5612 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) عبد الله بن عُثمان المروزي، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن المبارك المروزي، قال (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابنُ يزيد
ج 24 ص 168
الأيلي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ لَبَنًا، وَأَتَى دَارَهُ) أي دار أنس، والواو فيه للحال؛ أي رآه حين أتى داره.
وقد تقدَّم في «الهبة» من طريق أبي طُوَالة عن أنس رضي الله عنه بلفظ [خ¦2571] «أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في دارنا هذه فاستسقى، فحلبنا شاة لنا» .
(فَحَلَبْتُ شَاةً) عيَّن في هذه الرِّواية، أنَّه هو الذي باشر الحلب (فَشُبْتُ) بضم المعجمة؛ أي خلطت، كذا في رواية الأكثر من الشوب بلفظ المتكلِّم، ووقع في رواية الأَصيلي بكسر المعجمة بعدها تحتية على البناء للمفعول (لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) اللَّبن الذي حلبته بماء (مِنَ الْبِئْرِ) ليبرد (فَتَنَاوَلَ) صلى الله عليه وسلم (الْقَدَحَ فَشَرِبَ) منه (وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ) وفي رواية أبي طُوالة عن أنس [1] التي تقدَّمت في «الهبة» (( وعُمر رضي الله عنه تجاهه ) ).
وتقدَّم في «الشُّرب» [خ¦2352] من طريق شُعيب عن الزُّهري في هذا الحديث فقال عمر وخاف أن يُعطيه الأعرابي أعطِ أبا بكر، وفي رواية أبي طُوَالة فقال عمر هذا أبو بكر [خ¦2571] .
قال الخطَّابي وغيره كانت العادة جارية لملوك الجاهليَّة ورؤسائهم بتقديم الأيمن في الشُّرب، حتَّى قال عَمرو بن كلثوم في قصيدة له
~وَكَأَنَّ الكَأَسَ مَجْرَاهَا اليَمِيْنَا
فخشي عُمر رضي الله عنه لذلك أن يقدِّم الأعرابي على أبي بكر رضي الله عنه في الشُّرب، فنبَّه عليه؛ لأنَّه احتمل عنده أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم يُؤثِر تقديم أبي بكر رضي الله عنه، فتصير السُّنة تقديم الأفضل في الشُّرب على الأيمن.
(فَأَعْطَى) صلى الله عليه وسلم (الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ) أي اللَّبن الذي فضل منه بعد شربه (ثُمَّ قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهني بالواو بدل «ثمَّ» ، قال (الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ) بالنَّصب على تقدير قدِّموا أو أعطوا، ويجوز الرفع على تقدير الأيمنُ مقدَّمٌ.
واستنبط بعضُهم من تكرار الأيمن أنَّ السنَّة
ج 24 ص 169
إعطاء من على اليمين، ثمَّ الذي يليه، وهلم جرا، فيلزم منه أن يكون عُمر رضي الله عنه في الصُّورة التي وردت في هذا الحديث شرب بعد الأعرابي، ثمَّ شرب أبو بكر رضي الله عنه بعده، لكن الظَّاهر من عُمر رضي الله عنه إيثاره أبا بكر رضي الله عنه بتقديمه عليه. وفي رواية أبي طُوالة (( الأيمنون الأيمنون ) ) [خ¦2571] وتقديره الأيمنون مقدمون، أو يقدَّم الأيمنون فقد بيَّن النَّبي صلى الله عليه وسلم بفعله.
وقوله إنَّ تلك العادة لم تغيِّرها السُّنَّة، وأنَّها مستمرة، وأنَّ الأيمن مقدَّم على الأفضل في ذلك، ولا يلزم من ذلك حط رتبة الأفضل، وكان ذلك لفضل اليمين على اليسار. ومن زعم أنَّ الأعرابي المذكور في الحديث هو خالد بن الوليد فقد وهم؛ لأنَّه لا يُقال لمثل خالد بن الوليد رضي الله عنه أعرابي.
ووقع عند الطَّبراني من حديث عبد الله بن أبي حبيبة قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد قباء، فجئتُ فجلست عن يمينهِ، وجلس أبو بكر رضي الله عنه عن يساره، ثمَّ دعا بشرابٍ، فشرب وناولني عن يمينه. وأخرجه أحمد لكنَّه لم يسمِّ الصَّحابي، ولا يمكن تفسير المبهم في حديث أنس رضي الله عنه به أيضًا؛ لأنَّ هذه القصَّة كانت بقُباء، وتلك في دار أنس رضي الله عنه، وأيضًا فهو أنصاري فلا يُقال له أعرابي، كما في حقِّ خالد بن الوليد رضي الله عنه.
ومن فوائد الحديث غير ما ذكر أنَّ من سبق إلى مجلس علم، أو مجلسِ رئيس لا يَتنحَّى عنه لمجيء من هو أولى منه بالجلوس في ذلك المجلس، بل يجلسُ الآتي حيثُ انتهى به المجلس، لكن إن آثره السَّابق جاز، وأنَّ من استحقَّ شيئًا لم يدفع عنه إلَّا بإذنه كبيرًا كان أو صغيرًا، إذا كان ممَّن يجوز إذنه.
ومنها أيضًا أنَّ الجلساءَ شركاء فيما يقرب إليهم على سبيلِ الفضل لا اللُّزوم للإجماع على أنَّ المطالبة بذلك لا تجبُ، قاله ابن عبد البر. ومحلُّه إذا لم يكن فيهم الإمام أو من يقومُ مقامه، فإن كان فالتَّصرف في ذلك له.
ج 24 ص 170
ومنها دخولُ الكبير بيت خادمهِ وصاحبه، ولو كان صغير السِّن وتناوله ممَّا عندهم من طعام وشراب من غير بحث.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد مضى الحديث في «كتاب الهبة» [خ¦2571] ، ولكن من رواية أبي طُوالة.
[1] في الأصل (أبي طوالة عن يونس) .