5754 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بتصغير الابن، وتكبير الأب (ابْنِ عُتْبَةَ) أي ابن مسعود (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لاَ طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا) أي خير الطِّيرة (الْفَأْلُ) بالهمز الساكن بعد الفاء، وفي «القاموس» الفأل ضدُّ الطِّيرة، ويستعمل في الخير والشَّرِّ.
قال الطِّيبي وقد عُلِمَ أنَّ الطِّيرة كلها لا خير فيها فهو كقوله تعالى {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا} [الفرقان 24] ، وهو مبنيٌّ على زعمهم.
والحاصل أنَّ أفعل التَّفضيل في ذلك إنما هو بين القدر المشترك بين الشَّيئين، والقدر المشترك بين الطِّيرة والفأل تأثير كلٍّ منهما فيما هو فيه، والفألُ في ذلك أبلغ، أو هو من باب قولهم الصَّيف أحرُّ من الشِّتاء؛ أي الفأل في بابه أبلغ من الطِّيرة في بابها، وهو من إرخاء العنان في المخادعة بأن يجري الكلام على زعم الخصم حتَّى لا يشمئزَّ عن التَّفكير فيه، فإذا تفكّر أنصف من نفسه قبل الحق.
فقوله (( خيرها الفأل ) )إطماعٌ للسَّامع في الاستماع والقبول، لا أنَّ في الطِّيرة خيرًا حقيقة، ومعنى التَّرخُّص في الفأل والمنع من الطِّيرة هو أنَّ الشَّخص لو رأى شيئًا فظنَّه حسنًا يحرِّضه على طلب حاجته فليفعل، وإن رأى ما يظنُّه مشؤمًا، ويمنعه من المضي إلى حاجته فلا يجوز قبوله، بل يمضي لسبيله، فإذا قبل وانتهى عن المضي في طلب حاجته فيه فهو الطِّيرة؛ لأنَّها اختصَّت أن تستعملَ في الشُّؤم.
وقال الكرمانيُّ إضافةُ الخير إلى الطِّيرة مشعرٌ بأنَّ الفألَ
ج 24 ص 497
من جملة الطِّيرة. ثمَّ قال الإضافة لمجرَّد التَّوضيح، فلا يلزم أن يكون منها، وأيضًا الطِّيرة في الأصل أعمُّ من أن تكون للشَّرِّ، لكن العرب خصَّصته بالشَّر، قال الله تعالى {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} [يس 18] ؛ أي تشاءمنا، وقال {طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} [يس 19] ؛ أي سبب شؤمكم معكم. وقيل الفألُ في المحبوب، وربما يكون في المكروه.
وقال ابن الأثير الطِّيرة بمعنى الجنس، والفأل بمعنى النَّوع، ومنه الحديث (( أصدق الطِّيرة الفأل ) ). وقال النَّووي الفألُ يستعمل فيما يَسُرُّ وفيما يسوءُ، والغالب في السُّرور، والطِّيرة لا تكون إلَّا في السُّوء، وقد تستعملُ مجازًا في السرور.
وقال الخطَّابي الفرق بين الفأل والطِّيرة أنَّ الفأل إنَّما هو من طرق حسن الظَّنِّ بالله تعالى، والطِّيرة إنَّما هي من طريق الاتِّكال على ما سواه، فلذلك كُرهت.
(قَالُوا) ويروى (وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ) مثل من خرج من داره لطلب حاجته فسمع شخصًا يقول لآخر يا نجاح. وقال الأصمعي سألت ابنَ عون عن الفألِ فقال هو أن يكون مريضًا فيسمع يا سالم، وكذا طالب الحاجة يسمعُ يا واجد.
وروى أبو داود من حديث بُريدة (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطيَّر من شيءٍ، وكان إذا بعث غلامًا [1] سأل عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرحَ به، وإن كره اسمه رُئي كراهة ذلك في وجهه، وإذا دخل قريةً سألَ عن اسمها فإن أعجبَه فرحَ به ورُئي بِشْرُ ذلك في وجهه، وإن كرهَ اسمها رُئي كراهة ذلك في وجههِ ) ).
وروى أبو داود من حديث عروة بن عامر قال ذكرت الطِّيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( خيرهَا الفألُ ولا تردُّ مُسلِمًا، فإذا رأى أحدكُم ما يكرَه فليقل اللَّهمَّ لا يأتي بالحسنات إلَّا أنت، ولا يدفعُ السَّيِّئات إلَّا أنت، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله ) ).
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلم في «الطِّب» .
[1] في هامش الأصل في نسخة صحيحة عاملًا.