أن يكون سبب صبِّ الماء كون ذلك الشَّراب كان حمض، ولهذا قطَّب عمر رضي الله عنه لما شربه، فقد قال نافع والله ما قطب عمر وجهه لأجل الإسكار حين ذاقَه، ولكنَّه كان تخلَّل، وعن عتبة بن فرقد قال كان النَّبيذ الذي شربه عمر قد تخلَّل.
قال الحافظُ العسقلانيُّ وهذا الثَّاني أخرجه النَّسائي بسند صحيحٍ، وروى الأثرم عن الأوزاعي وعن العمري أنَّ عمر رضي الله عنه إنَّما كسره بالماء؛ لشدَّة حلاوتهِ. وقال الحافظُ العسقلاني ويمكن الحمل على حالتين هذه لما لم يُقطِّب حين ذاقه، وأمَّا عند ما قَطَّب فكان لحموضتهِ.
واحتجَّ الطَّحاوي لمذهبهم أيضًا بما أخرجه من طريق النَّخعي عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله (( كلُّ مُسكرٍ حرام ) )قال هي الشُّربة التي تُسكِر. وتعقِّب بأنَّه ضعيفٌ؛ لأنَّه تفرد به حجَّاج بن أرطاة، عن حماد بن أبي سليمان، عن النَّخعيِّ، وحجَّاج ضعيفٌ ومدلِّس أيضًا.
قال البيهقيُّ ذكر هذا لعبد الله بن المبارك، فقال هذا باطلٌ، ورُوِي له بسندٍ صحيحٍ عن النَّخعيِّ، قال إذا سكر من شراب لم يحلَّ له أن يعود فيه أبدًا. قال الحافظُ العسقلانيُّ وهذا أيضًا عند النَّسائي بسندٍ صحيحٍ.
ثمَّ روى النَّسائي عن ابن المبارك قال ما وجدت الرُّخصة فيه من وجهٍ صحيحٍ إلَّا عن النَّخعي من قوله، وأخرج الأثرمُ من طريق خالد بن سعد
ج 24 ص 90
عن أبي مسعود رضي الله عنه، قال عطش النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوفُ، فأتي بنبيذ من السِّقاية، فقطَّبُ، فقيل أحرام هو؟ قال (( لا، عليَّ بذنوب من ماء زمزم ) )، فصَبَّ عليه وشرب.
قال الأثرم احتجَّ به الكوفيُّون لمذهبهم، ولا حجَّة لهم فيه؛ لأنَّهم متَّفقون على أنَّ النَّبيذ إذا اشتدَّ بغير طبخ لا يحلُّ شربه، فإن زعموا أنَّ الذي شربه النَّبي صلى الله عليه وسلم كان من هذا القبيل فقد نسبوا إليه أنَّه شرب المسكر، ومعاذ الله من ذلك، وإن زعموا أنَّه قَطَّب من حموضته لم يكن لهم فيه حجَّة؛ لأنَّ النَّقيعَ ما لم يشتد، فكثيرهُ وقليله حلالٌ بالاتِّفاق، وقد مرَّ الجواب عن ذلك مرارًا.