فهرس الكتاب

الصفحة 8523 من 11127

5729 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أبو محمد الدِّمشقي، ثمَّ التِّنِّيسي الكلاعي الحافظ، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهري (عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ [بْنِ] الْخَطَّابِ) أي ابن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي المدني، عامل الكوفة لعمر بن عبد العزيز (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ) بن الحارث بن عبد المطلب، لجدِّ أبيه نوفل ابن عم النَّبي صلى الله عليه وسلم صحبةً، وكذا لولده الحارثُ ووُلِدَ عبد الله بن الحارث في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، فَعُدَّ لذلك في الصَّحابة فهم ثلاثةٌ من الصَّحابة في نسقٍ واحد، وكان عبد الله بن الحارث يلقَّب بَبَّة _ بموحدتين مفتوحتين الثَّانية مشددة _، ومعناه الممتلئ البدن من النِّعمة، ويكنى أبا محمد، ومات سنة أربع وثمانين.

وأمَّا ولده راوي هذا الحديث فهو ممَّن وافق اسمه اسم أبيه، وكان يكنى أبا يحيى، ومات سنة تسع وتسعين، وما له في البُخاري سوى هذا الحديث.

وفي هذا السَّند ثلاثةٌ من التَّابعين في نسقٍ أيضًا، وكلُّهم مدنيُّون، وقد وافق مالكًا على روايته عن ابن شهاب هكذا مَعمر وغيره، وخالفهم يونس، فقال عن ابنِ شهاب عن عبد الله بن الحارث، أخرجهُ مسلمٌ، ولم يسق

ج 24 ص 424

لفظه، وساقه ابن خُزيمة وقال قول مالك ومن تابعه أصحُّ.

وقال الدَّارقطني تابع يونس صالح بن نصر عن مالك. وقد رواه ابنُ وهب عن مالك ويونس جميعًا عن ابن شهاب عن عبد الله بن الحارث، والصَّواب الأوَّل. وأظنُّ ابن وهب حمل رواية مالك على رواية يونس. قال وقد رواه إبراهيم بن عُمر بن أبي الوزير عن مالكٍ كالجماعة، لكن قال عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث عن أبيه عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، زاد في السَّند عن أبيه، وهو خطأ.

قال الحافظُ العسقلاني وقد خالف هشام بن سعد جميع أصحاب ابنِ شهاب، فقال عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرَّحمن عن أبيه وعمر، أخرجه ابنُ خزيمة. وهشامٌ صدوق سيِّئُ الحفظ، وقد اضطَّرب فيه، فرواه تارةً هكذا، ومرَّة أخرى عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن بن عوف عن أبيه وعمر، أخرجه ابنُ خزيمة أيضًا، ولابن شهاب فيه شيخٌ آخر قد ذكره البخاري إثر هذا السَّند.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ) ذكر سيف بن عمر في «الفتوح» أنَّ ذلك كان في ربيع الآخر سنة ثمان عشرة، وأنَّ الطَّاعون كان وقع أوَّلًا في المحرم وفي صفر، ثمَّ ارتفع، فكتبوا إلى عمر فخرج حتَّى إذا كان قريبًا من الشَّام بلغه أنَّه أشد ما كان، فذكر القصَّة.

وذكر خليفةُ بن خياط أنَّ خروج عمر رضي الله عنه إلى الشَّام هذه المرَّة كان سنة سبع عشرة يتفقَّد فيها أحوال الرَّعيَّة وأمرائهم، وكان خرج قبل ذلك سنة ست عشرة لمَّا حاصر أبو عبيدة بيت المقدس فقال أهله يكون الصُّلح على يدي عمر رضي الله عنه، فخرج لذلك.

وهذا الطَّاعون الذي وقع بالشَّام حينئذٍ هو الَّذي يُسمى طاعون عَمَواس _ بفتح المهملة والميم وحكي تسكينها وآخره مهملة _، قيل سُمِّي بذلك؛ لأنَّه عمَّ وواسى [1] .

(حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ) بفتح المهملة وسكون الراء وبالغين المعجمة، وحكي عن ابن وضَّاح تحريك الراء، وخطأه بعضهم، قريةٌ بوادي تبوك قريبةٌ من الشَّام، وقيل بقرب تبوك، يجوز فيه الصَّرف وعدمه، ويقال هي مدينةٌ في طريق الشَّام ممَّا يلي الحجاز افتتحها أبو عبيدة هي واليرموكُ والجابية متَّصلات، بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة، وقال الحازمي هي أوَّل الحجاز وهي من منازل حاج الشَّام.

(لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ، أَبُو عُبَيْدَةَ)

ج 24 ص 425

عامر بن عبد الله، وقيل عبد الله بن عامر (ابْنُ الْجَرَّاحِ) أحدُ العشرة (وَأَصْحَابُهُ) هم خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعَمرو بن العاص، وكان أبو بكر رضي الله عنه قد قسم البلاد بينهم، وجعل أمرَ القتال إلى خالد، ثمَّ ردَّه عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة، وكان عمر رضي الله عنه قسم الشَّام أجنادًا الأردن جندٌ، وحمص جندٌ، ودمشق جندٌ، وفلسطين جندٌ، وقنسرين جندٌ، وجعل على كلِّ جندٍ أميرًا.

(فَأَخْبَرُوهُ) أي أخبروا عمر رضي الله عنه (أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ الشَّأْمِ) وفي رواية يونس (( أنَّ الوجع قد وقع بأرض الشَّام ) )بدل (( الوباء ) ). وفي رواية هشام بن سعد أنَّ عُمر رضي الله عنه لما خرج إلى الشَّام سمع بالطَّاعون والوباء، بالمد والقصر. قال الخليل هو الطَّاعون. وقال آخرون هو المرض العامُّ، فكلُّ طاعونٍ وباء من غير عكس، وهذا الوباء المذكور هنا كان طاعونًا، وهو طاعونُ عَمَواس.

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (فَقَالَ) أي لي (عُمَرُ) رضي الله عنه (ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ) وهم الَّذين صلوا إلى القبلتين، وفي رواية يونس (( اجمع لي المهاجرين ) ) (فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ) في القدوم، أو الرُّجوع (وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ) أي الطَّاعون (قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ، وَلاَ نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ) أي بقيَّة الصَّحابة، وإنَّما قالوا كذلك تعظيمًا لهم؛ أي كأنَّ النَّاس لم يكونوا إلَّا الصَّحابة، كما قال الشَّاعر

~هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدٍ

فقوله (وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عطفٌ تفسيريٌّ، ويحتمل أن يكون المراد ببقيَّة النَّاس الذين أدركوا النَّبي صلى الله عليه وسلم عمومًا، والمراد بالأصحاب الَّذين لازموه وقاتلوا معه (وَلاَ نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ) بضم الفوقية وسكون القاف وكسر الدال المهملة؛ أي لا نرى أن تجعلَهم قادمين (عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَقَالَ) عمر رضي الله عنه (ارْتَفِعُوا عَنِّي) أي اخرجوا عنِّي، وفي رواية يونس (( فأمرهم فخرجوا عنه ) )

ج 24 ص 426

(ثُمَّ قَالَ) أي عمر لي (ادْعُوا لِي الأَنْصَارَ، فَدَعَوْتُهُمْ) فحضروا عنده (فَاسْتَشَارَهُمْ) في ذلك أيضًا (فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ) أي مشوا على طريقهم فيما قالوا (وَاخْتَلَفُوا) في ذلك (كَاخْتِلاَفِهِمْ، فَقَالَ) لهم (ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ) لي (ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ) ضبطه الحافظُ العسقلاني بوجهين الأوَّل بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الياء التحتانية. والثَّاني بفتح الميم وكسر الشين وسكون الياء، على أنَّه جمع شيخ.

قال العَيني والَّذي قاله أهل اللُّغة هو الثَّاني. في «القاموس» الشَّيخ والشَّيخون من استبانت فيه السِّنُّ، أو من خمسين، أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره، أو إلى الثَّمانين، الجمع شُيُوخ وشِيوخ وشِيْخَة ومَشْيَخة وشِيْخان ومَشِيخة _ بفتح الميم وكسر المعجمة _ ومشايخ، وتصغيره شُيَيْخ وشِيَيْخ وشُوَيْخ قليلة.

(مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ) بضم الميم وكسر الجيم؛ أي الَّذين هاجروا إلى المدينة عام الفتح، أو المراد مسلمة الفتح، أو أطلق على من تحوَّل إلى المدينة بعد فتح مكَّة مهاجرًا صورةً، وإن كانت الهجرة بعد الفتح حكمًا قد ارتفعتْ، وأطلق عليهم ذلك احترازًا عن غيرهم من مشيخةِ قريش ممَّن أقام بمكَّة، ولم يُهاجر أصلًا.

وهذا يشعرُ بأنَّ لمن هاجر فضلًا في الجملةِ على من لم يهاجر وإن كانت الهجرة الفاضلة في الأصل إنَّما هي لمن هاجر قبل الفتح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا هجرة بعد الفتح ) ) [خ¦2783] . وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ مكَّة بعد الفتح صارت دار إسلام، والَّذي يُهاجر منها إلى المدينة إنَّما يُهاجر لطلب العلم، أو الجهاد، لا للفرار بدينه بخلاف ما قبل الفتح، وقد تقدَّم بيان ذلك.

(فَدَعَوْتُهُمْ) فحضروا عنده (فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلاَنِ، فَقَالُوا) له (نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلاَ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ) رضي الله عنه (فِي النَّاسِ إِنِّي مُصَبِّحٌ) بضم الميم وفتح الصاد وكسر الموحدة مشددة، أو مخففة بسكون الصاد؛ أي مسافر

ج 24 ص 427

في الصَّباح راكبًا (عَلَى ظَهْرٍ) أي ظهر الرَّاحلة راجعًا إلى المدينة (فَأَصْبِحُوا) راكبين متأهِّبين للرُّجوع إليها (عَلَيْهِ) أي على الظَّهر، وهو الإبل الَّتي يُحمل عليها ويُركب، ويُقال عند فلان ظهر؛ أي إبل. زاد يونس في روايته (( فإنِّي ماضٍ لما أرى، فانظروا ما آمركم به فامضوا له، قال فأصبح على ظهره ) ).

(قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ) لعمر رضي الله عنهما، وهو إذا ذاك أمير الشَّام (أَفِرَارًا) أي أترجع فرارًا (مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟) وفي رواية هشام بن سعد (( فقالت طائفة منهم أبو عبيدة أمن الموت نفر؟ إنَّما نحن بقدرٍ لن يصيبنا إلَّا ما كتبَ الله لنا ) ). فإن قيل ما الفرق بين القضاء والقدر؟

فالجواب أنَّ القضاء عبارةٌ عن الأمر الكلِّيِّ الإجمالي الَّذي حكم الله به في الأزل، والقدر عبارة عن جزئيات ذلك الكلِّي، ومفصَّلات ذلك المجمل التي حكم بوقوعها واحدًا بعد واحد في الإنزال. قالوا هو المراد بقوله تعالى {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر 21] .

(فَقَالَ) له (عُمَرُ) رضي الله عنه (لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ) جواب (( لو ) )محذوف؛ أي لو قال غيرك لأدبته، أو لكان أولى منك به، أو لم أتعجَّب منه، لكنِّي أتعجَّب منك مع علمك وفضلك كيف تقول هذا، أو هي للتَّمنِّي فلا تحتاج إلى الجواب، والمعنى أنَّ غيرك ممَّن لا فهم له إذا قال ذلك يعذر، وذلك لاعتراضه على مسألةٍ اجتهاديَّةٍ وافق عليها أكثر النَّاس من أهل الحلِّ والعقد، وقد كان عمر رضي الله عنه يكره خلافه؛ أي مخالفته.

وقال الزَّركشي قوله (( لو غيرك قالها ) )هو خلاف الجادة فإن «لو» خاصَّة بالفعل، وقد يليها اسم مرفوع معمول المحذوف المفسَّر بما بعده كقولهم لو ذات سوارٍ لطَمَتْنِي، ومنه هذا. انتهى. وهذا لفظ ابن هشام في «مغنيه» .

واعترضه الشَّيخ تقي الدِّين الشُّمُنِّيُّ بأنَّه لو قال كقوله بلفظ الإفراد لكان أولى؛ لأنَّ الذي قاله حاتم الطَّائي حين لطمته جاريةٌ، وهو مأسورٌ في بعض أحياء العرب، ثمَّ صار مَثَلًا، وذات السِّوار الحرَّة؛ لأنَّ الإماء عند العرب لا يلبسن السِّوار. انتهى.

وقال في «المصابيح» قول الزَّركشي أنَّ (( لو ) )خاصَّة بالفعل لا يُصحِّح له مدَّعاه من كون هذا التَّركيب على خلاف

ج 24 ص 428

الجادة، فإنَّا إذا قدَّرنا ما بعد «لو» معمولًا لمحذوف كانت «لو» داخلة على الفعل أيضًا. ثمَّ قال فإن قلت إنَّ الزَّركشي عنى اختصاصها بدخولها على الفعلِ الملفوظ لا المقدر؟

أُجيب بأنَّه يَرِدُ عليه حينئذٍ قوله تعالى {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ} [الإسراء 100] إلى غير ذلك.

(نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ) وفي رواية هشام بن سعد (( إن تقدَّمنا فبقدرِ الله، وإن تأخَّرنا فبقدر الله ) ). وأطلق عليه الفرار؛ لشبهه في الصُّورة، وإن كان ليس فرارًا شرعًا، والمراد أنَّ هجومَ المرء على ما يهلكُه منهيٌّ عنه، ولو فعل لكان من قدرِ الله، وتجنبه ممَّا يُؤذيه مشروعٌ، وقد يُقدِّر الله وقوعه فيما فرَّ منه، فلو فعله، أو تركه لكان من قدر الله، فهما مقامان مقام التَّوكُّل، ومقام التَّمسُّك بالأسباب، كما سيأتي تقريره.

ومحصل قول عمر رضي الله عنه (( نفر من قدر الله إلى قدر الله ) )أنَّه أراد أنَّه لم يفرَّ من قدر الله حقيقة، وذلك أنَّ الذي فرَّ منه أمرٌ خاف على نفسه منه فلم يهجم عليه، والَّذي فرَّ إليه أمرٌ لا يخاف على نفسه منه، وأمَّا الأمر الَّذي لابدَّ من وقوعه وقع البتَّة سواءٌ كان ظاعنًا أم مقيمًا. وحاصل الكلام أنَّ شيئًا لا يخرج عن القدر.

(أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ) بتسكين الفوقية (وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ) بضم العين المهملة وكسرها وسكون الدال المهملة، تثنية عدوة؛ أي شاطئان وحافَّتان، والعدوة المكان المرتفع من الوادي، وهو شاطئه (إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة بعدها موحدة، كذا ضبط في كتب اللُّغة. وضبطه الحافظُ العسقلانيُّ بوزن عظيمة، وحكى ابن التِّين سكون الصاد بغير تحتية، وفي «المطالع» خِصْبة _ بكسر الخاء وسكون الصاد _، والخصب _ بالكسر _ ضدُّ الجدب.

والخَصْبة _ بفتح الخاء وسكون الصاد _ واحدة الخصاب، وهي النَّخلُ الكثير الحمل.

(وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ) بفتح الجيم وسكون الدال المهملة (أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ) وزاد مسلم في رواية مَعمر وقال له أيضًا أرأيت لو أنَّه رعى الجدبة وترك الخصبة أكنت معجِّزه _ وهو بتشديد الجيم _ قال نعم، قال فسِرْ إذًا، فسار حتَّى أتى المدينة؛ يعني أنَّ الكلَّ بتقدير الله تعالى سواء ندخل أو نرجع، فرجوعنا أيضًا بقدر الله تعالى، فعمر رضي الله

ج 24 ص 429

عنه استعملَ الحذر، وأثبتَ القدر معًا، فعمل بالدَّليلين اللذين كلٌّ متمسِّكٍ به من التَّسليم للقضاء، والاحتراز عن الإلقاء في التَّهلكة.

(قَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ) أي لم يحضر معهم المشاورة المذكورة (فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا) أي في الَّذي اختلفتم فيه (عِلْمًا) وفي رواية مسلم (( لعلمًا ) )بلام التَّأكيد (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ) أي بالطَّاعون (بِأَرْضٍ) الباء الأولى متعلقة بقوله (( سمعتم ) )على تضمين أُخْبِرتُم، و «بأرض» حال؛ أي واقعًا في أرض (فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ) بفتح الدال؛ ليكون أسكن لأنفسكم، وأقطع لوساوس الشَّيطان، وهو موافقٌ للمتن الَّذي قبله عن أُسامة بن زيد وسعد وغيرهما، فلعلَّهم لم يكونوا مع عمر رضي الله عنه في تلك السَّفرة.

(وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ) أي لأجل الفرار منه؛ لئلَّا تكون معارضة للقدر. وفي رواية عبد الله بن عامر التي بعد هذه [خ¦5730] ، وفي حديث أسامة عند النَّسائي (( فلا تفروا منه ) )، وفي رواية لأحمد من طريق ابن سعد مثله، وفيه دليلٌ على جواز الخروج لغرضٍ آخر، لا لقصد الفرار (قَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (فَحَمِدَ اللَّهَ) تعالى (عُمَرُ) على موافقة اجتهاده واجتهاد معظم الصَّحابة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ انْصَرَفَ) راجعًا إلى المدينة؛ لأنَّه أحوط ولرجحانه بكثرة القائلين به مع موافقة اجتهاده للنَّصِّ المروي عن الشَّارع صلى الله عليه وسلم.

قال ابن بطَّال فإن قيل لا يموت أحدٌ إلَّا بأجله فلا يتقدَّم ولا يتأخَّر، فما وجه النَّهي عن الدُّخول والخروج؟

قلنا لم يُنهَ عن ذلك إلَّا حذرًا من أن يظن أنَّ هلاكه كان من أجل قدومه عليه، وأن سلامته كانت من أجل خروجه فنهى عن الدُّنوِّ، كما نهى عن الدُّنوِّ من المجذوم مع علمه بأنَّه لا عدوى.

وقيل إذنه صلى الله عليه وسلم للذين استوخموا المدينة بالخروج حجَّةً لمن أجاز الفرار، وأُجيب بأنَّه لم يكن ذلك فرار من الوباء، إذ هم كانوا يستوخمون خاصَّةً دون سائر النَّاس، بل للاحتياج إلى الضَّرع، ولاعتيادهم المعاش في الصَّحاري.

ج 24 ص 430

وفي هذا الحديث من الفوائد

خروج الإمام بنفسه لمشاهدة أحوال رعيَّته، وإزالة ظلم المظلوم، وكشف الكرب، وتخويف أهل الفساد، وإظهار شعائر الإسلام، وتلقِّي الأمراء والمشاورة معهم، والاجتماع بالعُلماء، وتنزيل النَّاس منازلهم، والاجتهاد في الحروب، وقبول خبر الواحد، وصحَّة القياس، واجتناب أسباب الهلاك.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( إذا سمعتم به. .. إلى آخره ) ). وقد أخرجه مسلم في «الطب» ، وأبو داود في «الجنائز» ، والنَّسائي في «الطِّب» .

[1] كذا وفي كتب الشروح أنها قرية جنوب بلاد الشام وانظر معجم البلدان 4/ 157

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت