فهرس الكتاب

الصفحة 8348 من 11127

5616 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ) قال (سَمِعْتُ النَّزَّالَ بْنَ سَبْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ) جمع حاجةٍ على غير قياس. وذكر الأصمعي أنَّه مولَّد، والجمع حاجات وحاج. وقال ابنُ ولَّاد الحوجاءُ الحاجة، وجمعها حواجيٌّ، بالتَّشديد، ويجوز التَّخفيف. قال فلعلَّ حوائج مقلوبة من حواجي، مثل سوائع من سواعي. وقال الهروي قيل الأصل حائجة، فيصحُّ الجمع على حوائج.

(فِي رَحَبَةِ الْكُوفَةِ) في «القاموس» ورحبة المكان، وتُسكَّن ساحتُه ومتَّسعُه (حَتَّى حَضَرَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ) بضم الهمزة (بِمَاءٍ) وفي رواية عَمرو بن مرزوق عند الإسماعيليِّ عن شعبة (( فدعا بوَضوء ) ). وفي رواية التِّرمذي من طريق الأعمش عن عبد الملك بن ميسرة (( ثمَّ أتى عليٌّ بكوز من ماء ) )، ومثله في رواية بهز بن أسد عن شعبة عند النَّسائي، وكذا لأبي داود الطَّيالسي في «مسنده» عن شعبة.

(فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ) كذا هنا، وفي رواية بهز (( فأخذ منه كفًا فمسح وجهه وذراعيهِ ورأسه ورجليهِ ) ). وعند الطَّيالسي (( فغسلَ وجهَه ويديهِ ومسحَ على رأسه ورجليه ) ). ومثله في رواية عَمرو بن مَرْزوق عند الإسماعيليِّ، ويُؤخذ منه أنَّه في الأصل ومسح على رأسه ورجليه، وأنَّ آدم توقَّف في سياقه فعبر بقوله (( وذكر رأسه ورجليهِ ) ). ووقع في رواية الأعمش (( فغسلَ يديه ومضمضَ واستنشقَ ومسحَ بوجهه وذراعيهِ ورأسه ) ). وفي رواية عليِّ بن الجعد عن شُعبة عند الإسماعيلي (( فمسحَ بوجههِ برأسه ورجليهِ ) ). وفي رواية أبي الوليد عن شُعبة ذكر الغسل والتَّثليث في الجميع، وهي شاذَّة مخالفةٌ لرواية أكثر أصحاب شعبة.

والظَّاهر أنَّ الوهم فيها من الرَّاوي عنه، أحمدُ بن إبراهيم

ج 24 ص 181

الواسطي شيخ الإسماعيلي فيها، فقد ضعفه الدَّراقطني، والصِّفة التي ذكرها هي صفة إسباغ الوضوء الكامل. وقال الكرمانيُّ فإن قلت لِمَ فصل الرَّأس والرِّجلين عمَّا تقدَّم، ولم يذكرهما على وتيرة واحدة؟

قلت حيثُ لم يكن الرَّأس مغسولًا بل ممسوحًا فصله عنه، وعطف الرِّجْلَ عليه وإن كانت مغسولة على نحو قوله تعالى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة 6] ، أو كان لابسٌ الخفَّ فمسحه أيضًا. وقيل ذلك لأنَّ الرَّاوي نسي ما ذكره الرَّاوي الأوَّل في شأن الرَّأس والرِّجلين.

(ثُمَّ قَامَ، فَشَرِبَ فَضْلَهُ) أي فضل الماء الذي توضَّأ منه (وَهْوَ قَائِمٌ) هذا هو المحفوظُ في الرِّوايات كلِّها، والذي وقع هنا من ذكر الشُّرب مرَّة قبل الوضوء، ومرَّة بعد الوضوء. قال الحافظُ العسقلانيُّ لم أره في غير رواية آدم (ثُمَّ قَالَ إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا) كذا في رواية الأكثرين، ووقع في رواية الكُشميهني وهذه أولى، وفي رواية الطَّيالسي (( أن يشربوا قيامًا ) ) (وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ) ويروى أي من الشُّرب قائمًا، وصرَّح به الإسماعيلي في روايته فقال (( شرب فضلة وَضوئه كما شربتُ ) )وفي رواية أحمد وابنه من طريق آخرين عن علي رضي الله عنه أنَّه شرب قائمًا فرأى النَّاس كأنَّهم أنكروه، فقال ما تنظرون إنْ أشرب قائمًا…فقد رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم شرب قائمًا، وإن أشرب قاعدًا فقد رأيته يشربُ قاعدًا. ووقع في رواية النَّسائي والإسماعيلي زيادة في آخر الحديث من طريق شعبة (( وهذا وضوء من لم يُحدِث ) )وهي على شرط الصحيح، وكذا ثبت في رواية الأعمش عند التِّرمذي.

وقد استُدلَّ بهذا الحديث على جواز الشُّرب قائمًا، وقد عارض ذلك أحاديث صريحة في النَّهي عنه منها ما رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشُّرب قائمًا. ومثله ما رواه عن أبي سعيد رضي الله عنه بلفظ «نهى» .

ج 24 ص 182

ومثله للتِّرمذي وحسَّنه من حديث الجارود. وفي رواية مسلم من طريق أبي غطفان عن أبي هُريرة رضي الله عنه بلفظ (( لا يشربنَّ أحدكُم قائمًا فمن نسيَ فليستقئ ) ). وأخرجه أحمد من وجهٍ آخر، وصحَّحه ابن حبَّان من طريق أبي صالح عنه بلفظ (( لو يعلم الذي يشربُ وهو قائمٌ لاستقاء ) ). وفي رواية أحمد من وجه آخر عن أبي هُريرة رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يشربُ قائمًا فقال له (( قه [1] ) )قال لِمَه؟ قال (( أيسرُّك أن يشربَ معك الهرُّ ) )قال لا، قال (( قد شرب معك من هو شرٌّ منه الشَّيطان ) )، وهو من رواية شعبة عن أبي زياد الطَّحان مولى الحسن بن علي، عنه. وأبو زياد لا يُعرف اسمه، وقد وثَّقه يحيى بن معين.

وأخرج مسلم من طريق قتادة عن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يشرب الرَّجل قائمًا، قال قتادة فقلنا لأنس فالأكل؟ قال ذاك أشر وأخبث.

قيل وإنَّما جعل الأكل أشد لطول زمنه بالنِّسبة لزمن الشُّرب، فذلك ما ورد في المنع من ذلك. قال المازريُّ اختلف النَّاس في ذلك فذهبَ الجمهور إلى جوازه، وكرهه قوم فقال بعض شيوخنا لعلَّ النَّهي منصرف لمن أتى أصحابه بماءٍ فبادر لشربه قائمًا قبلهم استبدادًا به، وخروجًا عن كون ساقي القوم آخرهم شربًا.

قال وأيضًا فإنَّ الأمر في حديث أبي هُريرة رضي الله عنه بالاستقاء لا خلاف بين أهل العلم في أنَّه ليس على أحد أن يستقيءَ. قال وقال بعض الشُّيوخ الأظهر أنَّه موقوف على أبي هُريرة رضي الله عنه، قال وتضمَّن حديث أنس رضي الله عنه الأكل أيضًا، ولا خلاف في جواز الأكل قائمًا.

قال والَّذي يظهر لي أنَّ أحاديث شربه قائمًا تدلُّ على الجواز، وأحاديث النَّهي تُحمل على الاستحباب والحثِّ على ما هو أولى وأكمل، أو لأنَّ في الشُّرب قائمًا ضررًا، فأنكره من أجله وفعله هو لأمنه منه. قال وعلى هذا الثَّاني يحمل قوله (( فمن نسيَ فليستقئ ) )على أنَّ ذلك يحرِّك خِلْطًا يكون القيء دواؤه. ويؤيِّده قول النَّخعي إنَّما نهى عن ذلك لداء البطنِ. انتهى ملخصًا.

ج 24 ص 183

وقال القاضي عياض لم يُخرِّج مالك ولا البُخاري أحاديث النَّهي، وأخرجها مسلم من رواية قتادة عن أنس، ومن روايته عن أبي عيسى عن أبي سعيد، وهو معنعن، وكان شعبة يتَّقي من حديث قتادة ما لا يُصرِّح فيه بالتَّحديث، وأبو عيسى غير مشهور، واضطراب قتادة فيه ممَّا يُعلُّه مع مخالفة الأحاديث الأخرى، والأئمة له.

وأمَّا حديث أبي هُريرة رضي الله عنه ففي سنده عمر بن حمزة، ولا يُتحمَّل منه مثل هذا لمخالفة غيره له، والصَّحيح أنَّه موقوف. انتهى ملخصًا.

ووقع للنَّووي ما ملخصه هذه الأحاديث أشكلَ معناها على بعض العُلماء حتَّى قال فيها أقوالًا باطلة، وزاد حتَّى تجاسر ورام أن يضعِّف بعضها، ولا وجه لإشاعةِ الغلطات، بل يذكر الصَّواب، ويُشار إلى التَّحذير عن الغلطِ، وليس في الأحاديث إشكالٌ، ولا فيها ضعفٌ، بل الصَّواب أنَّ النَّهي فيها محمول على التَّنزيه، وشربه قائمًا لبيان الجواز، وأمَّا من زعم تجويزه نسخًا أو غيره فقد غلطَ، فإن النَّسخ لا يُصار إليه مع إمكان الجمع لو ثبت التَّاريخ، وفعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز لا يكون في حقِّه مكروهًا أصلًا، فإنَّه كان يفعل الشَّيء للبيان مرَّة أو مرَّات، ويواظبُ على الأفضل، والأمر بالاستقاء محمولٌ على الاستحباب، فيستحبُّ لمن شرب قائمًا أن يستقيءَ لهذا الحديث الصَّحيح الصَّريح، فإن الأمر إذا تعذَّر حمله على الوجوب حمل على الاستحباب.

وأمَّا قول القاضي عياض لا خلافَ بين أهل العلم أنَّ من شرب قائمًا ليس عليه أن يستقيءَ، وإشارته إلى تضعيفهِ فلا يلتفت إلى إشارتهِ، وكون أهل العلم لم يُوجبوا الاستقاء لا يمنع مِن استحبابه، فمن ادَّعى منع الاستحبابِ بالإجماع فهو مجازفٌ، وكيف يَترك السُّنَّة الصَّحيحة بالتَّوهمات والدَّعاوى والتُّرهات. انتهى.

قال الحافظُ العسقلانيُّ وليس في كلام القاضي عياض التَّعرض للاستحباب أصلًا، بل ونقل الاتِّفاق المذكور، إنَّما هو كلام المازري كما مضى.

وأمَّا تضعيفُ القاضي عياض للأحاديث فلم يتشاغل النَّووي بالجواب عنه، وطريق الإنصاف

ج 24 ص 184

أن لا تُدفع حجَّةُ العالمِ بالصَّدر، فأمَّا إشارته إلى تضعيف حديث أنس بكون قتادة مدلسًا، وقد عنعنه، فيُجاب عنه بأنَّه صرَّح في نفس السَّند بما يقتضي سماعه من أنس رضي الله عنه فإن فيه (( قلنا لأنس فالأكل ) ). وأمَّا تضعيفه حديث أبي سعيد بأنَّ أبا عيسى غير مشهورٍ، فهذا قول سبق إليه ابن المديني؛ لأنَّه لم يروِ عنه إلَّا قتادة، لكن وثَّقه الطَّبري وابن حبَّان، ومثل هذا يخرَّج في الشَّواهد، ودعواه اضطرابه مردود؛ لأنَّ لقتادة فيه إسنادين، وهو حافظٌ.

وأمَّا تضعيفه لحديث أبي هُريرة رضي الله عنه بعمر بن حمزة فهو مختلفٌ في توثيقهِ، ومثله >يُخرِّج له مسلم في المتابعات. وقد تابعه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هُريرة، كما عند أحمد وابن حبَّان، فالحديث بمجموع طرقه صحيحٌ، والله أعلم.

قال النَّووي وتبعه زين الدِّين العراقي في «شرح الترمذي» إنَّ قوله (( فمن نسي ) )لا مفهوم له، بل يُستحبُّ ذلك للعامد أيضًا بطريق الأولى، وإنَّما خصَّ النَّاسي بالذِّكر؛ لكون المؤمن لا يقعُ ذلك منه بعد النَّهي غالبًا إلَّا نسيانًا.

قال الحافظُ العسقلانيُّ وقد يطلق النِّسيان، ويراد به التَّرك، فيشمل السَّهو والعمد، فكأنَّه قال من ترك امتثال الأمر وشربَ قائمًا فليستقئْ. وقال القرطبيُّ في «المفهم» لم يَصر أحد إلى أنَّ النَّهي فيه للتَّحريم، وإن كان جاريًا على أصول الظَّاهرية القول به، وتُعقِّب بأنَّ ابن حزم منهم جزم بالتَّحريم.

هذا وتمسَّك من لم يقل بالتَّحريم بحديث علي رضي الله عنه المذكور في الباب، وصحَّح التِّرمذي من حديث ابن عُمر رضي الله عنهما كنَّا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام. وأخرجه ابن ماجه وابن حبَّان.

وفي الباب عن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه أخرجه التِّرمذي أيضًا في «الشمائل» عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب قائمًا. وإسناده حسن. وعن عبد الله بن أُنيس، أخرجه الطَّبراني. وعن عائشة رضي الله عنها أخرجه النَّسائي من حديث مسروق عنها، قالت رأيت النَّبي صلى الله عليه وسلم يشرب قائمًا وقاعدًا. وعن أنسٍ رضي الله عنه رواه أحمد في «مسنده» أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل وقربة معلَّقة فشَرِبَ من فَمِ القِرْبة وهو قائمٌ.

وعن الحسين بن علي رضي الله عنهما رواه الشَّيخ زين الدِّين العراقي

ج 24 ص 185

في الجزء العاشر من «فوائد أبي بكر الشافعي» من رواية زياد بن المنذر عن بشير بن غالب عن حسين بن علي رضي الله عنهما قال رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائمًا.

وعن خبَّاب بن الأرت رضي الله عنه روى زين الدِّين العراقي عن مجاهد من حديث الطَّبراني عنه قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سريَّة فأصابنا العطشُ، وليس معنا ماء، فتنوَّختُ ناقةٌ لبعضنا، فإذا بين رجليها مثل السِّقاء، فشربنا من لبنها، فهذا من فعل الصَّحابي في زمنهِ، فيكون في حكم المرفوع.

وعن أمِّ سُليم رضي الله عنها من حديث أنس عن أمِّه، أخرجه أحمد في «مسنده» قالت دخلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت قربة معلَّقة فشَرِبَ منها قائمًا.

وعن كَبْشة أخرجه التِّرمذي وابن ماجه عنها قالت دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فشربَ من قربة معلَّقة قائمًا.

وعن عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما أخرجه عبد الرَّزاق عن عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم شرب قائمًا وقاعدًا.

وعن عبد الله بن السَّائب بن خبَّاب عن أبيه عن جدِّه، قال رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إلى فخَّارة فيها ماء فشَرِبَ قائمًا. رواه أبو محمد بن أبي حاتم الرَّازي بسندٍ صحيحٍ.

وقد سلك العُلماء في ذلك مسالك

أحدها التَّرجيح وأنَّ أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النَّهي، وهذه طريقة أبي بكر الأثرم فقال حديث أنس _ يعني في النَّهي _ جيِّد الإسناد، ولكن قد جاء عنه خلافه _ يعني في الجواز _ قال ولا يلزم من كون الطَّريق إليه في النَّهي أثبت من الطَّريق إليه في الجواز أن لا يكون الذي يقابله أقوى؛ لأنَّ الثَّبت قد يروي من هو دونه الشَّيءَ فيرجِّح عليه، فقد رُجِّح نافع على سالم في بعض الأحاديث عن ابن عُمر رضي الله عنهما، وسالم مقدَّم على نافع في الثبت، وقُدِّم شريك على الثَّوري في حديثين، وسفيان مقدَّم عليه في جملة أحاديث، ثمَّ أسند عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال لا بأس بالشُّرب قائمًا.

قال الأثرمُ فدلَّ على أنَّ الرِّواية في النَّهي عنه ليست بثابتة، وإلَّا لما قال لا بأس به، قال ويدلُّ على وهاء أحاديث النَّهي

ج 24 ص 186

أيضًا اتِّفاق العُلماء على أنَّه ليس على أحد شرب قائمًا أن يستقيءَ.

المسلك الثَّاني دعوى النُّسخ، وإليها جنح الأثرم وابن شاهين، فقرَّرا أنَّ أحاديث النَّهي على تقدير ثبوتها منسوخةٌ بأحاديث الجواز بقرينة عملِ الخلفاء الرَّاشدين، ومعظم الصَّحابة والتَّابعين بالجواز.

وقد عكس ذلك ابنُ حزم فادَّعى نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النَّهي متمسِّكًا بأنَّ الجواز على وفق الأصل، وأحاديث النَّهي مقرَّرة لحكم الشَّرع، فمن ادَّعى الجواز بعد النَّهي فعليه البيان فإنَّ النَّسخ لا يثبتُ بالاحتمال.

وأجاب بعضُهم بأنَّ أحاديث الجواز متأخِّرة؛ لما وقع منه صلى الله عليه وسلم في حجِّة الوداع، كما سيأتي ذكره في هذا الباب من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما [خ¦5617] ، وإذا كان ذلك الآخر من فعله صلى الله عليه وسلم دلَّ على الجواز، ويتأيَّد بفعل الخلفاء الرَّاشدين بعده.

المسلك الثَّالث الجمع بين الخبرين بضرب من التَّأويل. فقال أبو الفرج الثَّقفي في «نصرة الصحاح» المراد بالقيام هنا المشي، يقال قمتُ في الأمر إذا مشيت فيه، وقمت في حاجتي إذا سعيت فيها وقضيتها، ومنه قوله تعالى {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران 75] ؛ أي مواظبًا بالمشي عليه.

وجنحَ الطَّحاوي الإمام إلى تأويلٍ آخر، وهو حملُ النَّهي على من لم يسمِّ عند شربه، وهذا إن سلم له في بعضِ ألفاظ الحديث لم يسلم له في بقيتها.

وسلك آخرون في الجمع إلى حمل أحاديث النَّهي على كراهة التَّنزيه، وأحاديثِ الجواز على بيانه، وهي طريقةُ الخطَّابي، وأبي محمَّد البغوي، وأبي عبد الله المازري، والقاضي عِياض، وأبي العبَّاس القرطبي، وأبي زكريَّا النَّووي، وغيرهم من الأئمة الجامعين للحديث والفقه رحمهم الله تعالى، وهذا أحسنُ المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض، وقد أشار الأثرمُ إلى ذلك أخيرًا، فقال إن ثبتت الكراهة حُملت على الإرشاد والتَّأديب لا على التَّحريم، وبذلك جزم الطَّبري، وأيَّده بأنَّه لو كان جائزًا ثمَّ حرَّمه، أو كان حرامًا، ثمَّ جوَّزه لبيَّن النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك بيانًا واضحًا، فلمَّا تعارضت الأخبار في ذلك جمعنا بينهما بهذا.

وقيل إنَّ النَّهي عن ذلك إنَّما هو من جهة الطِّب مخافةَ وقوع ضرر به، فإنَّ

ج 24 ص 187

الشُّرب قاعدًا أمكن وأبعد من الشَّرَقِ، وحصول الوجع في الكبد أو الحلق، وكلُّ ذلك قد لا يأمن منه من شربِ قائمًا على ما لا يخفى.

وفي حديث علي رضي الله عنه من الفوائد أنَّه على العالم إذا رأى النَّاس اجتنبوا شيئًا، وهو يعلم جوازه أن يوضِّحَ لهم وجه الصَّواب فيه خشية أن يطولَ الأمر، فيظنُّ تحريمه، وأنَّه متى خشيَ ذلك فعليه أن يبادرَ للإعلام بالحكم، ولو لم يسأل، فإن سُئل تأكد الأمر به، وأنَّه إذا كره من أحد شيئًا لا يشهره باسمهِ لغير غرض، بل يكني عنه، كما كان صلى الله عليه وسلم يفعلُ في مثل ذلك.

[1] في هامش الأصل قه من القيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت