فهرس الكتاب

الصفحة 8439 من 11127

5673 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو عُبَيْدٍ) بضم العين مصغَّرًا، من غير إضافة لشيء (مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) هو أبو عبيد مولى ابن أزهر، واسمه سعد بن عبيد، وابن أزهر هو الذي ينسب إليه عبد الرَّحمن بن أزهر بن عوف، وهو ابنُ أخي عبد الرَّحمن بن عوف الزُّهري رضي الله عنه.

(أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه

ج 24 ص 299

(قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَنْ يُدْخِلَ) بضم الياء مضارع معلوم (أَحَدًا) مفعوله (عَمَلُهُ) بالرفع فاعله (الْجَنَّةَ) بالنَّصب، بتقدير في الجنَّة (قَالُوا وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) لا ينجيك عملك مع عظم قدرك (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ، وَلاَ أَنَا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي) بالغين المعجمة، يقال تغمَّده الله برحمته؛ أي غمره بها، وستره بها، وألبسه رحمته؛ أي صارت له كالغمد للسَّيف، يقال غمد السَّيف واغتمده ألبسه غمدَه وغشيه به. وفي رواية سُهيل (( إلَّا أن يتداركني الله برحمته ) )، وأمَّا الاستثناء فمنقطعٌ.

(بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ) وفي رواية المستملي ، وفي رواية ابن عون عند مسلم (( بمغفرة ورحمة ) )وقال ابن عون بيده هكذا، وأشار على رأسه، وكأنَّه أراد تفسير معنى يتغمدني. وفي رواية مسلم من حديث جابر رضي الله عنه (( لا يدخل أحدًا منكم عمله الجنَّة ولا يجيره من النَّار ولا أنا إلَّا برحمة الله ) ). فإن قيل كلُّ المؤمنين لا يدخلون الجنَّة إلَّا إن يتغمَّدهم الله بفضله، فما وجه تخصيص الذِّكر برسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فالجوابُ أنَّ تغمُّدَ الله تعالى له بعينه مقطوعٌ به، وإذا كان له بفضل الله فيكون لغيره بالطَّريق الأولى أن يكون بفضله لا بعمله. فإن قيل قال الله تعالى {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف 72] . فالجوابُ أنَّ الباء ليست للسببية، بل للإلصاق، أو للمصاحبة؛ أي أورثتموها مصاحبة وملابسة لثواب أعمالكُم، فحمل الآية على أنَّ الجنَّة تُنال المنازل فيها بالأعمال؛ لأنَّ درجات الجنَّة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، ومحملُ الحديث على أصل دخول الجنَّة.

فإن قيل إنَّ قوله تعالى {سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل 32] صريح بأن دخول الجنَّة أيضًا بالأعمال. فالجواب أنَّه لفظ مجمل بيَّنه الحديث، والتَّقدير ادخلوا منازل الجنَّة وقصورها بما كنتُم تعملون، فليس المراد أصل الدُّخول، أو المراد ادخلوها بما كنتُم تعملون مع رحمة الله لكم وبفضله عليكم؛ لأنَّ اقتسامَ منازل الجنَّة برحمته، وكذا أصل

ج 24 ص 300

دخولها حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيءٌ من مجازاته لعباده من رحمته وفضله لا إله إلَّا هو له الحمد.

واعلم أنَّ مذهب أهل السُّنَّة أنَّه لا يثبت بالعقل ثواب ولا عقاب، بل ثبوتهما بالشَّرع، حتَّى لو عذب الله المؤمنين لكان عدلًا، ولو أدخلهم الجنَّة فهو فضلٌ لا يجب عليه شيء، وكذا لو أدخل الكافرين الجنَّة؛ لكان له ذلك، ولكنَّه أخبر أنَّه لا يفعل ذلك، بل يغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين، والمعتزلة يثبتون بالعقل الثَّواب والعقاب، ويجعلون الطَّاعة سببًا للثواب، موجبًا له، وكذا المعصية سببًا للعقاب موجبًا له، والحديث يردُّ عليهم.

(فَسَدِّدُوا) أي اطلبوا السَّداد؛ أي الصَّواب، وهو ما بين الإفراط والتَّفريط؛ أي فلا تغلوا ولا تقصروا واعملوا به (وَقَارِبُوا) أي لا تفرطوا فتُجهِدوا أنفسكم في العبادة؛ لئلَّا يفضي بكم ذلك إلى الملالة، فتتركوا العمل، فتفرطوا. وقيل أي إن عجزتم عن التَّسديد فقاربوا؛ أي اقربوا منه.

وقيل (( سددوا ) )معناه اجعلوا أعمالكُم مستقيمةً (( وقاربوا ) )أي اطلبوا قربةَ الله عزَّ وجلَّ. ويروى ؛ أي قربوا غيركم إليه، وهي رواية الحَمُّويي والمستملي. وفي رواية بشر بن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم (( ولكن سددوا ) )ومعنى الاستدراك أنَّه قد يُفهم من النَّفي المذكور نفي فائدة العمل، فكأنَّه قيل بل له فائدة، وهي أنَّ العملَ علامةٌ على وجود الرَّحمة التي يدخل العامل بها، فاعملوا واقصدوا بعملكم الصَّواب؛ أي اتباع السُّنَّة من الإخلاص وغيره؛ لِيُقبل عملكم، فتنزل عليكم الرَّحمة.

(ولا يَتَمَنَّيَنَّ) بتحتية بعد النون، وهو نفي بمعنى النَّهي، وفي رواية الكُشميهني على لفظ النَّهي. ووقع في رواية معمر الآتية في «التَّمني» بلفظ [خ¦7235] (( لا يتمنَّى ) )للأكثر، وبلفظ للكُشميهني. وكذا هو في رواية همام عن أبي هريرة رضي الله عنه بزيادة نون التَّأكيد، وزاد بعد قوله (أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ) (( ولا يدعُ به مِن قَبْل أن يأتيه ) )وقوله (( من قبل أن يأتيه ) )

ج 24 ص 301

قيد في الصُّورتين، ومفهومه أنَّه إذا حلَّ به لا يمنع من تمنيه رضىً بلقاء الله، ولا من طلبه من الله تعالى.

ولهذه النكتة عقَّب البُخاري حديث أبي هريرة رضي الله عنه بحديث عائشة رضي الله عنها (( اللَّهمَّ اغفرْ لي وارحمني وألحقني بالرَّفيق الأعلى ) ) [خ¦5674] إشارة إلى أنَّ النَّهي مختصٌّ بالحالة التي قبل نزول الموت؛ فلله درُّه ما كان أكثر استحضارًا، وإيثاره للأخفى على الأجلى؛ لتشحيذ الأذهان، وقد خفي صنيعه هذا على من جعل حديث عائشة رضي الله عنها في الباب معارضًا لأحاديث الباب، أو ناسخًا لها، وقوي ذلك بقول يوسف عليه السَّلام {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف 101] .

قال ابن التِّين قيل إنَّ النَّهي منسوخٌ بقول يوسف عليه السَّلام، وبقول سُليمان عليه السَّلام {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل 19] وبحديث عائشة رضي الله عنها في الباب [خ¦5674] ، وبدعاء عمر رضي الله عنه بالموت وغيره. قال وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ هؤلاء إنَّما سألوا ما قارب الموت.

قال الحافظُ العسقلاني وقد اختلف في مراد يوسف عليه السَّلام، فقال قتادة لم يتمنَّ أحد الموت إلَّا يوسف عليه السَّلام حين تكاملت عليه النِّعم، وجمع له الشَّمل، واشتاقَ إلى لقاء الله.

وقال غيره مرادُه توفَّني مسلمًا عند حضور أجلي، وكذلك مراد سليمان عليه السَّلام، وعلى تقدير الحمل على ما قال قتادة فهو ليس من شرعنا، وإنَّما يُؤخذ بشرع من قبلنا ما لم يَرِدْ في شرعنا النَّهي عنه بالاتِّفاق، وقد استشكل الإذن في ذلك عند نزول الموت؛ لأنَّ نزول الموت لا يتحقَّق، فكم من انتهى إلى غاية جرت العادة بموت من يصل إليها، ثمَّ عاش.

وأُجيب بأنَّه يحتمل أن يكون المراد أنَّ العبد يكون حاله في ذلك الوقت حال من يتمنَّى نزوله به ويرضاه أن لو وقع به، والمعنى أن يطمئنَّ قلبه إلى ما يَرِدُ عليه من به، ويرضى به، ولا يقلقُ، ولو لم يتَّفق أنَّه يموت في ذلك المرض،

ج 24 ص 302

والله تعالى أعلم.

(إِمَّا مُحْسِنًا) تقديره إمَّا أن يكون محسنًا، ويروى على تقدير إمَّا هو محسنٌ (فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا) أي وإما أن يكون مسيئًا، ويروى أيضًا (فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ) من الاستعتاب، وهو طلبُ زوال العتب، وهو استفعالٌ من الإعتاب الذي الهمزة فيه للسلب لا من العتب، وهو من الغرائب. وقيل في تصوير معنى يستعتب؛ أي يرجع عن موجب العتب عليه، أو من العتبى، وهو الرِّضا، يقال استعتبتُه فأعتبني؛ أي استرضيتُه فأرضاني، قال الله عزَّ وجلَّ {وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} [فصلت 24] . والمقصود أن يطلبَ رضى الله تعالى بالتَّوبة، ورد المظالم، وتدارك الغائب، و «لعلَّ» في الموضعين للرجاء المجرَّد من التَّعليل، وأكثر مجيئها في الرَّجاء إذا كان معه تعليل نحو {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة 189] . ووقع في رواية همام عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد (( وإنَّه لا يزيدُ المؤمن عمره إلَّا خيرًا ) )، وفيه إشارةٌ إلى المعنى في النَّهي عن تمنِّي الموت والدُّعاء به، وهو انقطاع العمل بالموت، فإنَّ الحياةَ يتسبب منها العمل، والعمل يُحصِّلُ زيادة الثَّواب، ولو لم يكن إلَّا استمرار التَّوحيد فهو أفضلُ الأعمال، ولا يَرِدُ على هذا أنَّه يجوز أن يقعَ الارتدادُ والعياذ بالله تعالى عن الإيمان؛ لأنَّ ذلك نادرٌ، والإيمان بعد أن يخالطَ بشاشة القلوب لا يسخطه أحدٌ، وعلى تقدير وقوع ذلك، وقد وقع لكن نادرًا؛ فمن سبق له في علم الله خاتمة السُّوء فلابدَّ من وقوعها طال عمره أو قصر، فتعجيله بطلب الموت لا خير له فيه.

ويؤيِّده حديث أبي أُمامة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد (( يا سعد، إن كنت خُلِقت للجنَّة فما طال من عمرك، أو حسن من عملك؛ فهو خير لك ) ). أخرجه أحمد بسندٍ ليِّنٍ. ووقع في رواية همام عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد ومسلم (( وإنَّه لا يزيدُ المؤمن عمره إلَّا خيرًا ) ). واستشكل بأنَّه قد يعمل السَّيئات فيزيد عمره شرًا.

وأُجيب بأجوبة

ج 24 ص 303

منها حمل المؤمن على الكامل، وفيه بعدٌ. ومنها أنَّ المؤمن بصدد أن يفعلَ ما يكفِّر ذنوبه، إمَّا من اجتنابِ الكبائر، وإمَّا من فعل حسنات أُخر قد تقاومُ بتضعيفها سيئاته، وما دام الإيمان باق؛ فالحسناتُ بصدد التَّضعيف، والسَّيئات بصددِ التَّكفير. ومنها تقييدُ ما أُطلق في هذه الرِّواية بما وقعَ في رواية الباب من التَّرجي حيث جاء بقوله «لعلَّه» ، والتَّرجي مشعرٌ بالوقوع غالبًا لا جزمًا، فخرجَ الخبر مخرج تحسين الظَّن بالله، وأنَّ المحسن يرجو من الله الزِّيادة بأن يوفقه للزيادة من عمله الصَّالح، وأنَّ المسيء لا ينبغي له القنوط من رحمةِ الله تعالى، ولا قطع رجائه. أشار إلى ذلك الشَّيخ زين الدِّين العراقي في «شرح التِّرمذي» .

ويدلُّ على أنَّ قصرَ العمر قد يكون خيرًا للمؤمن، حديث أنس رضي الله عنه الذي في أوَّل الباب (( وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي ) )، وهو لا يُنافي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( إنَّ المؤمن لا يزيد عمره إلَّا خيرًا ) )إذا حمل حديث أبي هريرة على الأغلب، ومقابله على النَّادر.

ثمَّ إنَّ مطابقة حديث الباب للتَّرجمة في قوله (( ولا يتمنى أحدكُم ) ). وقد أخرجه مسلمٌ إلى قوله (( فسددوا ) )بطرق مختلفة، منها عن بشر بن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال (( لن ينجي أحدًا منكم عمله ) )قال رجل ولا إيَّاك يا رسول الله، قال (( ولا إيَّاي إلَّا أن يتغمَّدني برحمة ) ).

ومنها عن أبي عبيد مولى عبد الرَّحمن بن عوف عن أبي هريرة. .. إلى آخره نحو رواية البُخاري.

ومنها عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( قاربُوا وسدِّدوا واعلموا إنَّه لن ينجوَ أحدٌ منكم بعمله ) )الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت