5730 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي الحافظ، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهري (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِر) أي ابن ربيعة الأصغر، ولد على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم سنة ستٍّ من الهجرة، وحفظ عنه، وهو صغيرٌ، وتوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ابنُ أربع سنين، ومات سنة خمس وثمانين، وهو معدودٌ في الصَّحابة، وأبوه عامر بن ربيعة من كبار الصَّحابة (أَنَّ عُمَرَ) رضي الله عنه (خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ) لينظر في أحوال رعيَّته الَّذين كانوا بها (فَلَمَّا كَانَ بِسَرْغَ) قد مر ضبطه [خ¦5729] (بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ) أي الطَّاعون (قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ) فعزم على الرُّجوع بعد أن اجتهدَ ووافقه بعض الصَّحابة ممَّن معه على ذلك (فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) رضي الله عنه وكان متغيِّبًا في بعض حاجته (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ) أي بالطَّاعون، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني (بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ) لأنَّه تهوُّرٌ وإقدامٌ على خطر.
(وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ) فإنَّه فرارٌ من القدر، ولئلَّا يضيع المرضى بعدم من يتعَّهدهم، والموتى بعدم من يُجهِّزهم، فالأوَّل تأديبٌ وتعليمٌ، والثَّاني تفويضٌ وتسليم.
وهذا طريقٌ آخر لحديث عبد الرَّحمن بن عوف وعمر رضي الله عنهما، سمعه ابنُ شهاب من عبد الله بن عامر عاليًا، لكنَّه اختصر القصَّة، واقتصر على حديث عبد الرَّحمن بن عوف. وفي رواية القعنبي عقب هذه الطَّريق وعن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أنَّ عُمر رضي الله عنه إنَّما انصرف
ج 24 ص 431
من حديث عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه.
وهو عند مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك، وقال إنَّما رجع بالنَّاس من سَرْغَ عن حديث عبد الرَّحمن بن عوف، وكذا هو في «الموطأ» .
وقد رواه جويرية بن أسماء عن مالك خارج «الموطأ» مطولًا أخرجه الدَّارقطني في «الغرائب» ، وزاد بعد قوله عن حديث عبد الرَّحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه نهى أن نقدمَ عليه إذا سمع به، وأن نخرجَ عنه إذا وقع بأرضٍ هو بها.
وأخرجه أيضًا من رواية بشر بن عمر عن مالك بمعناه، ورواية سالم هذه منقطعةٌ؛ لأنَّه لم يدرك القصَّة ولا جدَّه عمرَ ولا عبدَ الرَّحمن بن عوف. وقد رواه ابنُ أبي ذئب عن ابن شهاب عن سالم فقال عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنَّ عبد الرَّحمن أخبر عمر، وهو في طريق الشَّام لمَّا بلغه أنَّ بها الطَّاعون، فذكر الحديث، أخرجه الطَّبراني.
فإن كان محفوظًا فيكون ابن شهاب سمعَ أصل الحديث من عبد الله بن عامر، وبعضه من سالم عنه، واختصر مالك الواسطة بين سالم وعبد الرَّحمن.
وليس مراد سالم بهذا الحصر نفيُ سبب رجوع عمر رضي الله عنه أنَّه كان عن رأيه الَّذي وافق عليه مشيخة قريش من رجوعه بالنَّاس، وإنَّما مراده أنَّه لما سمع الخبر رَجَحَ عنده ما كان عزم عليه من الرُّجوع، وذلك أنَّه قال إنِّي مصبحٌ على ظهرٍ فبات على ذلك، ولم يشرع في الرُّجوع حتَّى جاء عبد الرَّحمن بن عوف فحدَّث بالحديث المرفوع، فوافق رأي عمر الَّذي رآه، فحصر سالمٌ سبب رجوعه في الحديث؛ لأنَّه السَّبب الأقوى، ولم يُرِدْ نفي السَّبب الأوَّل، وهو اجتهاد عمر رضي الله عنه فكأنَّه يقول لولا وجود النَّصِّ لأمكن إذا أصبح أن يتردَّد في ذلك، أو يرجع عن رأيه، فلمَّا سمع الخبر استمرَّ على عزمه الأوَّل، ولولا الخبر لما استمرَّ.
فالحاصل أنَّ عمر رضي الله عنه أراد بالرُّجوع ترك الإلقاء إلى التَّهلكة، فهو كمن أراد الدُّخول إلى دار فرأى بها مثلًا حريقًا تعذَّر طفؤه، فعدل عن دخولها؛ لئلَّا يصيبه. فعدل عُمر لذلك، فلمَّا بلغه الخبر جاء موافقًا فأعجبه، فلأجل ذلك قال من قال إنَّما رجع لأجل الحديث، لا لما اقتضاه نظره فقط.
وقد أخرج
ج 24 ص 432
الطَّحاوي بسندٍ صحيحٍ عن أنس رضي الله عنه أنَّ عمر رضي الله عنه أتى الشَّام فاستقبله أبو طلحة وأبو عبيدة فقالا يا أمير المؤمنين إنَّ معك وجوه الصَّحابة وخيارهم وإنَّا تركنا من بعدنا مثل حريق النَّار، فارجع العام فرجع.
وهذا في الظَّاهر يعارض حديث الباب، فإنَّ فيه الجزم بأنَّ أبا عبيدة أنكر الرُّجوع، ويمكن الجمع بأنَّ أبا عبيدة أشار أوَّلًا بالرُّجوع، ثمَّ غلب عليه مقام التَّوكل لما رأى أكثر المهاجرين والأنصار جنحوا إليه، فرجعَ عن رأي الرجوع، وناظر عمر في ذلك فاستظهر عليه عمر بالحجة فتبعه، ثمَّ جاء عبد الرَّحمن بن عوف بالنَّص فارتفع الإشكال.
وفي هذا الحديث جواز رجوع من أراد دخول بلدة فعلم أنَّ بها الطَّاعون، وأنَّ ذلك ليس من الطِّيرة، وإنَّما هو من منع الإلقاء إلى التَّهلكة كما مرَّ، أو سدًّا للذَّريعة؛ لئلَّا يعتقد من يدخل إلى الأرض التي وقع بها أن لو دخلها وطُعِنَ، وقعَ العدوى المنهيُّ عنها، وأنَّه لو لم يدخلها لم تقع.
وقد زعم قومٌ أنَّ النَّهي عن ذلك إنَّما هو للتَّنزيه، وأنَّه يجوز الإقدام عليه لمن قوي توكُّله وصحَّ يقينه، وتمسَّكوا بما جاء عن عمر رضي الله عنه، أنَّه ندم على رجوعه من سرغَ، كما أخرجه ابنُ أبي شيبة بسندٍ جيِّدٍ من رواية عروة بن رويم عن القاسم بن محمد عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال جئتُ عمر حين قدم فوجدتُه قائِلًا في خبائه فانتظرته في ظلِّ الخباء فسمعتُه يقول حين تضوَّر اللَّهم اغفر لي رجوعي من سرغَ.
وأخرجه إسحاقُ بن راهويه في «مسنده» أيضًا، وأجاب القرطبي في «المفهم» بأنَّه لا يصحُّ عن عُمر رضي الله عنه. قال وكيف يندمُ على فعل ما أَمَرَ به النَّبي صلى الله عليه وسلم ويرجع عنه ويستغفر منه، وفيه أنَّ سنده قويٌّ، والأخبار القويَّة لا تُرَدُّ بمثل هذا مع إمكان الجمع، فيحتمل أن يكون كما حكاه البغوي في «شرح السنة» عن قومٍ أنَّهم حملوا النَّهي على التَّنزيه، وأنَّ القدوم عليه جائزٌ لمن غلب عليه التَّوكُّل، والانصراف عنه رخصةٌ.
ويحتمل وهو أقوى أن يكون سبب ندمه، أنَّه خرج لأمرٍ مهمٍّ من أمور المسلمين فلمَّا وصل إلى قرب البلد
ج 24 ص 433
المقصود رجع، مع أنَّه كان يمكنه أن يقيمَ بالقرب من البلد المقصود إلى أن يرتفعَ الطَّاعون فيدخل إليها ويقضي حاجة المسلمين.
ويؤيِّد ذلك أنَّ الطَّاعون ارتفع عنها عن قربٍ، فلعلَّه كان بلغه ذلك فندم على رجوعه إلى المدينة، لا على مطلق رجوعه، ورأى أنَّه لو انتظر؛ لكان أولى لما في رجوعه على العسكر الذي كان صَحِبه من المشقَّة، والخبر لم يَرِدْ بالأمر بالرُّجوع، وإنَّما ورد بالنَّهي عن القدوم، والله تعالى أعلم.
وأخرج الطَّحاوي بسندٍ صحيحٍ عن زيد بن أسلم عن أبيه قال قال عُمر رضي الله عنه اللَّهم إنَّ النَّاس نحلوني ثلاثًا أبرأ إليك منهنَّ، زعموا أنِّي فررت من الطَّاعون وأنا أبرأُ إليك من ذلك وذكر الطِّلاء والمكس.
وقد ورد عن غير عمر رضي الله عنه التَّصريح بالعمل في ذلك بمحض التَّوكُّل، فأخرج ابن خزيمة بسندٍ صحيحٍ عن هشام بن عروة عن أبيه أنَّ الزُّبير بن العوَّام رضي الله عنه خرج غازيًا نحو مصر، فكتب إليه أمراء مصر إنَّ الطَّاعون قد وقع فقال إنَّما خرجنا للطَّعن والطَّاعون فدخلها فلقي طعنًا في جبهته، ثمَّ سَلِمَ.
وفي الحديث أيضًا منع من وقع الطَّاعون ببلد هو فيها من الخروج منها، وقد اختلف الصَّحابة رضي الله عنهم في ذلك. أخرج أحمدُ بسندٍ صحيحٍ إلى أبي مُنيب أنَّ عَمرو بن العاص رضي الله عنه قال في الطَّاعون إنَّ هذا رجزٌ مثل السَّيل من تنكَّبه أخطأه، ومثل النَّار من أقام أحرقته، فقال شرحبيل بن حسنة إنَّ هذا رحمة ربكم، ودعوة نبيِّكم، وقبض الصَّالحين قبلكم.
وأبو مُنِيْب _ بضم الميم وكسر النون بعدها تحتانية ساكنة ثمَّ موحدة _، وهو دمشقيٌّ نزل البصرة يُعرف بالأحدب، وثَّقه العجلي وابن حبَّان، وهو غير أبي منيب الجرشي؛ لأنَّ الأحدب أقدم من الجرشي. وقد أثبت البُخاري سماع الأحدب من معاذ بن جبل رضي الله عنه، والجرشي يروي عن سعيد بن المسيِّب ونحوه.
وللحديث طريقٌ أخرى أخرجها أحمدُ أيضًا من رواية شرحبيل بن شُفْعة _ بضم المعجمة وسكون الفاء _ عن عَمرو بن العاص رضي الله عنه، وشرحبيل بن حسنة بمعناه، وأخرجه
ج 24 ص 434
ابن خُزيمة والطَّحاوي، وسنده صحيحٌ.
وأخرجه أحمد وابن خزيمة أيضًا من طريق شَهْر بن حَوْشب عن عبد الرَّحمن بن غَنْم عن عَمرو وشرحبيل بمعناه. وأخرج أحمدُ من طرقٍ أخرى أنَّ المراجعة في ذلك أيضًا وقعت بين عَمرو بن العاص ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما. وفي طريقٍ أخرى بينه وبين واثلة الهذلي، وفي معظم الطُّرق أنَّ عمرو بن العاص صدَّق شرحبيل وغيره على ذلك.
ونقل القاضي عِياض وغيره جواز الخروج عن الأرض الَّتي وقع بها الطَّاعون عن جماعةٍ من الصَّحابة منهم أبو موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما، ومن التَّابعين منهم الأسود بن هلال ومسروق، ومنهم من قال النَّهي فيه للتَّنزيه، فيُكره ولا يحرمُ، وخالفهم جماعة فقالوا يحرم الخروج منها لظاهر النَّهي الثَّابت في الأحاديث الماضية، وهذا هو الرَّاجح عند الشَّافعيَّة وغيرهم، ويؤيِّده ثبوت الوعيد على ذلك.
فأخرج أحمد وابن خزيمة من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا في أثناء حديثٍ بسندٍ حسنٍ قلت يا رسول الله فما الطَّاعون؟ قال (( غدَّةٌ كغدَّة الإبل، المُقيم فيها كالشَّهيد، والفار منها كالفارِّ من الزَّحف ) ). وله شاهدٌ من حديث جابر رضي الله عنه رفعه (( الفارُّ من الطَّاعون كالفارِّ من الزَّحف، والصَّابر فيه كالصَّابر في الزَّحف ) ). أخرجه أحمد أيضًا وابن خزيمة [1] ، وسنده صالحٌ للمتابعات.
وقال الطَّحاوي استدلَّ من أجاز الخروج بالنَّهي الوارد عن الدُّخول إلى الأرض التي يقعُ بها، قالوا وإنَّما نهى عن ذلك خشية أن يُعدِي من دخل عليه. قال وهو مردودٌ؛ لأنَّه لو كان النَّهي لهذا لجاز لأهل الموضع الذي وقع فيه الخروج، وقد ثبت النَّهي أيضًا عن ذلك، فعُرِف أنَّ المعنى الذي لأجله منعوا من القدوم عليه غير معنى العدوى.
والَّذي يظهر والله أعلم أنَّ حكمة النَّهي عن القدوم عليه؛ لئلَّا يصيب من قَدِمَ عليه بتقدير الله تعالى فيقول لولا أنِّي قدمت هذه الأرض لما أصابني، ولعلَّه لو أقام في الموضع الذي كان فيه لأصابه، فأُمِرَ أن لا يقدم عليه حسمًا للمادة، ونُهِيَ من وقع
ج 24 ص 435
وهو فيها أن لا يخرج من الأرض التي نزل بها؛ لئلَّا يَسْلَم فيقول مثلًا لو أقمت في تلك الأرض لأصابني ما أصاب أهلها، ولعلَّه لو كان أقام بها ما أصابه من ذلك شيء. انتهى.
ويؤيِّده ما أخرجه الهيثم بن كُلَيب، والطَّحاوي، والبيهقيُّ بسندٍ حسنٍ عن أبي موسى رضي الله عنه أنَّه قال إنَّ هذا الطَّاعون قد وقع فمن أراد أن يتنزَّه عنه فليفعل، واحذروا اثنتين أن يقول قائلٌ خرج خارج فسَلِمَ، وجلس جالس فأصيب، فلو كنتَ خرجتَ لسلمتَ كما سَلِمَ فلان، ولو كنت جلستَ أُصبتَ كما أُصيبَ فلان، لكن أبو موسى رضي الله عنه حمل النَّهي على من قصد الفرار محضًا.
ولا شكَّ أن الصُّور ثلاث. وهذا تفصيلٌ جيد، وذلك أنَّ من خرج لقصد الفرار محضًّا فهذا يتناوله النَّهي لا محالة، ومن خرج لحاجةٍ متمحِّضةٍ، لا لقصد الفرار أصلًا، ويتصوَّر ذلك فيمن تهيَّأ للرَّحيل من بلد كان بها إلى بلد إقامته مثلًا، ولم يكن الطَّاعون فوقع، فاتَّفق وقوعه في أثناء تجهُّزه، فهذا لم يقصد الفرار أصلًا فلا يدخل في النَّهي، والثَّالث من عرضت له حاجةٌ فأراد الخروجَ إليها، وانضمَّ إلى ذلك أنَّه قصد الرَّاحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطَّاعون فهذا محل النِّزاع.
ومن جملة هذه الصُّورة الأخيرة أن تكون الأرض التي وقع بها وخمة والأرض الَّتي يريد التَّوجُّه إليها صحيحة فيتوجَّه بهذا القصد، فهذا جاء النَّقل فيه عن السَّلف مختلفًا، فمن منع نظر إلى صورة الفرار في الجملة، ومن أجازه نظر إلى أنَّه مستثنى من عموم الخروج فرارًا؛ لأنَّه لم يتمحَّض للفرار، وإنَّما هو لقصد التَّداوي.
وعلى ذلك يُحمل ما وقع في أثر أبي موسى المذكور أنَّ عُمر رضي الله عنه [أرسل] إلى أبي عبيدة رضي الله عنه إنَّ لي إليك حاجةٌ فلا تضع كتابي من يدك حتَّى تُقبل إليَّ، فكتب إليه إنِّي قد عرفت حاجتك وإنِّي في جندٍ من المسلمين لا أجد بنفسي رغبةً عنهم، فكتب إليه أمَّا بعد فإنَّك نزلت بالمسلمين أرضًا غميقةً فارفعهم إلى أرض نزهةٍ فدعا أبو عبيدة أبا موسى، فقال اخرج فارْتَدْ للمسلمين منزلًا حتَّى أنتقلَ بهم، فذكر القصَّة في اشتغال أبي موسى بأهله، وبوقوع الطَّاعون بأبي عبيدة لمَّا وضع رجله في الركاب متوجهًا، وأنَّه نزل بالنَّاس في مكانٍ آخر فارتفع الطَّاعون.
وقوله غميقة _ بغين معجمة وقاف بوزن عظيمة _
ج 24 ص 436
؛ أي قريبةً من المياه، والنُّزور، وذلك ممَّا يفسد غالبًا به الهواء لفساد المياه. والنُّزهة الفسيحة البعيدة عن الوخم، فهذا يدلُّ على أنَّ عُمر رضي الله عنه رأى أنَّ النَّهي عن الخروج إنَّما هو لمن قصد الفرار متمحِّضًا، ولعلَّه كانت له حاجةٌ بأبي عبيدة في نفس الأمر، فلذلك استدعاه وظنَّ أبو عبيدة أنَّه إنَّما طلبه ليَسْلَم من وقوع الطَّاعون به فاعتذر عن إجابته لذلك.
وقد كان أمر عمر رضي الله عنه لأبي عبيدة رضي الله عنه بذلك بعد سماعها للحديث المذكور من عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فتأوَّل عمر فيه ما تأوَّل، واستمرَّ أبو عبيدة على الأخذ بظاهره.
وأيَّد الطَّحاوي صنيع عمر رضي الله عنه بقصَّة العرنيين فإنَّ خروجهم من المدينة كان للعلاج لا للفرار، وهو واضحٌ من قصَّتهم؛ لأنَّهم شكُّوا وخم المدينة، وأنَّها لم توافق أجسامهم وكان خروجهم من ضرورة الواقع؛ لأنَّ الإبل التي أُمروا أن يتداووا بألبانها وأبوالها واستنشاق روائحها ما كانت تتهيَّأ إقامتها في البلد، وإنَّما كانت في مراعيها فلذلك خرجوا.
وقد لحظ البُخاري ذلك فترجم قبل ترجمة الطَّاعون «من خرج من الأرض التي لا تلائمه» ، وساق قصَّة العرنيين [خ¦5727] . ويدخل فيه ما أخرجه أبو داود من حديث فَرْوة بن مُسَيك _ بمهملة وكاف مصغرًا _ قال قلت يا رسول الله إنَّ عندنا أرضًا، يقال لها أَبْيَنُ هي أرض ريفنا وميرتنا وهي وبئةٌ، فقال (( دعها عنك فإنَّ من القرف التَّلف ) ). قال ابنُ قتيبة القرف القرب من الوباء.
وقال الخطَّابي ليس في هذا إثبات العدوى، وإنَّما هو من باب التَّداوي، فإنَّ استصلاح الأهوية أنفع الأشياء في تصحيح البدن، وبالعكس. واحتجُّوا أيضًا بالقياس على الفرار من المجذوم، وقد ورد الأمر به، كما تقدَّم [خ¦5707] .
والجوابُ أنَّ الخروج من البلد الَّتي وقع بها الطَّاعون قد ثبت النَّهي عنه، والمجذوم قد ورد الأمر بالفرار منه فكيف يصحُّ القياس. وقد تقدَّم في باب «الجذام» [خ¦5707] من بيان الحكمة في ذلك ما يغني عن إعادته. وقد ذكر العُلماء في النَّهي عن الخروج حكمًا
منها أنَّ الطَّاعون في الغالب يكون عامًا
ج 24 ص 437
في البلد الَّذي يقع به، فإذا وقع فالظَّاهر مُداخَلَة سببه لمن بها فلا يُفيده الفرار؛ لأنَّ المفسدة إذا تعيَّنت حتَّى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثًا فلا يليق بالعاقل.
ومنها أنَّ النَّاس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز منه بالمرض المذكور، أو بغيره ضائعُ المصلحة لفقد من يتعهَّده حيًّا وميتًا، وأيضًا فلو شُرِعَ الخروج فخرج الأقوياء؛ لكان في ذلك كسر قلوب الضُّعفاء. وقد قالوا إنَّ حكمة الوعيد في الفرار من الزَّحف؛ لما فيه من كسر قلبٍ من لم يفر، وإدخال الرُّعب عليه بخذلانه.
وقد جمع الغزالي بين الأمرين فقال الهواء لا يضرُّ من حيث ملاقاته ظاهر البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق فيصل إلى القلب والرِّئة فيؤثر في الباطن ولا يظهر على الظَّاهر إلَّا بعد التَّأثير في الباطن، فالخارج من البلد الَّذي يقع به لا يخلص غالبًا ممَّا استحكم به، وينضاف إلى ذلك أنَّه لو رخَّص للأصحاء في الخروج لبقي المرضى لا يجدون من يتعاهدهم، فتضيع مصالحهم.
ومنها ما ذكره بعض الأطبَّاء أنَّ المكان الَّذي يقع به الوباء تتكيَّف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة وتألفها، ويصير لهم كالأهوية الصَّحيحة لغيرهم، فلو انتقلوا إلى الأماكن الصَّحيحة لم توافقهم، بل ربَّما إذا استنشقوا هواها استصحب معه إلى القلب من الأبخرة الرَّديئة الَّتي حصل تكيف بدنه بها فأفسدته، فمُنِع من الخروج لهذه النُّكتة.
ومنها ما تقدَّم أنَّ الخارج يقول لو أقمتُ لأُصِبْتُ، والمقيم يقول لو خرجت لسَلِمتُ، فيقع في اللوِّ المنهيِّ عنه. وقال الإمام الشَّاطبي
~وَكَمْ لَوْ وَلَيْتٍ تُورِثُ الْقَلْبَ أَنْصُلَا
والله تعالى أعلم.
وقال الشَّيخ أبو محمد بن أبي جمرة في قوله (( فلا تقدموا عليه ) )فيه منع معارضةٍ متضمِّن الحكمة بالقدر، وهو من مادَّة قوله تعالى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة 195] . وفي قوله (( ولا تخرجوا فرارًا منه ) )إشارةٌ إلى الوقوف مع المقدور والرِّضا به. قال وأيضًا فالبلاء إذا نزل إنَّما يقصد
ج 24 ص 438
به أهل البقعة لا البقعة نفسها، فمَن أراد الله إنزال البلاء به فهو واقعٌ به لا محالة فأينما توجَّه يدركه، فأرشدنا الشَّارع إلى عدم النَّصْبِ من غير أن يدفعَ ذلك المحذور.
وقال الشَّيخ تقي الدِّين ابن دقيق العيد الَّذي يترجَّح عندي في الجمع بينهما أنَّ في الإقدام عليه تعرُّض النَّفس للبلاء، ولعلَّها لا تصبرُ عليه، وربَّما كان فيه ضربٌ من الدَّعوى لمقام الصَّبر أو التَّوكُّل، فمنع ذلك حذرًا من اغترار النَّفس ودعواها ما لا يثبت عليه عند الاختيار.
وأمَّا الفرار فقد يكون داخلًا في التَّوغل في الأسباب بصورة من يحاول النَّجاة ممَّا قدر عليه، فأمرنا الشَّارع بترك التَّكلُّف في الحالتين.
ومن هذه المادَّة قوله صلى الله عليه وسلم (( لا تتمنَّوا لقاء العدوِّ، وإذا لقيتموهم فاصبروا ) ) [خ¦3024] فأمر بترك التَّمنِّي لما فيه من التَّعرُّض للبلاء وخوف اغترار النَّفس، إذ لا يؤمن من عدوها عند الوقوع، ثمَّ أمرهم بالصَّبر عند الوقوع تسليمًا لأمر الله تعالى.
ثم في قصَّة عمر رضي الله عنه من الفوائد مشروعيَّة المناظرة والاستشارة في النَّوازل، وفي الأحكام.
وأنَّ الاختلاف لا يوجب حكمًا، وأنَّ الاتِّفاق هو الَّذي يوجبه، وأنَّ الرُّجوع عند الاختلاف إلى النَّص، وأنَّ النَّص يُسمَّى علمًا، وأنَّ الأمور كلُّها تجري بقدر الله وعلمه، وأنَّ العالم قد يكون عنده ما لا يكون عند غيره ممَّن هو أعلم منه.
وفيها وجوب العمل بخبر الواحد، وهو من أقوى الأدلَّة على ذلك؛ لأنَّ ذلك كان باتِّفاق أهل الحلِّ والعقد من الصَّحابة فقبلوه من عبد الرَّحمن بن عوف، ولم يطلبوا معه مقويًا، وفيه التَّرجيح بالأكثر عددًا والأكثر تجربة لرجوع عمر رضي الله عنه لقول مشيخة قريش مع ما انضمَّ إليهم ممَّن وافق رأيهم من المهاجرين والأنصار، فإنَّ مجموع ذلك أكثر من عدد من خالف من كل من المهاجرين والأنصار، ووزان ما عند الذين خالفوا ذلك من المهاجرين والأنصار من مزيد الفضل في العلم والدِّين ما عند المشيخة
ج 24 ص 439
من السِّنِّ والتَّجارب، فلمَّا تعادلوا من هذه الحيثية رجَّح بالكثرة ووافق اجتهاده النَّص، فلذلك حمد الله تعالى على توفيقه لذلك.
وفيها تفقَّد الإمام أحوال رعيَّته لما فيه من إزالة ظُلم المظلوم، وكشف كُربة المكروب، وردع أهل الفساد، وإظهار الشَّرائع والشَّعائر، وتنزيل النَّاس منازلهم. وقد تقدَّم بعضُ ذلك على طريق الإجمال.
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا.
[1] تصحف في الأصل (ابن خزيمة) إلى (وأيَّده به) .