فهرس الكتاب

الصفحة 8329 من 11127

5602 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هو ابنُ إبراهيم، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائي، قال (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة(عَنْ

ج 24 ص 150

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ)أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، أنَّه (قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ) بفتح الزاي وبسكون الهاء، وهو الملون من البُسر (وَ) بين (التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) لأنَّ أحدهما يشتدُّ به الآخر فيسرع الإسكار (وَلْيُنْبَذْ) بسكون اللام وفتح الموحدة على البناء للمفعول (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أي من كل اثنين منهما إنَّما ثنَّى الضَّمير، ولم يقل منها؛ ليكون الجمع بين أكثر بطريق الأولى (عَلَى حِدَةٍ) بكسر الحاء المهملة وفتح الدال بعدها هاء تأنيث، كذا قال الحافظُ العسقلاني.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذه التاء ليست للتأنيث، بل هي عوض عن الواو المحذوفة من أوَّله، إذ أصله وحد، كوعد وعدة، فافهم؛ أي وحده، وفي رواية الكُشميهني .

وفي رواية مسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه من شَرِبَ منكم النبيذ فليشربه زبيبًا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسرًا فردًا. وأخرج ابنُ أبي شيبة وأحمد والنَّسائي سبب النَّهي من طريق النَّجراني عن ابن عُمر رضي الله عنهما قال أُتِيَ النَّبي صلى الله عليه وسلم بسكران فضربه، ثمَّ سأله عن شرابه، فقال شربت نبيذَ تمرٍ وزبيب، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لا تخلطوهما، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما يكفي وحده ) ).

قال النَّووي ذهب أصحابنا وغيرهم من العلماء إلى أنَّ سببَ النَّهي عن الخليط أنَّ الإسكار يسرعُ إليه بسبب الخلط قبل أن يشتدَّ، فيظنُّ الشَّارب أنَّه لم يبلغْ حدَّ الإسكار، ويكون قد بلغه. قال ومذهب الجمهور أنَّ النَّهي في ذلك للتَّنزيه، وإنَّما يمتنع إذا كان مسكرًا، ولا تخفى علامتُه، وقال بعض المالكيَّة هو للتَّحريم. واختلف في خلط نُبِيذ البُسر الذي لم يشتدَّ مع نبيذ التَّمر الذي لم يشتد عند الشُّرب هل يمتنعَ، أو يختصَّ النَّهي عن الخلط عند الانتباذ، فقال الجمهور لا فرقَ، وقال اللَّيث لا بأس بذلك عند الشُّرب. ونقل ابن التِّين عن الدَّاودي أنَّ سبب النَّهي أنَّ النَّبيذ يكون حلوًا، فإذا أضيف إليه الآخر

ج 24 ص 151

أسرعت إليه الشِّدَّة، وهذه صورةٌ أخرى فإنَّه يخصُّ النَّهي بما إذا نبذَ أحدهما، ثمَّ أُضيف إليه الآخر لا ما إذا نُبِذا معًا.

واختلف في الخليطين من الأشربة غير النَّبيذ، فحكى ابن التِّين عن بعض الفقهاء أنَّه كره أن يخلط للمريض شرابين، وردَّه بأنَّهما لا يسرع إليهما الإسكارُ اجتماعًا وانفرادًا.

وتعقِّب باحتمال أن يكون قائل ذلك يرى أنَّ العلَّة الإسراف كما تقدَّم، لكن يُقيَّد كلام هذا في مسألة المريض بما إذا كان المفرَدُ كافيًا في دواء ذلك المرض، وإلَّا فلا مانع حينئذٍ من المركَّب. وقال ابن العربي ثبتَ تحريم الخمر لما يحدث عنها من السُّكر، وجواز النَّبيذ الحلو الذي لا يُحدَث عنه سكر، وثبتَ النَّهي عن الانتباذ في الأوعية، ثمَّ نسخَ، وعن الخليطين، فاختلف العُلماء فقال أحمد وإسحاق وأكثر الشَّافعيَّة بالتَّحريم ولو لم يسكر. وقال الكوفيُّون بالحل قال واتَّفق علماؤنا على الكراهة، لكن اختلفوا هل هو للتَّحريم أو للتَّنزيه. واختلف في علَّة المنع فقيل لأنَّ أحدهما يشتدُّ بالآخر، وقيل لأنَّ الإسكار يسرع إليهما. قال ولا خلاف أنَّ العسل باللَّبن ليس بخليطين؛ لأنَّ اللَّبن لا يُنبذ. لكن قال ابنُ عبد الحكم لا يجوزُ خلطُ شرابي سكر كالورد والجلاب، وهو ضعيفٌ. قال واختلفوا في الخليطين لأجل التَّحليل. ثمَّ قال ويتحصَّل لنا أربع صورٍ أن يكون الخليطان منصوصين فهو حرامٌ، أو منصوصًا ومسكوتًا عنه، فإن كان كلٌّ منهما لو انفردَ سكر فهو حرام قياسًا على المنصوص، أو مسكوتًا عنهما، وكلٌّ منهما لو انفردَ لم يسكر جاز. قال وهنا مرتبةٌ رابعة وهي ما لو خلطَ شيئين وأضاف إليهما دواء منع الإسكار، فيجوز في المسكوت عنه، ويُكره في المنصوص.

وما نقله عن أكثر الشَّافعيَّة وجد نص الشَّافعي بما يوافقه، فقال ثبتَ نهي النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الخليطين فلا يجوز بحالٍ، وعن مالك قال على ذلك أدركنا أهل العلم ببلدنا. وقال الخطَّابي ذهب إلى تحريم الخليطين وإن لم يكن الشَّراب منهما مُسكرًا جماعة عملًا بظاهر الحديث،

ج 24 ص 152

وهو قول مالك وأحمد وإسحاق، وظاهر مذهب الشَّافعي، وقالوا من شرب الخليطين أثمَ من جهة واحدةٍ، فإن كان بعد الشِّدَّة أثم من جهتين، وخصَّ اللَّيث النَّهي بما إذا نُبِذا معًا. انتهى.

وجرى ابن حزم على عادته في الجمود فخصَّ النَّهي عن الخليطين بخلط واحدٍ من خمسة أشياء، وهي التَّمر والرُّطب والزَّهو والبُسر والزَّبيب في أحدها، أو في غيرها، فأمَّا لو خلط واحد من غيرها في واحد من غيرها لم يمنع كالتِّين والعسل مثلًا.

ويرد عليه ما أخرجه أحمد في «الأشربة» من طريق المختار بن فلفل عن أنس رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمعَ اثنين نبيذًا ممَّا يبغي أحدهما على صاحبه. وقال القرطبيُّ النَّهي عن الخليطين ظاهرٌ في التَّحريم، وهو قولُ جمهور فقهاء الأمصار. وعن مالك يكره فقط، وشذَّ من قال لا بأس به؛ لأنَّ كلاًّ منهما يحلُّ منفردًا، فلا يكره مجتمعًا.

قال وهذه مخالفة للنَّص، وقياس مع وجود الفارق فهو فاسدٌ من وجهين، ثمَّ هو منتقض بجواز كلِّ واحدةٍ من الأختين منفردة، وتحريمهما مجتمعتين. قال وأعجب من ذلك تأويل من قال منهم إنَّ النَّهي من باب السَّرف، قال وهذا تبديل لا تأويل، ويشهدُ ببطلانه الأحاديث الصَّريحة.

قال وتسمية الشَّراب إدامًا قول من ذهل عن الشَّرع واللُّغة والعرف، قال والذي يفهم من الأحاديث التَّعليل بخوف إسراع الشِّدَّة بالخلط. وعلى هذا يقتصر في النَّهي عن الخلط على ما يؤثر فيه الإسراع.

قال وأفرط بعض أصحابنا فمنع الخلطَ، وإن لم توجد العلَّة المذكورة، ويلزمه أن يمنعَ من خلط العسل واللَّبن والخلِّ والعسل. وحكاه ابنُ العربي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وقال إنَّه حمل النَّهي عن الخليطين من الأشربة على عمومهِ واستغربَهُ.

هذا وقال العينيُّ وفي الحديث كراهة الجمعِ بين الإدامين، ولكن كراهة تنزيهٍ لا تحريم، واختلف في وجه النَّهي، فقيل لضيق العيش، وقيل للسَّرف.

وقال المهلَّب ولا يصحُّ عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النَّهي عن خلط الأُدم، وإنَّما روي ذلك عن عمر رضي الله عنه

ج 24 ص 153

من أجل السَّرف؛ لأنَّه كان يمكن أن يأتدمَ بأحدهما، ويرفع الآخر إلى مرَّة أخرى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجهُ مسلمٌ في «الأشربة» ، وكذا أبو داود فيه، وأخرجه النَّسائي في «الوليمة» ، وابن ماجه في «الأشربة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت