فهرس الكتاب

الصفحة 8491 من 11127

5705 - (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، بفتح الميم والسين المهملة بينهما تحتية ساكنة، هو أبو الحسن البصري، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ) هو محمد بن فُضيل مصغَّر فضل، _ بالضاد المعجمة _ الضَّبِّيُّ، قال (حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين مصغَّرًا، هو ابنُ عبد الرَّحمن الواسطي (عَنْ عَامِرٍ) هو ابنُ شَراحيل الشَّعبي (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) الخزاعي، من فضلاء الصَّحابة رضي الله عنه وعنهم، أنَّه (قَالَ لَا رُقْيَةَ) بضم الراء وسكون القاف، وهي العوذةُ التي يرقى بها صاحب الآفةِ كالحمَّى والصَّرع وغير ذلك من الآفات (إِلاَّ مِنْ عَيْنٍ) هو إصابة العائن بعينه غيرَه، وهو أن يتعجَّب الشَّخص من الشَّيء، ويستحسنه حين يراه، فيتضرَّر منه ذلك الشَّيء المرئي (أَوْ مِنْ حُمَةٍ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم المخففة، وهي السُّمُّ.

وقال الجوهري حُمَة العقرب سمُّها وضرها، وكذا قال ثعلب وغيره هي سمُّ العقرب.

وقال القزَّاز قيل هي شوكةُ العقرب. وكذا قال ابنُ سِيْده إنَّها الإبرة التي يَضربُ بها العقرب والزُّنبور. وقال الجاحظُ من سمَّى إبرة العقرب

ج 24 ص 361

حُمَةً فقد أخطأ، وإنَّما الحُمَة سمومُ ذوات الشَّعر من الدبر وذوات الأنياب والأسنان كالأفاعي وسائر الحيَّات، وكسموم ذوات الإبر من العقارب والزَّنانير.

وقال الخطَّابي الحُمَة كلُّ هامَّةٍ ذات سمٍّ من حيَّةٍ أو عقربٍ، وإطلاقه على الإبرة للمجاورة؛ لأنَّ السُّمَّ يخرج منها، وأصلها حمو أو حُمَى، بوزن صرد، والهاء فيه عوض من الواو، أو الياء المحذوفة، وجمعه حمون وحمات، كما قالوا بُرَة وبُرُون وبُرَات، قاله كراع.

وقال كأنَّها مأخوذةٌ من حَمِيتِ النَّارُ تحمى إذا اشتدت حرارتها، وفي كتاب «اليواقيت» للمطرزي حمَّة بالتشديد، وقد أخرج أبو داود من حديث سهل بن حُنيف مرفوعًا (( لا رقيةَ إلَّا من نفسٍ، أو حُمَة، أو لدغة ) )فغاير بينهما.

فيحتمل أن يخرجَ على أنَّ الحُمَة خاصَّة بالعقرب، ويكون ذكر اللَّدغة بعدها من العام بعد الخاصِّ. وأمَّا المراد من نفسٍ هو العين، يُقال أصابت فلانًا نفس؛ أي عينٌ، والنَّملة في حديث أنس رضي الله عنه قروحٌ تخرج في الجنب.

وقال ابنُ الأثير وقد جاء في بعض الأحاديث جواز الرُّقية، وفي بعضها النَّهي، والأحاديث في القسمين كثيرة. ووجه الجمع بينهما أنَّ الرُّقى يكرهُ منها ما كان بغير اللِّسان العربيِّ، وبغير أسماء الله تعالى وصفاتهِ وكلامه في كتبه المنزلة، وأن يعتقدَ أنَّ الرُّقى نافعةٌ لا محالةَ، فيتَّكل عليها، وإيَّاها أرادَ صلى الله عليه وسلم بقوله (( ما توكَّل من استرقى ) ). ولا يُكره منها ما كان في خلاف ذلك كالتَّعوذ بالقرآن، وأسماء الله تعالى، والرُّقى المرويَّة.

وقال أيضًا معنى قوله صلى الله عليه وسلم (( لا رقية إلَّا من عينٍ، أو حُمَة ) )لا رقية أولى وأنفع منهما، وإلَّا فيجوز الرُّقية بذكر الله في جميع الأوجاع، وهذا كما قيل لا فتى إلَّا علي، ولا سيفَ إلَّا ذو الفقار.

وقد أمر صلى الله عليه وسلم غير واحدٍ من أصحابه بالرُّقية، وسمع بجماعة يرقون فلم يُنكر عليهم. قال حُصين بن عبد الرَّحمن

- (فَذَكَرْتُهُ) أي «لا رقية ... إلى آخره» (لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) وفي رواية هُشيم عن حُصين بن عبد الرَّحمن قال كنتُ عند سعيد بن جُبير، فقال حدَّثني ابن عبَّاس، وسيأتي ذلك في «كتاب الرِّقاق» [خ¦6541] ، وأخرجه أحمدُ عن هشيم، ومسلم من وجهٍ آخر عنه بزيادة قصَّة قال كنت عند سعيد بن جُبير فقال أيُّكم رأى الكوكب الذي انقضَّ البارحة؟ قلت أنا ثمَّ، قلت أما إنِّي لم أكنْ في صلاةٍ، ولكن لُدغت، قال وكيف فعلتَ؟ قلت استرقيتُ، قال وما حملك على ذلك؟ قلتُ حديث حدَّثناه الشَّعبي عن بُريدة، أنَّه قال لا رقيةَ إلَّا من عينٍ أو حُمَة، فقال سعيد قد أحسنَ من انتهى إلى ما سمع، ثمَّ قال حدَّثنا ابن عبَّاس، فذكر الحديث.

(فَقَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُرِضَتْ) بضم العين وكسر الراء على البناء للمفعول (عَلَيَّ الأُمَمُ)

ج 24 ص 362

بتشديد الياء، و «الأمُم» رفع نائب عن الفاعل، وعند التِّرمذي والنَّسائي من طريق عَبْثر بن القاسم _ بمهملة فموحدة فمثلثة _ على وزن جعفر، عن حُصين بن عبد الرَّحمن أنَّ ذلك كان ليلة الإسراء.

وهو محمولٌ على القول بتعدُّد الإسراء، وأنَّه وقع بالمدينة غير الَّذي وقع بمكَّة؛ فعند البزَّار بسندٍ صحيحٍ قال أكثرنا الحديث عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ عدنا إليه فقال (( عُرضت عليَّ الأنبياء اللَّيلة ) ).

(فَجَعَلَ النَّبِيُّ) بالإفراد (وَالنَّبِيَّانِ) بالتَّثنية (يَمُرُّونَ مَعَهُمُ الرَّهْطُ) وهو من الرِّجال ما دون العشرة، وقيل إلى الأربعين، ولا يكون فيهم امرأةٌ، ولا واحدَ له من لفظه، ويجمع على أرهط وأرهاط وأراهط جمع الجمع (وَالنَّبِيُّ) أي يمرُّ (لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ) قيل النَّبي هو المخبر عن الله للخلق، فأين الذين أخبرهم؟ وأُجيب بأنَّه ربَّما أخبر، ولم يُؤمن به أحدٌ، ولا يكون معه إلَّا المؤمن.

(حَتَّى رُفِعَ لِي) هكذا في رواية الكُشميهني براء مضمومة وفاء مكسورة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمستملي بواو وقاف مفتوحتين بدل الراء والفاء وبلفظ «في» ، والأوَّل هو المحفوظ في جميع طُرق هذا الحديث، كذا قال الحافظُ العسقلاني.

(سَوَادٌ عَظِيمٌ) ضدُّ البياض، الشَّخص الَّذي يُرى من بعيدٍ، وفي «الرقاق» [خ¦6541] (( سواد كثير ) )بدل قوله هنا (( عظيم ) )، وأشار به إلى أنَّ المراد الجنس لا الواحد.

(قُلْتُ مَا هَذَا؟) السَّواد الذي أراه (أُمَّتِي هَذِهِ؟ قِيلَ هَذَا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (مُوسَى وَقَوْمُهُ، قَيلَ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ) فنظرت إليه (فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلأُ الأُفُقَ، ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ) فنظرت (فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلأَ الأُفُقَ، قِيلَ هَذِهِ أُمَّتُكَ) المؤمنون (وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلاَءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ) فإن قيل قد ثبت أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّه يَعرف أمَّته من بين الأمم بأنَّهم غرٌّ محجَّلون )

ج 24 ص 363

فكيف ظنَّ هنا أمَّة موسى أمته؟ فالجواب أنَّ الأشخاص التي رآها هنا لا تُدرك منها إلَّا الكثرة من غير تمييزٍ لأعيانهم لبعدهم، وأمَّا الأخرى فمحمولةٌ على ما إذا قَرُبوا منه. فإن قيل هل يدخلون وإن كانوا أصحابَ معاصي ومظالم؟ فالجواب أن َّالذين كانوا بهذه الأوصاف الأربعة لا يكونون إلَّا عدولًا مطهَّرين من الذُّنوب، أو ببركة هذه الصِّفات يغفر الله لهم ويعفو عنهم.

(ثُمَّ دَخَلَ) صلى الله عليه وسلم؛ أي الحجرة (وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ) أي للصَّحابة من السَّبعون ألفًا الدَّاخلون الجنَّة بغير حسابٍ (فَأَفَاضَ الْقَوْمُ) يُقال أفاضَ القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه وناظروا عليه (وَقَالُوا نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ) تعالى (وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ) صلى الله عليه وسلم (فَنَحْنُ) معشر الصَّحابة (هُمْ، أَوْ) هم (أَوْلاَدُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلاَمِ، فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ) ذلك القول (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ) من حجرته (فَقَالَ) الذين يدخلون الجنَّة بغير حساب (هُمُ الَّذِينَ لاَ يَسْتَرْقُونَ) مطلقًا، أو لا يسترقون برقى الجاهلية.

قال أبو الحسن القابسي يريد الاسترقاء الَّذي كانوا يسترقون به في الجاهليَّة، وأمَّا الاسترقاء بكتاب الله تعالى، فقد فعله صلى الله عليه وسلم وأمر به، وليس بمُخرِجٍ من التَّوكُّل، وقد مرَّ ما يتعلَّق به.

(وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ) أي لا يتشاءمون بالطُّيور ونحوها كما كانت عادتهم قبل الإسلام، والطِّيرة ما يكون في الشَّرِّ، والفألُ ما يكون في الخير، وكان صلى الله عليه وسلم يحبُّ الفألَ (وَلَا يَكْتَوُونَ) أي ولا يعتقدون الشِّفاء من الكي، كما كان يعتقدُ أهل الجاهليَّة (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) التَّوكُّل تفويض الأمر إلى الله تعالى في ترتيب المسببات على الأسباب، أو يتركون الاسترقاء والطِّيرة والاكتواء، فيكون من باب ذكر العام بعد الخاص؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ منها صفة خاصَّة من التَّوكل، وهو أعمُّ من ذلك، وما قاله بعضهم من أنَّه لا يستحقُّ اسم التَّوكل إلَّا من لم يخالط قلبه خوفُ غيرِ الله،

ج 24 ص 364

حتَّى لو هجمَ عليه الأسد لا ينزعج، وحتَّى لا يسعى في طلب الرِّزق؛ لكون الله ضمَّنه له.

ردَّه الجمهور وقالوا يحصل التَّوكل بأن يثقَ بوعد الله، ويوقنَ بأنَّ قضاءه واقعٌ، ولا يترك اتباع السُّنَّة في طلب الرِّزق ممَّا لابدَّ له منه من مطعمٍ ومشربٍ وتحرُّز من عدو بإعداد السِّلاح، وإغلاق الباب، لكنَّه مع ذلك لا يطمئن إلى الأسباب بقلبه، بل يعتقدُ أنَّها لا تجلبُ نفعًا ولا تدفع ضرًا، بل السَّبب والمسبب فعله، والكلُّ بمشيئته لا إله إلَّا هو، فإذا وقع من المرء ركون إلى السَّبب قدح في توكله.

(فَقَالَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ) بضم العين المهملة وتشديد الكاف وتخفف، ومِحْصَن _ بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين ثمَّ نون_، وكان من أجلِّ الرِّجال ممن شهد بدرًا (أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) بهمزة الاستفهام على وجه الاستخبار والاستعلام. وفي رواية «الرِّقاق» [خ¦6541] وغيرها (( ادع الله أن يجعلني منهم ) ). وجمع بينهما بأن سأل الدُّعاء أوَّلًا فدعا له، ثمَّ استفهمَ هل أجيب؟ فقال أمنهم أنا؟

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم وفي نسخة بالفاء (نَعَمْ) أنت منهم (فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ أَمِنْهُمْ أَنَا) قال الخطيب هو سعد بن عُبادة، وقيل إنَّ الرَّجل الثَّاني كان منافقًا، فأراد النَّبي صلى الله عليه وسلم السَّتر له والإبقاء عليه، ولعلَّه أن يتوب، فردَّه ردًا جميلًا. قال الكرمانيُّ ولو صحَّ هذا بطلَ قول الخطيب، والله تعالى أعلم.

(قَالَ) وفي نسخة (سَبَقَكَ عُكَّاشَةُ) أي في الفضل إلى منزلة أصحاب هذه الأوصاف الأربعة. وقيل يحتمل أن يكون سبقكَ عكاشة يرجى أنَّه يجاب فيه، ولم يحصل ذلك للآخر، ولعلَّهُ قال ذلك له حسمًا للمادَّة؛ لأنَّه لو قال له نعم لأوشك أن يقوم ثالثٌ ورابع وخامس، وهلمَّ جرًّا، وليس كلُّ النَّاس يصلحُ لذلك.

وقد مرَّ هذا الحديث مختصرًا في «أحاديث الأنبياء» ، في باب «وفاة موسى عليه الصَّلاة والسَّلام» [خ¦3410] .

ج 24 ص 365

قد أخرجه أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦6541] ، وأخرجهُ مسلم في «الإيمان» ، والتِّرمذي في «الزُّهد» ، ولفظه لمَّا أُسري بالنَّبي صلى الله عليه وسلم جعل يمرُّ بالنَّبي والنَّبيِّين ومعهم القوم، والنَّبي والنَّبيِّين ومعهم الرَّهط، فذكره بطوله، والنَّسائي في الطِّب، ثمَّ إنَّ قوله عن عمران بن حصين قال (( لا رقية إلَّا من عينٍ أو حُمَة ) )كذا رواه محمد بن فُضيل عن حُصين موقوفًا، ووافقه هُشيم وشعبة عن حُصين على وقفهِ، ورواية هُشيم عند أحمد ومسلم، ورواية شعبة عند التِّرمذي تعليقًا، ووصلها ابنُ أبي شيبة، ولكن قال عن بُريدة بدل عمران بن حُصين.

وخالف الجميع مالك بن مِغْول عن حُصين، فرواه مرفوعًا وقال عن عمران بن حُصين، أخرجه أحمد وأبو داود. وكذا قال ابن عُيينة عن حُصين، أخرجه التِّرمذي، وكذا قال إسحاق بن سُليمان عن حُصين، أخرجه ابن ماجه.

واختلف فيه على الشَّعبي اختلافًا آخر، فأخرجه أبو داود من طريق العبَّاس بن ذَرِيْح _ بمعجمة وراء وآخره مهملة _ على وزن عظيم فقال عن الشَّعبي عن أنسٍ، ورفعه وشذَّ العبَّاس بذلك، والمحفوظ رواية حُصين مع الاختلاف عليه في رفعه ووقفه، وهل هو عن عمران بن حُصين، أو بُريدة؟ والتَّحقيق أنَّه عنده عن عمران، وعن بريدة جميعًا.

ووقع لبعض الرُّواة عن البُخاري قال حديث الشَّعبي مرسلٌ، وحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما مسندٌ، فأشار بذلك إلى أنَّه أورد حديث الشَّعبي استطرادًا، ولم يقصدْ إلى تصحيحه، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في حذف الحُميدي له من «الجمع بين الصحيحين» فإنَّه لم يذكره أصلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت