5728 - (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) أي ابن الحارث بن سَخْبرة الأزدي أبو عمر الحوضي، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) واسم أبي ثابت قيس، ويُقال هند بن دينار الأسدي مولاهم، أبو يحيى الكوفي (قَالَ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ) بسكون العين؛ أي ابن أبي وقَّاص رضي الله عنه.
وقع في سياق أحمد فيه قصَّة عن حبيب قال كنت بالمدينة فبلغني أنَّ الطَّاعون بالكوفة فلقيت إبراهيم بن سعدٍ فسألته. وأخرجهُ مسلم أيضًا من هذا الوجه وزاد فقال لي عطاء بن يسار وغيره، فذكر الحديث المرفوع فقلت عن من؟ قالوا عن عامر بن سعدٍ فأتيته فقالوا غائبٌ، فلقيت أخاه إبراهيم بن سعد فسألته.
(قَالَ سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ) هو ابنُ حارثة بن شراحيل الكلبي رضي الله عنهما (يُحَدِّثُ سَعْدًا) أي والد إبراهيم المذكور. ووقع في رواية الأعمش عن حبيب عن إبراهيم بن سعد عن أسامة بن زيد وسعدٍ، أخرجهُ مسلم.
ومثله في رواية الثَّوري عن حبيب، وزاد وخزيمة بن ثابت أخرجه أحمد ومسلم أيضًا، وهذا الاختلاف لا يضرُّ؛ لاحتمال أن يكون سعد يذكر ما حدَّثه به أسامة، أو نسبت الرِّواية به إلى سعد لتصديقه أسامة. وأمَّا خزيمة فيحتمل أن يكون إبراهيم بن سعد سمعَه منه بعد ذلك فضمَّه إليهما تارةً، وسكت عنه أخرى.
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ) وقع (بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا) جملة حاليَّة (فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا) وسيجيء شرح هذا الكلام في الحديث الَّذي بعده إن شاء الله تعالى [خ¦5729] (فَقُلْتُ) القائل هو حبيب بن أبي ثابت؛ أي فقلت لإبراهيم بن سعد.
(أَنْتَ سَمِعْتَهُ)
ج 24 ص 421
أي سمعت أسامة (يُحَدِّثُ سَعْدًا) أباك بذلك (وَلاَ يُنْكِرُهُ) أي ولا ينكرُ أبوك ذلك (قَالَ نَعَمْ) سمعته يحدِّثه، وسعد لا ينكره، وسقط «قال نعم» في رواية الحَمُّويي والمستملي.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من حيث إنَّ فيه ذكر الطَّاعون، وقد أخرجه مسلم في «الطِّب» أيضًا.
تذييل قد وقع في رواية عامر بن سعد بن أبي وقَّاص عن أُسامة في هذا الحديث زيادةٌ على رواية أخيه إبراهيم أخرجها المصنِّف في «ترك الحيل» من طريق شعيب عن الزُّهري أخبرني عامر بن سعد أنَّه سمع أسامة بن زيد يحدِّث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الوجع فقال (( رجزًا وعذاب عذِّب به بعض الأمم، ثمَّ بقي منه بقيَّةٌ، فيذهب المرَّة ويأتي الأخرى ) )الحديث [خ¦6974] .
وأخرجهُ مسلمٌ من رواية يونس بن يزيد عن الزُّهري وقال فيه (( إنَّ هذا الوجع، أو السَّقم ) ). وأخرجهُ البُخاري في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦3473] ، ومسلم أيضًا، والنَّسائي من طريق مالك، ومسلم أيضًا من طريق الثَّوري، ومغيرة بن عبد الرحمن كلُّهم عن محمد بن المنكدر، زاد مالك وسالم أبو النَّضر كلاهما عن عامر بن سعد أنَّه سمع أباه يسأل أُسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطَّاعون؟ فقال أُسامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الطَّاعون رجسٌ أُرسِل على طائفةٍ من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم ) )الحديث، كذا وقع بالشَّكِّ، ووقع بالجزم عند ابن خُزيمة من طريق عمرو بن دينار عن عامر بن سعد بلفظ (( فإنَّه رجزٌ سُلِّط على طائفةٍ من بني إسرائيل ) )وأصله عند مسلم. ووقع عند ابن خُزيمة بالجزم أيضًا من رواية عكرمة بن خالد عن ابن سعد عن سعد، لكن قال (( رجزٌ أُصيب به من كان قبلكم ) ).
والتَّنصيص على بني إسرائيل أخصُّ، فإن كان ذلك المراد فكأنَّه أشار بذلك إلى ما جاء في قصَّة بلعام. فأخرج الطَّبري من طريق سليمان التَّيمي أحد صغار التَّابعين عن سيار أنَّ رجلًا كان يُقال له بلعام كان مجاب الدَّعوة، وأنَّ موسى عليه السَّلام أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض الَّتي فيها بلعام، فأتاه قومه فقالوا ادعُ الله عليهم، فقال حتَّى أؤامر ربي فمُنع، فأتوه بهديَّةٍ فقبلها، وسألوه
ج 24 ص 422
ثانيًا فقال حتى أؤامر ربي، فلم يرجع إليه بشيء، فقالوا لو كره لنهاك، فدعا عليهم، فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل، فينقلبُ على قومه، فلاموه على ذلك، فقال سأدلُّكم على ما فيه هلاكهم، أرسلوا النِّساء في عسكرهم، ومروهنَّ لا يمتنعن من أحدٍ، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، فكان فيمن خرج بنت الملك، فأرادها رأسُ بعض الأسباط، وأخبرها بمكانه، فمكَّنته من نفسها، فوقع في بني إسرائيل الطَّاعون، فمات منهم سبعون ألفًا في يومٍ، وجاء رجلٌ من بني هارون ومعه الرُّمح فطعنهما، وأيَّده الله، فانتظمهما جميعًا. وهذا مرسلٌ جيِّدٌ، وسيار شامي موثق.
وقد ذكر الطَّبري هذه القصَّة من طريق محمد بن إسحاق عن سالم أبي النَّضر، فذكر نحوه، وسمَّى المرأة كَشْتا _ بفتح الكاف وسكون المعجمة وبعدها مثناة _، والرَّجل زِمْرِي _ بكسر الزاي وسكون الميم وكسر الراء _، رأسُ سبط شمعون، وسمي الَّذي طعنهما فِنْحاص _ بكسر الفاء وسكون النون بعدها مهملة ثم مهملة _، ابن هارون. وقال في آخره فحُسِب من هلك من الطَّاعون سبعون ألفًا، والمُقلِّل يقول عشرون ألفًا، وهذه الطَّريق تعضد الأولى. وقد أشار إليها القاضي عِياض فقال قوله (( أرسل على بني إسرائيل ) )، قيل مات منهم في ساعةٍ واحدةٍ عشرون ألفًا، وقيل سبعون ألفًا.
وذكر ابن إسحاق في «المبتدأ» أنَّ الله تعالى أوحى إلى داود عليه السَّلام أنَّ بني إسرائيل كثر عصيانهم، فخيَّرهم بين ثلاث، إمَّا أن أبتليهم بالقحط، أو العدوِّ شهرين، أو الطَّاعون ثلاثة أيام، فأخبرهم فقالوا اختر لنا، فاختار الطَّاعون، فمات منهم إلى أن زالت الشَّمس سبعون ألفًا، وقيل مائة ألف، فتضرَّع داود إلى الله تعالى فرفعه. وورد وقوع الطَّاعون في غير بني إسرائيل، فيحتمل أن يكون هو المراد بقوله (( من كان قبلكم ) ).
فمن ذلك ما أخرجه الطَّبري وابنُ أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير قال أمر موسى عليه السَّلام بني إسرائيل أن يذبحَ كلَّ رجلٍ منهم كبشًا، ثمَّ ليخضب كفَّه في دمه، ليضرب به على بابه، ففعلوا، فسألهم القِبْطُ عن ذلك، فقالوا إنَّ الله سيبعث
ج 24 ص 423
عليكم عذابًا، وإنَّا ننجو منه بهذه العلامة، فأصبحوا، وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفًا، فقال فرعون عند ذلك لموسى {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ} الآية [الأعراف 134] ، فدعا فكشف عنهم. وهذا مرسلٌ جيِّد الإسناد.
وأخرج عبد الرَّزاق في «تفسيره» ، والطَّبري من طريق الحسن في قوله تعالى {الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة 243] قال فروا من الطَّاعون فقال لهم الله موتوا ثمَّ أحياهم ليُكملوا بقيَّة آجالهم. وأخرج ابنُ أبي حاتم من طريق السُّدِّي عن أبي مالك قصَّتهم مطولة.
قال الحافظُ العسقلاني فأقدم من وقفنا عليه في المنقولِ ممَّن وقع الطَّاعون به من بني إسرائيل في قصَّة بلعام، ومن غيرهم في قصَّة فرعون، وتكرَّر بعد ذلك لغيرهم، والله تعالى أعلم.