فهرس الكتاب

الصفحة 8343 من 11127

5613 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَديُّ الجعفيُّ، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو العَقَدي _ بفتحتين _، قال (حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بفاء مضمومة آخره حاء مهملة، وبضم السين مصغَّرًا، العدويُّ مولاهم المدني (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ) الأنصاريِّ، قاضي المدينة (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريِّ رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ) قيل إنَّه أبو الهيثم بن التَّيِّهان الأنصاري.

وقد ذكر الواقدي من حديث الهيثم بن نصر الأسلميِّ قال خدمت النَّبي صلى الله عليه وسلم ولزمتُ بابه، فكنت آتيه بالماء من بئر جاشمٍ، وهي بئرُ أبي الهيثم بن التِّيهان، فكان ماؤها طيبًا، ولقد دخل يومًا صائفًا، ومعه أبو بكر رضي الله عنه على أبي الهيثم فقال (( هل من ماءٍ باردٍ؟ ) )فأتاهُ بشجب فيه ماء كأنَّه الثَّلج، فصبَّ منه على لبنٍ عنز له وسقاه، ثمَّ قال له إنَّ لنا عريشًا باردًا، فَقِلْ فيه يا رسول الله عندنا، فدخله، وأبو بكر رضي الله عنه، وأتى أبو الهيثم بألوان من الرُّطب ... الحديث.

والشَّجَب _ بفتح المعجمة وسكون الجيم ثم موحدة _ يتَّخذ من شنة تُقطع، ويُخرزُ رأسها.

(وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ) وهو أبو بكر الصِّديق رضي الله عنه (فَقَالَ لَهُ) أي للرَّجل الأنصاري الذي دخل عليه (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) زاد في رواية الإسماعيلي من قبل هذا (( وإلى جانبه ماء في رَكِيٍّ ) )وهو بفتح الراء وكسر الكاف بعدها ياء مشددة، البئر المطوية. وزاد في رواية ستأتي بعد خمسة أبواب فسلَّم النَّبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه فردَّ الرَّجل عليهما السَّلام [خ¦5621] .

(إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنَّةٍ) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، وهي القرية الخَلِقَة.

ج 24 ص 171

وقال الدَّاودي هي التي زال شعرها من البِلَى _ بكسر الموحدة _ من كثرة الاستعمال.

قال المهلَّب الحكمة في طلب الماء البائت أنَّه يكون أبرد وأصفى، وأمَّا مزج اللَّبن بالماء، فلعلَّ ذلك كان في يوم حارٍّ، كما وقع في قصَّة أبي بكر رضي الله عنه مع الرَّاعي، فالقصَّتان مختلفتان.

فصنيع أبي بكر رضي الله عنه ذلك باللَّبن؛ لشدِّة الحر. وصنيع الأنصاريِّ؛ لأنَّه أراد أن لا يسقي النَّبي صلى الله عليه وسلم ماء صرفًا، فأراد أن يضيفَ إليه اللَّبن، فأحضر له ما طلب منه، وزاد عليه من جنسٍ جرت عادته صلى الله عليه وسلم بالرَّغبة فيه. ويؤيِّد هذا ما في رواية الهيثم بن نصر قبل إنَّ الماء كان مثل الثَّلج [خ¦5613] .

(وَإِلاَّ كَرَعْنَا) فيه حذف تقديره إن كان عندك ماء فاسقنا، وإن لم يكن عندك كرعنا من الكرع، وهو تناولُ الماء بالفم من غير إناءٍ ولا كفٍّ. وقال ابن التِّين حكى عبد الملك أنَّه الشُّرب باليدين معًا، قال وأهل اللُّغة على خلافه.

قال الحافظُ العسقلانيُّ ويردُّه ما أخرج ابن ماجه عن ابن عُمر رضي الله عنهما قال مرَّرنا على بركة، فجعلنا نكرع فيها، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لا تكرعوا، ولكن اغسلوا أيديكم ثمَّ اشربوا بها ... ) )الحديث. ولكن في سنده ضعفٌ، فإن كان محفوظًا فالنَّهي فيه للتَّنزيه، والفعل لبيان الجواز، أو قصَّة جابر قبل النَّهي، أو النَّهي في غير حالة الضَّرورة، وهذا الفعل كان لضرورة شرب الماء الذي ليس ببارد، فيشربُ بالكرع لضرورة العطش؛ لئلَّا تكرهه نفسه إذا تكرَّرتِ الجَرْعَ، فقد لا يبلغُ الغرضَ من الرِّيِّ، أشار إلى هذا الأخير ابن بطَّال، وإنَّما قيل للشُّرب بالفم كَرْعٌ؛ لأنَّه فعل البهائم لشربها بأفواهها، والغالب أنَّها تدخل أكارعها حينئذٍ في الماء. ووقع عند ابن ماجه من وجه آخر عن ابن عُمر رضي الله عنهما قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشربَ على بطوننا وهو الكرعُ، وسنده أيضًا ضعيفٌ.

فهذا إن ثبتَ احتمل أن يكون النَّهي خاصًا بهذه الصُّورة، وهي أن يكون الشَّارب

ج 24 ص 172

منبطحًا على بطنه. ويحمل حديث جابر على الشُّرب بالفم من مكان عالٍ لا يحتاج إلى الانبطاح.

وقد وقع في رواية أحمد (( وإلَّا تجرَّعنا ) )بمثناة وجيم وتشديد الراء؛ أي شربنا جرعة جرعة. وكرَع بفتح الراء. وقال الجوهريُّ بالكسر أيضًا.

(قَالَ) أي جابر رضي الله عنه (وَالرَّجُلُ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطِهِ) أي ينقل الماء من مكان إلى مكان آخر من البستان؛ ليعم أشجاره بالسَّقي.

وسيأتي بعد خمسة أبواب من وجه آخر بلفظ، «وهو يحول في حائط له» [خ¦5621] ، يعني الماء، وفي لفظ له أي للبُخاري «يحول الماء في الحائط» [خ¦5621] ، فيحتمل أن يكون وقع منه تحويل الماء من البئر مثلًا إلى أعلاها، ثمَّ حوله من مكان إلى مكان.

(قَالَ) جابر رضي الله عنه (فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي مَاءٌ بَائِتٌ فَانْطَلِقْ) بكسر اللام وسكون القاف (إِلَى الْعَرِيشِ) أراد به ما يستظلُّ به. وقيل هو خيمةٌ من خشبٍ وثُمام _ بضم المثلثة مخففًا _، وهو نبات ضعيفٌ له خوص، وقد يجعل من الجريد كالقبَّة، أو من العيدان، ويُظلَّل عليها. وقيل هو السَّقف من البستان بالأغصان، وأكثر ما يكون في الكروم، وليس منافيًا للزُّهد (قَالَ فَانْطَلَقَ) أي الرَّجل الأنصاري (بِهِمَا) أي بالنَّبي صلى الله عليه وسلم، وبالصِّديق رضي الله عنه إلى العريش (فَسَكَبَ فِي قَدَحٍ) وفي رواية أحمد (( فنسكبُ ماءً في قدح ) ) (ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ) لبنًا (مِنْ دَاجِنٍ لَهُ) بكسر الجيم، وهي الشَّاةُ التي تألفُ البيوت، وفي رواية أحمد وابن ماجه (( فحلب له شاة، ثمَّ صبَّ عليه ماء، باتَ في شنٍّ ) ).

(قَالَ) جابر رضي الله عنه (فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ شَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ مَعَهُ) وهو أبو بكر الصِّديق رضي الله عنه. وفي رواية أحمد (( وشرب النَّبي صلى الله عليه وسلم، وسقى صاحبه ) ).

وظاهره أنَّ الرَّجل شرب فضلة النَّبي صلى الله عليه وسلم، لكن في رواية لأحمد أيضًا وابن ماجه (( ثمَّ سقاهُ، ثمَّ صنع لصاحبه مثل ذلك ) )أي حلب له أيضًا،

ج 24 ص 173

وسكبَ عليه الماء البائت، وهذا هو الظَّاهر، ويحتمل أن تكون المثلية في مطلق الشُّرب.

قال المهلَّب وفي الحديث أنَّه لا بأس بشربِ الماء البارد في اليوم الحار، وهو من جملة النِّعم التي امتنَّ الله تعالى بها على عباده. وقد أخرج التِّرمذي من حديث أبي هُريرة رضي الله عنه رفعه (( أوَّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يُقال له ألم أصحَّ جسمَك، وأروكَ من الماء الباردِ ) ).

وفيه أيضًا قصد الرَّجل الفاضل بنفسه بعض أصحابه. وفيه أيضًا جواز خلط اللَّبن بالماء عند الشُّرب، ولا يجوز عند البيع. وفيه أيضًا أنَّ من قدم إليه بطعام لا يلزمه أن يسألَ من أين صار إليه، إلَّا إذا علم أن أكثر ماله حرامٌ، فإنَّه لا يأكله فضلًا عن أن يسألَه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه أبو داود، وابن ماجه في «الأشربة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت