5638 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ) على صيغة الفاعل، من الإدراك،
ج 24 ص 225
الطَّحَّان أبو علي البصري الحافظ، وكان صهر يحيى بن حمَّاد، فكان عنده عنه ما ليس عند غيره، ولهذا لم يخرجه الإسماعيلي من طريق أبي عَوانة، ولا وجد له أبو نُعيم إسنادًا غير إسناد البُخاري، فأخرجه في «المستخرج» من طريق الفربري عن البُخاري، ثمَّ قال رواه البُخاري عن الحسن بن مدرك، ويُقال انَّه حديثه؛ يعني أنَّه تفرد به.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشَّيباني، مولاهم صهر أبي عَوَانة، قال (أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكري (عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ) ابن سُليمان بن عبد الرَّحمن البصري الحافظ، أنَّه (قَالَ رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه. وفي «مختصر البخاري» للقرطبي أنَّ في بعض النُّسخ القديمة من البُخاري .
وقال ابنُ سعد بعد أن أخرجَ حديثَ أنس رضي الله عنه أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدَّثني أبي، عن ثمامة بن عبد الله قال قال أنس رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب في القدح أكثر من مائة مرَّةٍ، قال محمد بن عبد الله الأنصاري يعني هذا القدح الذي عندنا، ولم يختلف في ذلك أشياخنا. ثمَّ سألتُ محمد بن عبد الله الأنصاري عن هذا القدح أهو قدح النَّبي صلى الله عليه وسلم؟ قال أمَّا نفسه فلا، ولكنَّه قدحٌ كان عند أمِّ سُليم، فكان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءها سقته فيه، قلت فهو القدح الذي قال أنس رضي الله عنه سقيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كل الشَّراب الماء واللَّبن والعسل، فقال نعم.
(وَكَانَ قَدِ انْصَدَعَ) أي انشقَّ (فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ) أي وصل بعضه ببعض، وظاهره أنَّ الَّذي وصله هو أنس رضي الله عنه، ويحتمل أن يكون النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو ظاهر رواية أبي حمزة المذكورة بلفظ أنَّ قدح النَّبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتَّخذ مكان الشَّعب
ج 24 ص 226
سلسلة من فضَّة.
لكن رواه البيهقي من هذا الوجه بلفظ «انصدع فجعلتُ مكان الشَّعب سلسلة من فضَّة» ، قال يعني أنَّ أنسًا هو الَّذي فعل ذلك. قال البيهقي كذا في سياق الحديث فما أدري من قاله من رواته، هل هو موسى بن هارون أو غيره؟.
قال الحافظُ العسقلاني لم يتعيَّن من هذه الرِّواية من قال هذا، وهو «جعلتُ» _ بضم التاء _ على أنَّه ضمير الفاعل، وهو أنس، بل يجوز أن يكون «جُعِلَتْ» بضم أوله على البناء للمفعول، فتساوي الرِّواية التي في «الصحيح» . ووقع لأحمد من طريق شريك عن عاصم رأيت عند أنسٍ رضي الله عنه قدح النَّبي صلى الله عليه وسلم فيه ضبة من فضَّة، وهذا أيضًا محتمل، والشَّعْب _ بفتح المعجمة وسكون العين المهملة _، هو الصَّدع، وكأنَّه سد الشُّقوق بخيوطٍ من فضَّة، فصارت مثل السِّلسلة.
(قَالَ) أي عاصم الأحول (وَهْوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ) يعني ليس بمتطاول، بل طوله أقصر من عُمقه (مِنْ نُضَارٍ) بضم النون وتخفيف الضاد المعجمة وبالراء. وقال أبو حنيفة بضم النون وكسرها، وهو أجودُ الخشب للآنية، ويعملُ منه ما رقَّ من الأقداح واتَّسع وما غلُظ. وقال ابن الأعرابي النُّضار النَّبع، وقال أيضًا هو شجر الأثل، ولونه يميل إلى الذَّهب، والنُّضار الخالص من كلِّ شيء، وقال ابن سِيْده من التَّبر والخشب. وقال ابن فارس النُّضار أثل يكون بالغور، وقيل إنَّه من الطَّويل المستقيم الغصون. وقال القزاز العرب تقول قدحُ نضارٍ مضاف إلى هذا الخشب، وإنَّما سُمي الأثل نضارًا؛ لأنَّه ينبت في الجبل، وذكر شِمْر أنَّ النُّضار هذه الأقداح الحبشانية.
(قَالَ) أي عاصم الأحول (قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه(لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 24 ص 227
فِي هَذَا الْقَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا)وروى مسلم من حديث ثابت عن أنس رضي الله عنه قال لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدحي هذا الشَّراب كله العسل والنَّبيذ والماء واللَّبن. وقد تقدَّمت صفة النَّبيذ الذي كان يشربه صلى الله عليه وسلم وأنَّه نقيع التَّمر أو الزَّبيب.
(قَالَ) أي عاصم (وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ) هو محمدُ بن سيرين (إِنَّهُ كَانَ فِيهِ) أي في القدح (حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ) بسكون اللام، كاللاحقة (فَأَرَادَ أَنَسٌ) رضي الله عنه (أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ _أَوْ فِضَّةٍ_) شكٌّ من الرَّاوي، ويحتمل أن يكون التَّردُّد من أنس رضي الله عنه عند إرادة ذلك، أو استشار أبا طلحة فيه (فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاري، زوج أمِّ أنس رضي الله عنهم (لاَ تُغَيِّرَنَّ) كذا بنون التَّأكيد في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشميهني ، بدون نون التأكيد (شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَرَكَهُ) وكلام أبي طلحة هذا إن كان سمعه ابن سيرين من أنس رضي الله عنه، وإلَّا فيكون مرسلًا عن أبي طلحة؛ لأنَّه لم يلقه.
وفي الحديث جواز اتِّخاذ ضبة الفضَّة، وكذلك السِّلسلة والحَلْقة، ولكن فيه اختلاف، فقال الخطَّابي منعه مطلقًا جماعة من الصَّحابة والتَّابعين، وهو قول مالك واللَّيث، وعن مالك يجوز من الفِضَّة إذا كان يسيرًا، وكرهه الشَّافعي، قال لئلَّا يكون شاربًا على فضَّة، فأخذ بعضهم منه أنَّ الكراهة تختص بما إذا كانت الضبة في موضع الشُّرب، وبذلك صرَّح الحنفيَّة وقالوا لا بأس إذا اتَّقى وقت الشُّرب موضع الفضَّة، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال ابن المنذر تبعًا لأبي عُبيد المفضَّضُ ليس هو إناء فضَّة، والذي تقرَّر عند الشَّافعيَّة أنَّ الضَّبة إذا كانت من الفضَّة، وهي كبيرة للزِّينة تحرم، وإذا كانت صغيرة لحاجة، أو صغيرة لزينة، أو كبير لحاجة، فتجوز، وتحرم ضبة الذَّهب مطلقًا، ومنهم من سوى بين ضبتي الذَّهب والفضَّة، وأصل ضبة الإناء ما يُصلَحُ بها خلله من صفيحةٍ أو غيرها، وإطلاقها على ما هو للزِّينة توسُّع، ومرجع الكبير والصَّغيرة العرف، قيل وهو الأصح، وقيل وهو أشهر الكبيرة ما يستوعب جانبًا من الإناء كشفته، وأذنه أو عروته أو أسفله،
ج 24 ص 228
والصَّغيرة دون ذلك، ومتى شك فالأصل الإباحة، كذا قال النَّووي في «شرح المهذب» ، والمراد بالحاجة غرض الإنسان دون التَّزيين، ولا يعتبر العجز عن غير الذَّهب والفضَّة؛ لأنَّ العجز عن غيرهما يبيح استعمال الإناء الَّذي كله ذهب أو فضَّة فضلًا عن المضبب.
وأمَّا الحديث الذي أخرجه الدَّارقطني والحاكم والبيهقي من طريق زكريَّا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، عن أبيه، عن ابن عُمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( من شرب في إناءٍ من ذهبٍ أو فضَّةٍ، أو في إناءٍ فيه شيءٌ من ذلك، فإنَّما يُجرجِر في بطنه نار جهنَّم ) )فإنَّه معلولٌ بجهالة حال إبراهيم بن عبد الله وولده. قال أبو الحسن القطَّان زكريا وأبوه لا يعرف حالهما. قال البيهقي الصَّواب ما رواه عبيد الله العمري عن نافع عن ابن عمر رضي لله عنهما موقوفًا أنَّه كان لا يشرب في قدحٍ فيه ضبة فضَّة، وقد أخرج الطَّبراني في «الأوسط» من حديث أمِّ عطية أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذَّهب، وتفضيض الإناء، ثمَّ رخَّص في تفضيض الأقداح. وهذا لو ثبت لكان حجَّة في الجواز على الشَّافعي، لكن في سنده من لا يُعرف.
واستدلَّ بقوله (( أو إناء فيه شيء من ذلك ) )على تحريم الإناء من النُّحاس أو الحديد المطلي بالذَّهب أو الفضَّة، والصَّحيح عند الشَّافعيَّة إن كان يحصل منه شيء بالعرض على النَّار حَرُم، وإلَّا فوجهان أصحهما لا، وفي العكس وجهان كذلك، ولو غلف إناء الذَّهب والفضَّة بالنُّحاس مثلًا ظاهرًا وباطنًا فكذلك، وجزم إمام الحرمين أنَّه لا يحرم كحشو الجبة التي من القطن مثلًا بالحرير، واستدلَّ بجواز اتِّخاذ السِّلسلة والحلقة أنَّه يجوز أن يتَّخذ للإناء رأس منفصل عنه، وهذا ما نقله المتولِّي والبغوي والخوارزمي، وقال الرَّافعي فيه نظر.
ج 24 ص 229
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. والحديث قد مرَّت منه قطعة في أواخر «كتاب الجهاد» ، في باب «ما جاء من درع النَّبي صلى الله عليه وسلم وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه» [خ¦3109] .