فهرس الكتاب

الصفحة 8515 من 11127

5723 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ بالجمع (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفي الكوفي سكن مصر، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) هو عبدُ الله بن وهب المصري، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَطْفِئُوهَا) بهمزة قطع ثمَّ طاء مهملة وفاء مكسورة ثمَّ همزة مضمومة أمر بالإطفاء، وتقدَّم في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع في «صفة النَّار» من «بدء الخلق» بلفظ [خ¦3264] (( فابرُدوها ) )والمشهور في ضبطها بهمزة وصل وراء مضمومة، وحكي كسرها، يقال بردت الحمَّى أبرُدها بردًا، بوزن قتلتها قتلًا؛ أي أسكنت حرارتَهَا، قال الحماسة

ج 24 ص 407

~إَذَا وَجَدْتُ لَهِيْبَ الحُبِّ فِيْ كَبِدِيْ أَقْبَلْتُ نَحْوَ سِقَاءِ القَوْمِ أَبْتَرِدُ

~هَبْنِي بَرَدْتُ بِبَرْدِ المَاءِ ظَاهِرَهُ فَمَنْ لِنَارٍ عَلَى الأَحْشَاءِ تَتَّقِدُ

وحكى القاضي عِياض رواية بهمزة قطع مفتوحة وراء مكسورة من أبرد الشَّيء إذا عالجه، فصيره باردًا مثل أسخنه إذا صيره سخنًا، وقد أشار إليه الخطَّابي. وقال الجوهري إنَّها لغةٌ رديئة.

(بِالْمَاءِ) وفي حديث أبي هُريرة رضي الله عنه عند ابن ماجه (( بالماء البارد ) )ومثله في حديث سَمُرة عند أحمد، ووقع في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( بماء زمزم ) )كما مضى في «صفة النَّار» من رواية أبي جمرة _ بالجيم _، قال كنت أجالس ابن عبَّاس رضي الله عنهما بمكَّة فأخذتني الحمَّى [خ¦3261] . وفي رواية أحمد كنت أدفع النَّاس عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما فاحتبست أيَّامًا، فقال ما حبسك؟ قلت الحمَّى، قال أبردها بماء زمزم، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( الحمَّى من فيح جهنَّم فأبردوها بالماء، أو بماء زمزم ) )شكَّ همامٌ، كذا في رواية البُخاري من طريق أبي عامر العقدي عن همام [خ¦3261] . وقد تعلَّق به من قال بأنَّ ذكر ماء زمزم ليس قيدًا لشَّكِّ راويه فيه، وممَّن ذهب إلى ذلك ابنُ القيم. وتُعُقِّبَ بأنَّه وقع في رواية أحمد عن عفَّان عن همام (( فأبردوها بماء زمزم ) )، ولم يشكَّ، وكذا أخرجه النَّسائي وابن حبَّان والحاكم من رواية عفَّان، وإن كان الحاكم وهم في استدراكه، وترجم له ابن حبَّان بعد إيراده حديث ابن عمر رضي الله عنهما فقال ذكر الخبر المفسِّر للماء المجمل في الحديث الذي قبله، وهو أنَّ شدَّة الحمَّى تبردُ بماء زمزم دون غيره من المياه، وساق حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وقد تُعقِّب على تقدير أن لا شكَّ في ذكر ماء زمزم بأنَّ الخطاب لأهل مكَّة خاصَّةً؛ لتيسُّر ماء زمزم عندهم، كما خصَّ الخطاب بأصل الأمر بأهل البلاد الحارَّةِ، وخَفِيَ ذلك على بعض النَّاس.

قال الخطَّابي ومن تبعه اعترض بعض سخفاء الأطباء على هذا الحديث، بأن قال اغتسال المحموم بالماء خطرٌ يقرب من الهلاك؛ لأنَّه يجمع المسام ويحقنُ البخار ويعكسُ الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتَّلف.

قال الخطَّابي غلط بعض من ينسب إلى العلم فانغمس

ج 24 ص 408

في الماء لمَّا أصابته الحمى فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه فأصابته علَّةٌ صعبةٌ كادت تهلكه، فلمَّا خرج من علَّته قال قولًا سيئًا لا يحسن ذكره، وإنَّما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث.

والجواب أنَّ هذا الاستشكال صَدَرَ عن صَدْرٍ مرتابٍ في صدق الخبر فيقال له أوَّلًا من أين حملت الأمر على الاغتسال، وليس في الحديث الصَّحيح بيان الكيفيَّة فضلًا عن اختصاصها بالغسل، وإنَّما في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمَّى بالماء، فإن أظهر الوجود، أو اقتضت صناعة الطِّب أنَّ انغماس كلِّ محمومٍ في الماء، أو صبَّه إيَّاه على جميع بدنه يضرُّه، فليس هو المراد، وإنَّما قصد صلى الله عليه وسلم استعمال الماء على وجه ينفع.

وقد ظهر من الحديث الآخر أنَّه لم يُرِد مطلقَ الاغتسال، وإنَّما أراد الاغتسال على كيفيَّةٍ مخصوصةٍ، وأولى ما يُحمل عليه كيفية تبريد الحمى ما صنعته أسماء بنت أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه؛ فإنَّها كانت ترشُّ على بدن المحموم شيئًا من الماء بين بدنه وثوبه، فيكون ذلك من باب النَّثرة المأذون فيها، والصَّحابي ولاسيِّما مثل أسماء التي هي ممَّن كان يلازم بيت النَّبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالمراد من غيرها، ولعلَّ هذا هو السِّر في إيراد البُخاري لحديثها عقب حديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور، وهذا من بديعِ ترتيبه.

وقال المازريُّ لا شكَّ أنَّ علم الطِّبِّ من أكثر العلوم احتياجًا إلى التَّفصيل حتَّى إنَّ المريض يكون الشَّيءُ دواءه في ساعة، ثمَّ يصير داء له في السَّاعة التي تليها لعارضٍ يعرض له، فيتغيَّر علاجه، ومثل ذلك كثيرٌ، فإذا فرض وجود الشِّفاء لشخصٍ بشيء في حالةٍ ما لم يلزم منه وجود الشِّفاء به له، أو لغيره في سائر الأحوال.

والأطبَّاء مجمعون على أنَّ المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السِّنِّ والزَّمان والعادة والغذاء المتقدم والتَّأثير المألوف وقوَّة الطِّباع، ثمَّ ذكر نحو ما تقدَّم، قالوا وعلى تقدير أن يراد التَّصريح بالاغتسال في جميع الجسد، فيجاب بأنَّه يحتمل أن يكون أراد أنَّه يقع بعد إقلاع الحمَّى، وهو بعيدٌ، ويحتمل أن يكون في وقتٍ مخصوصٍ بعدد مخصوص،

ج 24 ص 409

فيكون من الخواص التي اطَّلع عليها صلى الله عليه وسلم بالوحي، ويضمحلُّ عند ذلك جميع كلام أهل الطِّب.

وقد أخرج التِّرمذي من حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا (( إذا أصاب أحدُكم الحمَّى وهي قطعةٌ من النَّار، فليطفئهَا عنه بالماء، يستنقعُ في نهرٍ جارٍ، ويستقبلُ جِرْيَتَهُ، وليقل بسم الله، اللَّهمَّ اشف عبدك، وصدِّق رسولك، بعد صلاة الصُّبح قبل طلوع الشَّمس، ولينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيَّام، فإن لم يبرأ فخمس، وإلَّا فسبع، وإلَّا فتسع، فإنَّها لا تكاد تجاوز تسعًا بإذن الله تعالى ) ). قال التِّرمذي غريب. وقال الحافظُ العسقلاني وفي سنده سعيد بن زُرعة مختلفٌ فيه. انتهى.

وعلى تقدير ثبوته فهو شيءٌ خارجٌ عن قواعد الطِّب داخلٌ في قسم المعجزات الخارقة للعادة. ألا ترى كيف قال وصَدِّق رسولك، وبإذن الله، وقد شوهد فوجد كما نطقَ به الصَّادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، كذا في «شرح المشكاة» للطِّيبي.

قال المازريُّ ويحتمل أن يكون ذلك لبعض الحِمْيات دون بعض في بعض الأماكن دون بعض، لبعض الأشخاص دون بعض، وهذا أوجه، فإنَّ خطابه صلى الله عليه وسلم قد يكون عامًّا، وهو الأكثر، وقد يكون خاصًا. كما قال (( لا تستقبلوا القبلة بغائطٍ ولا بولٍ، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا ) ).

فقوله (( شرِّقوا، أو غرِّبوا ) )ليس عامًّا لجميع أهل الأرض، بل هو خاصٌّ لمن كان بالمدينة النَّبويَّة، وعلى سَمْتِها كما تقدَّم تقريره في «كتاب الطهارة» [خ¦144] ، فكذلك هذا يحتمل أن يكون مخصوصًا بأهل الحجاز وما والاهم، إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من العرضية الحادثة عن شدَّة الحرارة، وهذه ينفعها الماء البارد شرابًا واغتسالًا؛ لأنَّ الحمَّى حرارة غريبة تشتعلُ في القلب، وتنتشرُ منه بتوسط الرُّوح، والدَّم في العروق إلى جميع البدن، وهي قسمان

عرضيَّة وهي الحادثة عن ورمٍ، أو حركةٍ، أو إصابة حرارة الشَّمس، أو القيظ الشَّديد، ونحو ذلك.

ومرضيَّة وهي ثلاثة أنواع وتكون عن مادة، ثمَّ منها ما يُسخِّن جميع البدن، فإن كان مبدأ تعلقها بالرُّوح فهي حمى يوم؛ لأنَّها تقلع غالبًا في يوم،

ج 24 ص 410

ونهايتها إلى ثلاث، وإن كان تعلُّقها بالأعضاء الأصلية فهي حمى دقٍّ وهي أخطرها، وإن كان تعلُّقها بالأخلاط سُمِّيت عَفَنِيةً، وهي بعدد الأخلاط الأربعة، وتحت هذه الأنواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الإفراد والتَّركيب.

وإذا تقرَّر هذا فيجوز أن يكون المراد النَّوع الأوَّل فإنَّها تسكنُ بالانغماس في الماءِ البارد، وشرب الماء المبرد بالثَّلج وبغيره، ولا يحتاجُ صاحبها إلى علاجٍ آخر. وقد قال جالينوس في كتاب «حيلة البرء» لو أنَّ شابًّا حسن اللَّحم خصب البدن ليس في أحشائهِ ورمٌ استحمَّ بماءٍ بارد، أو سبح فيه في وقت القيظ عند منتهى الحمَّى؛ لانتفع بذلك.

وقال أبو بكر الرَّازي إذا كانت القوى قويَّةً، والحمى حادَّة، والنُّضج بيِّنٌ، ولا ورم في الجوف ولا فتق، فإنَّ الماء البارد ينفعُ شربه، فإن كان العليلُ خصب البدن والزَّمان حار، أو كان معتادًا باستعمال الماء البارد اغتسالًا فليُؤذن له فيه.

وقد نزَّل ابنُ القيم حديث ثوبان على هذه القيود فقال هذه الصِّفة تنفعُ في فصل الصَّيف في البلاد الحارة في الحمَّى العرضية، أو الغِبِّ الخالصة التي لا ورم معها، ولا شيءَ من الأعراض الرَّديَّة، والمواد الفاسدة، فيطفئها بإذن الله تعالى، فإنَّ الماء البارد في ذلك الوقت أبرد ما يكون؛ لبعده عن ملاقاة الشَّمس، ووفور القوى في ذلك الوقت؛ لكونه عقب النَّوم والسُّكون وبرد الهواء.

قال والأيام التي أشار إليها هي التي يقعُ فيها بحرارة الأمراض الحادة غالبًا، ولاسيَّما في البلاد الحارة، والله تعالى أعلم.

قالوا وقد تكرَّر في الحديث استعماله صلى الله عليه وسلم الماء البارد في علَّته كما قال (( صبُّوا عليَّ من سبع قربٍ لم تحللْ أوكيتهنَّ ) ) [خ¦5714] ، وقد تقدَّم شرحه.

وقال سَمُرة كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا حمَّ دعا بقربةٍ من ماء فأفرغها فاغتسل، أخرجه البزَّار، وصحَّحه الحاكمُ، ولكن في سنده راوٍ ضعيف. وقال أنس رضي الله عنه رفعه (( إذا حُمَّ أحدُكم فليشنَّ عليه من الماء البارد من السِّحر ثلاث ليالٍ ) )أخرجه الطَّحاوي،

ج 24 ص 411

وأبو نُعيم في «الطب» ، والطَّبراني في «الأوسط» ، وصحَّحه الحاكم، وسندهُ قويٌّ. وله شاهدٌ من حديث أمِّ خالد بنت سعيد، أخرجه الحسن بن سُفيان في «مسنده» ، وأبو نُعيم في «الطب» من طريقه.

وقال عبد الرَّحمن بن المُرَقَّع رفعه (( الحمَّى رائد الموت، وهي سجنُ الله في الأرض، فبرِّدوا لها الماء في الشِّنان، وصبُّوه عليكم فيما بين الأذانين المغرب والعشاء ) )قال ففعلوا، فذهبَ عنهم، أخرجه الطَّبراني. وهذه الأحاديث تردُّ التَّأويل الذي نقله الخطَّابي عن ابن الأنباري، أنَّه قال المراد بقوله (( فأبردُوها ) )الصَّدقة به.

قال ابنُ القيم أظنُّ الذي حمل قائل ذلك أنَّه أشكلَ عليه استعمال الماء في الحمَّى، فعدلَ إلى هذا، وله وجهٌ حسنٌ؛ لأنَّ الجزاء من جنس العمل، فكأنَّه لما أخمدَ لهب العطشان بالماء أخمدَ الله لهيب الحمَّى عنه، ولكن هذا يُؤخذُ من فقه الحديث وإشارته، وأمَّا المراد به في الأصل فهو استعماله في البدن حقيقة كما تقدَّم، والله تعالى أعلم.

(قَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر رضي الله عنهما، وهو موصولٌ بالإسناد السَّابق (وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن عمر رضي الله عنهما (يَقُولُ) أي في الحمى اللَّهم (اكْشِفْ عَنَّا الرِّجْزَ) أي العذاب، ولا شك أنَّه نوعٌ منه، وكأنَّ ابن عمر رضي الله عنهما فهم من كون أصل الحمَّى من جهنم أنَّ من أصابته عُذِّب بها، وهذا التَّعذيب يختلف باختلاف محلِّه، فيكون للمؤمن تكفيرًا لذنوبه، وزيادة في أجورهِ، كما سبق [خ¦5640] ، وللكافرِ عقوبة وانتقامًا. واستشكلَ طلبه بكشفها مع ما فيها من الثَّواب.

وأُجيب بأنَّ طلبه ذلك لمشروعيَّة طلبِ العافية من الله سبحانه، إذ هو قادرٌ على أن يكفرَ سيِّئات عبده، ويعظم ثوابه من غير أن يصيبَه شيءٌ ممَّا يشقُّ عليه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه مسلم، والنَّسائي في «الطِّب» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت