فهرس الكتاب

الصفحة 8437 من 11127

5671 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إيَّاس، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ) بضم الموحدة (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه قال (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يخاطب الصَّحابة، والمراد هم، ومن بعدهم من المسلمين عمومًا (لَا يَتَمَنَّيَنَّ) بالنون الأكيدة (أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ) أي لأجل ضرِّ مرض أو غيره (أَصَابَهُ) وفي رواية أبي هريرة الآتية إن شاء الله تعالى في «التَّمني» [خ¦7233] (( لا يتمنى ) )بياء ثابتة خطًا في كتب الحديث، فلعلَّه نهيٌ ورد

ج 24 ص 294

على صيغة الخبر، والمراد منه لا يتمنَّ، فأجري مجرى الصَّحيح. وقال البيضاوي هو نهيٌ أُخرج في صورة النَّفي للتَّأكيد. انتهى.

قال الطِّيبي وهذا أولى لقوله تعالى {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً} [النور 3] .

وفي «الكشاف» عن عَمرو بن عُبيد لا ينكحْ بالجزم على النَّهي، والمرفوع أيضًا فيه معنى النَّهي وأبلغ، كما أنَّ رحمك الله ويرحمُك الله، أبلغ من ليرحمك الله.

قال الطِّيبي وإنِّما كان أبلغ؛ لأنَّه قدَّر أنَّ المنهي حين ورد النَّهي عليه انتهى عن المنهيِّ عنه، وهو يُخبر عن انتهائه، ولو ترك على النَّهي المحض؛ لكان أبلغ كأنَّه يقول لا ينبغي للمؤمنِ المتزود للآخرة، والسَّاعي في ازدياد ما يُثاب عليه من العمل الصَّالح أن يتمنَّى ما يمنعه عن السُّلوك لطريق الله.

وعليه قوله (( خياركم من طال عمره وحسن عمله ) )؛ لأنَّ من شأنه الازدياد، والترقِّي من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام، حتَّى ينتهي إلى مقام القرب كيف يطلبُ القطع عن محبوبه. انتهى.

ثمَّ إنَّ جماعة من السَّلف حملوا الضُّر على الضُّر الدُّنيويِّ، فإن وجد الضُّر الأخروي بأن خَشِيَ فتنةً في دينه لم يدخل في النَّهي. ويمكن أن يُؤخذَ ذلك من رواية ابن حبَّان (( لا يتمنَّى أحدُكم الموت لضرٍّ نزل به في الدُّنيا ) )على أنَّ في هذا الحديث سببه؛ أي بسبب أمرٍ في الدُّنيا.

وقد فعل ذلك جماعة من الصَّحابة؛ ففي «الموطأ» عن عُمر رضي الله عنه، أنَّه قال (( اللَّهمَّ كبرت سنِّي، وضعفتْ قوَّتي، وانتشرتْ رعيَّتي، فاقبضنِي إليك غير مضيِّعٍ ولا مفرِّط ) ). وأخرجه عبد الرَّزاق من وجه آخر عن عمر رضي الله عنه.

وأخرج أحمد وغيره من طريق عبس، ويُقال عابس الغفاري، أنَّه قال يا طاعون خذني، فقال له عُلَيم الكندي لِمَ تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يتمنَّى أحدُكم الموت؟ ) )فقال إنِّي سمعته يقول (( بادروا بالموت ستًا إمرةُ السُّفهاء، وكثرةُ الشَّرط، وبيع الحُكْم ... ) )الحديث.

وأخرج أحمد أيضًا من حديث عوف بن مالك نحوه، وأنَّه قيل له ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما عُمِّر المسلم

ج 24 ص 295

كان خيرًا له ... )) الحديث، وفيه الجواب نحوه. وأصرحُ من ذلك حديث معاذ الَّذي أخرجه أبو داود، وصحَّحه الحاكم في القول في دبر كلِّ صلاة، وفيه (( وإذا أردتَ بقوم فتنةً فتوَّفني إليك غير مفتون ) ).

(فَإِنْ كَانَ) أي المريض (لاَ بُدَّ فَاعِلًا) ما ذُكِر من تمنِّي الموت، وفي رواية عبد العزيز بن صُهيب عن أنس رضي الله عنه، كما سيأتي في «الدَّعوات» [خ¦6351] (( فإن كان لابدَّ متمنِّيًا للموت ) ).

(فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي) بهمزة قطع (مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بدل (( إذا ) ) (كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) هذا يدلُّ على أنَّ النَّهي عن تمنِّي الموت مقيَّد بما لم يكن على هذه الصِّيغة؛ لأنَّ في التَّمني المطلق نوع اعتراضٍ ومراغمة للقدر المحتوم، وفي هذه الصُّورة المأمور بها نوع تفويض وتسليم للقضاء.

وفي قوله فإن كان. .. إلى آخره ما يصرف الأمرَ عن حقيقته من الوجوب، أو الاستحباب، ويدلُّ على أنَّه لمطلق الإذن؛ لأنَّ الأمر بعد الخطر لا يبقى على حقيقته.

وقريب من هذا السِّياق ما أخرجه أصحاب «السنن» من حديث المقدام بن معدي كرب (( حسب ابنِ آدم لُقَيمات يقمنَ صُلبه، فإن كان ولابدَّ فثلثٌ للطَّعام ... ) )الحديث؛ أي إن كان لابدَّ من الزِّيادة على اللُّقيمات فليقتصرْ على الثَّلث فهو إذن بالاقتصار على الثَّلث، لا أمر يقتضي الوجوب ولا الاستحباب.

وقوله (( ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت ) )عبَّر في الحياة بقوله (( ما كانت ) )؛ لأنَّها حاصل، فحسن أن يأتيَ بالصِّيغة المقتضية للاتِّصاف بالحياة، ولما كانت الوفاة لم تقع بَعْدُ حَسُنَ أن يأتي بصيغة الشَّرط، والظَّاهر أنَّ هذا التَّفصيل يشملُ ما إذا كان الضُّر دينيًا، أو دنيويًا، وسيأتي في «التَّمني» من رواية النَّضر بن أنس عن أبيه لولا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا تمنوا الموتَ لتمنيتُه ) ) [خ¦7233] فلعلَّه رأى أن التَّفصيل المذكور ليس من التَّمني المنهي.

هذا وقال العيني وفي الحديث النَّهي عن تمنِّي الموت عند نزولِ البلاء، قيل إنَّه منسوخ بقول يوسف عليه السَّلام {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} [يوسف 101] ، وبقول سُليمان عليه السَّلام {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل 19] . وحديث الباب (( وألحقني بالرَّفيق الأعلى ) )ودعاء عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه

ج 24 ص 296

وعمر بن عبد العزيز بالموت.

وردَّ بأنَّ هؤلاء إنَّما سألوا ما قارن الموت، فالمراد بذلك ألحقنا بدرجاتهم، وحديث عمر رضي الله عنه رواه مَعمر عن علي بن زيد، وهو ضعيفٌ. انتهى. وسيأتي ما يتعلَّق بذلك.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيثُ إنَّ الضُّر الذي يُصيب أعمُّ من أن يكون من المرض وغيره. وقد أخرجه مسلم أيضًا في «الدَّعوات» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت