فهرس الكتاب

الصفحة 8438 من 11127

5672 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) اسمه سعدٌ، وقيل هرمز، وقيل كثير البجلي الأحمسي مولاهم العجلي، ولشعبة فيه إسنادٌ آخر أخرجه التِّرمذي من رواية غُنْدر عنه عن أبي إسحاق عن حارثة بن مُضرِّب قال دخلت على خبَّاب، فذكر الحديث نحوه (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، البجلي الكوفي، أنَّه (قَالَ دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة، ابن الأَرَتِّ _ بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية _ (نَعُودُهُ) جملة حاليَّة، وكذلك قوله (وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ) في رواية حارثة (( وقد اكتوى في بطنهِ، فقال ما أعلمُ أحدًا من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم لقيَ من البلاء ما لقيت ) )؛ أي من الوجع الذي أصابه. وحكى الشَّيخ زين الدِّين العراقي في «شرح الترمذي» احتمال أن يكون أراد بالبلاءِ ما فُتِحَ عليه من المال بعد أن كان لا يجد درهمًا. كما وقع صريحًا في رواية حارثة المذكورة عنه قال (( لقد كنتُ وما أجد درهمًا على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفي ناحية بيتي أربعون ألفًا ) )يعني الآن.

وتعقَّبه بأنَّ غيره من الصَّحابة كان أكثر مالًا منه كعبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه، واحتمال أن يكون أراد ما لقي من التَّعذيب في أوَّل الإسلام من المشركين، وكأنَّه رأى أنَّ اتِّساع الدُّنيا عليه يكون ثوابَ ذلك التَّعذيب، وكان يحبُّ أن لو بقيَ له أجره موفرًا في الآخرة.

قال ويحتمل أن يكون أرادَ ما فعل من الكيِّ مع ورود النَّهي عنه، كما قال عمران بن حُصين رضي الله عنه نهينا عن الكيِّ فاكتوينا فما أفلحنَا. قال وهذا بعيدٌ. قال الحافظُ العسقلاني

ج 24 ص 297

وكذلك الذي قبله.

وقال العيني والنَّهي الذي جاء عن الكيِّ هو لمن يعتقد أنَّ الشِّفاء من الكي، أمَّا من اعتقد أنَّ الله عزَّ وجلَّ هو الشَّافي فلا بأس به، أو ذلك للقادر على مداواة أخرى، وقد استعجلَ، ولم يجعل آخر الدَّواء الكي.

(فَقَالَ إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ سَلَفُوا) كأنَّه عنى بهؤلاء الذين ماتوا في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم (مَضَوْا وَلَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا) من أجورهم شيئًا. وزاد في «الرِّقاق» من طريق يحيى القطَّان عن إسماعيل بن أبي خالد (( شيئًا ) ) [خ¦6431] .

بمعنى أنَّهم لم يتعجَّلوا أجورهم في الدُّنيا، بل بقيت موفرة لهم في الآخرة؛ يعني فأمَّا من عاش بعده فإنَّهم اتَّسعت لهم الفتوح. ويؤيِّده حديثه الآخر «هاجرنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فوقع أجرنا على الله، فمنَّا من مضى لم يأكلْ من أجره شيئًا منهم مصعب بن عُمير» . وقد مضى في «الجنائز» [خ¦1276] ، وفي «المغازي» أيضًا [خ¦3897] .

وقال الكرمانيُّ أي لم تجعلهم الدُّنيا من أصحاب النُّقصان بسبب اشتغالهم بها؛ أي لم يطلبوا الدُّنيا، ولم يحصلوها حتَّى يلزم بسببه فيهم نقصان، إذ الاشتغالُ بها اشتغال عن الآخرة، قال الشَّاعر

~مَا اسْتَكْمَلَ الْمَرْءُ مِنْ أَطْرَافِهِ طَرَفًا إِلَّا يحرمه النُّقْصَانُ مِنْ طَرَفِ

ويحتمل أن يكون عنى جميع من مات قبله، وأن من اتَّسعت له الدُّنيا لم تُؤثِّر فيه، إمَّا لكثرة إخراجهم المال في وجوه البرِّ، وكان من يحتاج إليه إذ ذاك كثيرًا، فكانت تقعُ الموقع، ثمَّ لما اتَّسع الحال جدًا، وشمل العدل في زمن الخلفاء الرَّاشدين استغنى النَّاس بحيث صار الغنيُّ لا يجدُ محتاجًا يضع بره فيه، ولهذا قال خَبَّاب (وَإِنَّا أَصَبْنَا مَا لاَ نَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا) نصرفه فيه (إِلاَّ التُّرَابَ) يعني البنيان. وأغرب الدَّاودي فقال أراد خبَّاب بهذا القول الموت؛ أي لا يجد للمال الذي أصابه إلَّا وضعه في القبر، حكاه ابن التِّين عنه. وردَّه فأصاب وقال بل هو عبارة عمَّا أصابوا من المال. وقد وقعَ عند أحمد عن يزيد بن هارون عن إسماعيل بن أبي خالد في هذا الحديث بعد قوله (( إلَّا التَّراب، وكان يبني حائطًا له ) )ويأتي في «الرِّقاق» نحوه باختصار [خ¦6430] . وأخرجه أحمد أيضًا عن وكيع عن إسماعيل، وأوَّله دخلنا على خبَّاب نعودُه، وهو يبني حائطًا له، وقد اكتوى سبعًا ... الحديث.

(وَلَوْلاَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ) أي بالموت على نفسي، وإنَّما قال ذلك؛

ج 24 ص 298

لأنَّه ابتُلِي في جسدِهِ ابتلاء شديدًا، والدُّعاء بالموت أخصُّ من تمنِّيه، فكلُّ دعاءٍ تمنٍّ من غير عكس، ومن ثمة أدخله في التَّرجمة.

قال قيس (ثُمَّ أَتَيْنَاهُ) أي خبابًا (مَرَّةً أُخْرَى، وَهْوَ) أي والحال أنَّه (يَبْنِي حَائِطًا لَهُ) هكذا وقع في رواية شعبة تكرار المجيء، وهو أحفظُ فزيادته مقبولة، والذي يظهرُ أنَّ قصَّة بناء الحائط كانت سبب قوله أيضًا «وإنا أصبنا من الدُّنيا ما لا يجد له موضعًا إلَّا التُّراب» (فَقَالَ إِنَّ الْمُسْلِمَ يُؤجَرُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ، إِلاَّ فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ فِي هَذَا التُّرَابِ) أي الَّذي يوضع في البنيان، فعلم من هذا أنَّ صرف المال إلى البنيان مذمومٌ، لكن المذمَّة فيمن بنى ما يَفضُل عنه ولا يضطرُّ إليه، فذلك الذي لا يُؤجر فيه؛ لأنَّه من التَّكاثر الملهي لأهله لا من يبني ما يكنُّه، ولا غنى به عنه.

ثمَّ إنَّ قوله إنَّ المسلم. .. إلى آخره هكذا وقع من هذا الوجه موقوفًا على خباب، وقد أخرجه الطَّبراني مرفوعًا من طريق عمر بن إسماعيل بن مجالد حدَّثنا أبي، عن بيان بن بشر وإسماعيل بن أبي خالد جميعًا عن قيس بن أبي حازم قال دخلنا على خبَّاب نعودُه فذكر الحديث، وفيه وهو يعالجُ حائطًا له فقال إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ المسلم يُؤجر في نفقتهِ كلها إلَّا ما يجعله في التُّراب ) ). وعمر المذكور كذَّبه يحيى بن معين.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( ولولا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعوَ بالموت لدعوت به ) ). وقد أخرجه البُخاري في «الدَّعوات» [خ¦6349] ، و «الرِّقاق» أيضًا [خ¦6431] ، وأخرجه مسلم في «الدَّعوات» ، والنَّسائي في الجنائز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت