5739 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (مُحَمَّدُ ابْنُ خَالِدٍ) هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذُّهلي _ بضم الذال المعجمة _، وقد نسبه إلى جدِّ أبيه، وكذا قال الحاكم، والجوزقي، والكلاباذي، وأبو مسعود، ومن تبعهم، وقد كان أبو داود يروي عن محمَّد بن يحيى فينسب أباه إلى جدِّ أبيه أيضًا فيقول حدَّثنا محمد بن يحيى بن فارس، قالوا وقد حدَّث أبو محمد الجارود بحديث الباب عن محمد بن يحيى الذهلي، وهي قرينةٌ في أنَّ المراد هو.
وقد وقع في رواية الأَصيلي هنا فانتفى أن يظنَّ أنَّه محمد بن خالد بن جبلة المرافقي الَّذي ذكره ابن عدي في شيوخ البُخاري. وقد أخرج الإسماعيلي وأبو نُعيم أيضًا حديث الباب من طريق محمد بن يحيى الذُّهلي عن محمد بن وهب بن عطيَّة المذكور، وكذلك هو في كتاب «الزهريات» .
قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ)
ج 24 ص 464
السُّلمي (الدِّمَشْقِيُّ) قد أدركه البُخاري ولا يُدَرى لقيه أم لا، وهو من أقران الطَّبقة الوسطى من شيوخه، وما له عنده إلَّا هذا الحديث، قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الأبْرَش _ بالموحدة والراء والشين المعجمة _، الحولاني الحمصي كان كاتبًا لمحمَّد بن الوليد الزُّبيدي، وهو ثقةٌ عند الجميع، قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ) بضم الزاي وفتح الموحدة، قال (أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) وهذا الإسناد ممَّا نزل فيه البُخاري في حديث عروة بن الزُّبير ثلاث درجاتٍ، فإنَّه أخرج في «صحيحه» حديثًا عن عبيد الله بن موسى عن هشام بن عروة عن أبيه، وهو في العتق فكان بينه وبين عروة رجلان، وهنا بينه وبينه خمسة أنفس.
وقد أخرجه مسلمٌ عاليًا بالنِّسبة لرواية البُخاري هذه قال حدَّثنا أبو الرَّبيع حدَّثنا محمد بن حرب، فذكره، وقد اجتمع من نفس البُخاري إلى عروة ستَّة أنفسٍ اسم كلٍّ منهم محمَّد فهو مسلسل بالمحمديَّة الأوَّل البُخاري، والثَّاني محمد بن خالد، والثَّالث محمَّد بن وهب، والرَّابع محمَّد بن حرب، والخامس محمَّد بن الوليد، والسَّادس محمَّد بن مسلم الزُّهري، وإذا رُوِيَ «الصَّحيح» عن الفراوي عن الحفصي عن الكُشميهني عن الفربري (( كانوا عشرة ) ).
(عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمها (فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ) بفتح السين المهملة، ويجوز ضمها وسكون الفاء بعدها عين مهملة.
قال الكرمانيُّ السَّفعة الصُّفرة والشُّحوب في الوجه، وقال إبراهيمُ الحربي هو سوادٌ في الوجه، ومنه سفعة الفرس سواد ناصيته، وعن الأصمعي حمرةٌ يعلوها سوادٌ، وقيل صفرةٌ، وقيل سوادٌ مع لونٍ آخر.
وقال ابنُ قتيبة لونٌ يخالف لون الوجه، وكلُّها متقاربة، وحاصلها أنَّ بوجهها موضعًا على غير لونه الأصلي، وكأنَّ الاختلاف بحسب اللون الأصلي، فإن كان أحمر فالسَّفعة سواد صِرْفٌ، وإن كان أبيضَ فالسَّفعة صفرةٌ، وإن كان أسمر فالسَّفعة حمرةٌ يعلوها سواد.
وعن أبي العلاء المعري هي بفتح السين أجود، وقد يضم
ج 24 ص 465
سينها من قولهم رجلٌ أسفع؛ أي لونه أسود. وذكر صاحب «البارع في اللغة» إنَّ السَّفع سواد الخدَّين من المرأة الشَّاحبة، والشُّحوب _ بمعجمة ثمَّ مهملة _ تغير اللون بهزال أو غيره، ومنه (( سفعاء الخدين ) )، ويطلق السَّفعة على العلامة، ومنه بوجهها سفعة غضبٍ، وهو راجعٌ إلى تغير اللَّون، وأصل السَّفع الأخذ بقهرٍ. ومنه قوله تعالى {لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ} [العلق 15] . ويُقال إنَّ أصل السَّفع الأخذ بالنَّاصية، ثمَّ استعمل في غيرها. وقيل في تفسيرها لنعلمنَّه بعلامة أهل النَّار من سواد الوجه ونحوه، وقيل معناه لنذلنَّه.
ويمكن ردُّ الجميع إلى معنى واحد فإنَّه إذا أخذ بناصيتهِ بطريق القهر أذلَّه، وأحدث له تغيُّر لونه، فظهرت فيه تلك العلامة. ومنه قوله في حديث الشَّفاعة (( قومٌ أصابهم سفعٌ من النَّار ) ) [خ¦7450] . والمراد في الحديث أنَّ السَّفعة أدركتها من قبل النَّظرة.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (اسْتَرْقُوا لَهَا) بسكون الراء؛ أي اطلبوا من يُرقى لها (فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ) أي أصابتها عينٌ، يُقال منظور إذا أصابته العين، واختلف في المراد منها. قال ابن قُرْقول النَّظْرة _ بفتح النون وسكون الظاء المعجمة _ أي عينٌ من نظر الجنِّ. وقال أبو عبيد أي إنَّ الشَّيطان أصابها. وقال الخطَّابي عيون الجنِّ أنفذ من الأسنَّة، ولما مات سعدٌ سُمِعَ قائل من الجنِّ يقول
~نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ يُخْطِ فُؤَادَهُ
قال فتأوَّله بعضهم؛ أي أصبناه بعينٍ. وقيل هي من الإنس، والأولى أنَّه أعمُّ من ذلك، وأنَّها أُصيبت بالعين، فلذلك أَذِنَ صلى الله عليه وسلم في الاسترقاء لها، وهو دالٌّ على مشروعيَّة الرُّقية من العين على وفق التَّرجمة. وفي رواية مسلم فقال (( إنَّ بها نظرةً فاسترقوا لها ) )يعني بوجهها صفرةٌ.
قال الحافظُ العسقلاني وهذا التَّفسير ما عرفتُ قائله، إلَّا أنَّه يغلب على ظنِّي أنَّه الزُّهري. وقد أنكره القاضي عِياض من حيثُ اللُّغة، وقد تقدَّم توجيهه.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في آخر الحديث.
(وَقَالَ عُقَيْلٌ) بضم العين وفتح القاف، ابن خالد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) أي ابن الزُّبير
ج 24 ص 466
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهذا تعليقٌ مرسلٌ لم يُذكر في إسناده زينبُ، ولا أمَّ سلمة، فرواه ابن وهب عن ابن لهيعة عن عُقيل، ولفظه أنَّ جاريةً دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في بيت أمِّ سلمة فقال (( كأنَّ بها سفعةً، أو خُطِرَتْ بنارٍ ) ). قال الحافظُ العسقلاني هكذا وقع لنا مسموعًا في «جزء من فوائد أبي الفضل ابن طاهر» بسنده إلى ابن وهب، ورواه اللَّيث عن عُقيل أيضًا، ووجدته في «مستدرك الحاكم» من حديثه، لكن زاد فيه عن عائشة بعد عروة، وهو وهمٌ فيما أحسب، ووجدتُه في «جامع ابن وهب» عن يونس عن الزُّهري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بجاريةٍ، فذكر الحديث.
(تَابَعَهُ) أي تابع محمَّد بن حرب (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ) أبو يوسف الحمصي (عَنِ الزُّبَيْدِيِّ) أي على وصل الحديث.
وروى هذه المتابعة الذُّهلي في «الزهريات» ، والطَّبراني في «مسند الشاميين» من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي عن عَمرو بن الحارث الحمصي عن عبد الله بن سالم به سندًا ومتنًا.
واعتمد الشَّيخان في هذا الحديث على رواية الزُّبيدي؛ لسلامتها من الاضطراب، ولم يلتفتا إلى تقصير يونس فيه. وقد روى التِّرمذي من طريق الوليد بن مسلم أنَّه سمع الأوزاعي يُفضِّل الزُّبيدي على جميع أصحاب الزُّهري؛ يعني في الضَّبط، وذلك أنَّه كان يلازمه كثيرًا حضرًا وسفرًا.
وقد تمسَّك بهذا من زعم أنَّ العمل [1] لمن وصل على من أرسل؛ لاتِّفاق الشَّيخين على تصحيح الموصول [2] هنا على المرسل، والتَّحقيق أنَّهما ليس لهما في تقديم الوصل عملٌ مطرد، بل هو دائرٌ مع القرينة فمهما ترجح بها اعتمداه، وإلَّا فكم حديث أعرضا عن تصحيح الاختلاف في وصله وإرساله. وقد جاء حديث عروة هذا من غير رواية الزُّهري، أخرجه البزَّار من رواية أبي معاوية عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عروة عن أمَّ سلمة رضي الله عنها، فسقط من روايته ذكر زينب بنت أمِّ سلمة.
وقال الدَّارقطني رواه مالك
ج 24 ص 467
وابن عُيينة، وسمَّى جماعةً كلهم عن يحيى بن سعيد فلم يجاوزوا به عروة، وتفرَّد أبو معاوية بذكر أمِّ سلمة فيه، ولا يصحُّ، وإنَّما قال ذلك بالنِّسبة لهذه الطَّريق؛ لانفراد الواحد عن العدد الجم، وإذا انضمَّت هذه الطَّريق إلى رواية الزُّبيدي قويت جدًا، والله تعالى أعلم.
[1] في هامش الأصل في نسخة العمدة.
[2] في هامش الأصل في نسخة على تفضيل الموصول.