فهرس الكتاب

الصفحة 8379 من 11127

5635 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين المهملة وبالنون بعد الألف، الوضَّاح اليشكري (عَنِ الأَشْعَثِ) بالشين المعجمة والعين المهملة وآخره مثلثة، وفي رواية أبي ذرٍّ (ابْنِ سُلَيْمٍ) بضم السين، مصغًّرا (عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدِ) مصغر السُّود (ابْنِ مُقَرِّنٍ) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء المشددة، اسم فاعلٍ من التَّقرين (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ) أي بسبع خصال أو نحوه، فمميز العدد محذوف، وفيها ما هو للإيجاب، وما هو للنَّدب، لا يُقال إن ذلك من استعمال اللَّفظ في حقيقته ومجازه؛ لأنَّ ذلك إنَّما هو في صيغة أفعل،

ج 24 ص 217

أمَّا لفظ الأمر فيُطلق عليهما حقيقة على المرجِّح؛ لأنَّه حقيقةٌ في القولِ المخصوص.

(وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ أَمَرَنَا) بدل من «أمرنا» الأوَّل (بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ) مصدر مضاف إلى مفعوله، والأصل في عيادة عوادة؛ لأنَّه من عادَه يعودُه، فقلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها من مادة العود، وهو الرُّجوع إلى الشَّيء بعد الانصراف عنه، إمَّا بالذَّات أو بالقولِ أو بالعزم، وقد يُطلق العود على الطَّريق القديم، فإن أُخِذَ من الأوَّل فقد يشعرُ بتكرار العيادة، وإن أُخِذ من الثَّاني بعد نقله عرفًا إلى الطَّريق لم يدلُّ على ذلك.

(وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ) بتشديد المثناة الفوقيَّة (وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ) بالشين المعجمة في الأولى، وبالمهملة أيضًا، وهو قولك للعاطس يرحمك الله، إذا حمد الله، وهو سُنَّة على الكفاية (وَإِجَابَةِ الدَّاعِي) أي الوليمة أو غيرها (وَإِفْشَاءِ السَّلاَمِ) من أفشى كلامه إذا أذاعه ونشره بين النَّاس. وذكر في «كتاب الجنازة» [خ¦1239] (( ورد السَّلام ) )وهنا قال (( وإفشاء السَّلام ) )؛ لأنَّ المقصود من السَّلام ما يجري بين المسلمين عند الملاقاة ممَّا يدلُّ على الدُّعاء لأخيه المسلم، وإرادة الخير له، ثمَّ لا شكَّ أن بعض هذه الأمور سُنَّة، وبعضها فريضة، فالرَّد من الواجبات، والإفشاء من السُّنن، فصحَّ الاعتباران، وإنَّما جاز إرادة الفريضة والسُّنَّة بإطلاق واحدٍ، وهو لفظ «أُمرنا» باعتبار عموم المجاز عند الحنفيَّة، وجواز إرادة الحقيقة والمجاز كليهما من لفظ واحد عند الشَّافعيَّة، كذا قال العيني، وقد مرَّ آنفًا ما يتعلَّق به.

(وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ) أي إعانته سواء كان مسلمًا أو ذميًّا، وكَفِّه عن الظُّلم (وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ) بكسر الهمزة في الأول، وبضم الميم وكسر السين بينهما قاف ساكنة في الثاني، وهو مصدر مضاف إلى المفعول كالسَّوابق، والمعنى إبرار يمين المقسم، وهو أن يفعلَ ما سأله الملتمس، وفي رواية أبي ذرٍّ بفتح القاف والسين بغير ميم قبل القاف؛ أي الحلف،

ج 24 ص 218

وهو مصدر محذوف الزَّوائد؛ لأنَّ الأصل أقسم إقسامًا. ويحتمل أن يكون المراد إبرار الإنسان قَسَمَ نفسه بأن يفيَ بمقتضى يمينه، أو إبرار قَسَمَ غيره بأن لا يحنِّثه.

(وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ) جمع خاتم _ بكسر التاء وفتحها _، وخَيتام وخَاتام، كله بمعنى، أربع لغات (وَعَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ _ أَوْ قَالَ آنِيَةِ الْفِضَّةِ _) ففي آنية الذَّهب أولى، والشَّك من الرَّاوي، وذكر الشُّرب ليس بقيدٍ، بل خرج مخرجَ الغالب (وَعَنِ) استعمال (الْمَيَاثِرِ) بفتح الميم والتحتية وبعد الألف مثلثة مكسورة فراء، جمع مِيْثرة، بكسر الميم وسكون التحتية من غير همز، والأصل مِوْثرة بالواو المكسور ما قبلها، كأنَّها من الوثارة، وهي اللِّين.

والوِثَار وطاءٌ كانت النِّساء تصنعُه لأزواجهنَّ على السُّروج، وقيل هو الفراش الوطيءُ، وهو من مراكب العجم يعملُ من حرير أو ديباج، ويتَّخذ كالفِراش الصَّغير، ويُحشى بقطن أو صوفٍ يُجعل فوق الرَّحل والسَّرج، وقيل هو من الأرجوان الأحمر، وقيل جلود السِّباع. وقال ابن التِّين إنَّ الأرجوان لم يأتِ فيه تحريم، ولا في جلود السِّباع إذا ذُكِّيت.

(وَالْقَسِّيِّ) أي وعن استعمال القَسِّيِّ، وهو بفتح القاف وتشديد السين المهملة المكسورة وتشديد التحتية أيضًا. قال الكرمانيُّ القَسِّيِّ منسوب إلى بلد بالشَّام ثوب مضلع بالحرير.

وقال العينيُّ ليس كذلك، وإنَّما القسِّي ثياب من كتان مخلوط بحرير يُؤتى بها من مصر، نسبت إلى قرية على ساحل بحر مصر قريبة من تنيس، يُقال لها القَس _ بفتح القاف _، وبعض أهل الحديث يكسرها، كذا قال ابن الأثير.

والقَس وتنيس والفرما كلها كانت بلادًا على ساحل البحر من القرب من دمياط، وقد خربت واندرست، وفي البُخاري «فيها حرير مثال الأترج» [خ¦5838 قبل] . وعند أبي داود عن عليٍّ رضي الله عنه إنَّها ثياب من الشَّام أو من مصر فيها أمثال الأترج. قال النَّووي إن كان حريرها أكثر فالنَّهي للتَّحريم وإلَّا فللتنزيه.

ج 24 ص 219

وقيل أصل القَسي القزي بالزاي منسوب إلى القز، وهو ضربٌ من الإبريسم، فأبدل من الزَّاي سين، وقيل منسوب إلى القَس، وهو الصَّقيع لبياضه.

(وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ) بضم اللام (وَالدِّيبَاجِ) بكسر الدال وتُفتح وآخره جيم، ما غلُظَ وثخُن من ثياب الحرير (وَالإِسْتَبْرَقِ) بكسر الهمزة، ضرب من الدِّيباج غليظ. قيل وفيه ذهب، وهو فارسي معرب، أصله إستبرك، كما قاله الجواليقي، والمعروف أنَّ الإستبرق غليظ الدِّيباج. وقال الدَّاودي دقيقه، وذكره بعد الدِّيباج من ذكر الخاص بعد العام، أو أريد ما رقَّ من الدِّيباج؛ ليقابل بما غلظ منه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( أو آنية الفضَّة ) ). وقد مرَّ في أوَّل «كتاب الجنائز» [خ¦1239] ، وزاد مسلم عن البراء (( فإنَّه من شرب فيها في الدُّنيا لم يشرب فيها في الآخرة ) ).

ومثله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( من شرب في آنية الفِضَّة والذَّهب في الدُّنيا لم يشرب فيهما في الآخرة، وآنية أهل الجنَّة الذَّهب والفضَّة ) )، أخرجه النَّسائي بسندٍ قويٍّ.

وفي هذه الأحاديث تحريم الأكل والشُّرب في آنية الذَّهب والفضَّة على كلِّ مكلف رجلًا كان أو امرأة، ولا يلتحق ذلك بالحلي للنِّساء؛ لأنَّه ليس من التَّزين الَّذي أُبيح لها في شيء.

قال القرطبيُّ وغيره في الحديث تحريم استعمال أواني الذَّهب والفضَّة في الأكل والشُّرب، ويلحق بهما غيرهما ممَّا في معناهما مثل التَّطيب والتَّكحل، وسائر وجوه الاستعمالات، وبهذا قال الجمهور. وأغربت طائفة شذَّت، فأباحت ذلك مطلقًا، ومنهم من قصر التَّحريم على الأكل والشُّرب، ومنهم من قصره على الشَّرب؛ لأنَّه لم يقف على الزِّيادة في الأكل.

قال واختلفوا في علَّة المنع، فقيل إنَّ ذلك يرجع إلى عينهما. ويُؤيِّده قوله «هي لهم» ، و «أنَّها لهم» ، وقيل لكونها الأثمان وقيم المتلفات، فلو أُبيح استعمالهما لجاز اتِّخاذ الآلات منهما، فيفضي إلى قلتهما بأيدي النَّاس فيُجحف

ج 24 ص 220

بهم.

ومثَّله الغزالي بالحكَّام الذين وظيفتهم التَّصرف لإظهار العدل بين النَّاس، فلو منعوا التَّصرف لأخلَّ ذلك بالعدل، فكذا في اتِّخاذ الأواني من النَّقدين حَبْسٌ لهما عن التَّصرف الذي ينتفع به النَّاس.

ويَرِدُ على هذا جواز الحلي للنِّساء من النَّقدين، ويمكن الانفصال عنه، وهذه العلَّة هي الرَّاجحة عند الشَّافعيَّة، وبه صرَّح أبو علي السَّنجي، وأبو محمَّد الجويني. وقيل علَّة التَّحريم السَّرف والخيلاء، أو كسر قلوب الفقراء، ويَرِدُ عليه جواز استعمال الأواني من الجواهر النَّفيسة، وغالبها أنفس، وأكثرُ قيمةً من الذَّهب والفضَّة، ولم يمنعها إلَّا من شذَّ.

وقد نقل ابن الصَّبَّاغ في «الشامل» الإجماع على الجواز، وتبعه الرَّافعي ومن بعده لكن في رواية العمراني عن صاحب «الفروع» نقل وجهين، وقيل العلَّة في المنع التَّشبُّه بالأعاجم، وفي ذلك نظر؛ لثبوت الوعيدِ لفاعله، ومجرد التَّشبُّه لا يصل إلى ذلك.

واخُتلِف في اتِّخاذ الأواني دون استعمالها، كما تقدَّم، والأشهرُ المنع، وهو قولُ الجمهور، ورخَّصت فيه طائفة، وهو مبني على العلَّة في منع الاستعمال، ويتفرَّع على ذلك غرامُة أرشِ ما أفسد منها، وجواز الاستئجار عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت