5758 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية وبالراء مصغَّرًا، وهو سعيدُ بن كثير بن عُفَير المصري، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
ج 24 ص 502
رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ) بضم الهاء وفتح الذال المعجمة، هو ابنُ مدركة بن إلياس بن مضر، قبيلة (اقْتَتَلَتَا، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا) وهي مُليكة بنت عويمر (الأُخْرَى) وهي أمُّ عفيف بنت مسروح (بِحَجَرٍ، فَأَصَابَ) الحجر (بَطْنَهَا وَهْيَ حَامِلٌ، فَقَتَلَتْ وَلَدَهَا الَّذِي فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا) من قبيل قوله تعالى {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا} [الحج 19] (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَضَى) صلى الله عليه وسلم (أَنَّ دِيَةَ مَا فِي بَطْنِهَا) ولو أنثى، أو ناقص الأعضاء إذا عُلِمَ بوجوده في بطن أمِّه (غُرَّةٌ) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء، وهي بياضٌ في الوجه، وعبَّر بالغرَّة عن الجسم إطلاقًا للجزء وإرادة الكلِّ.
ولفظ «غرة» بالتنوين. وقوله (عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ) بدلٌ منه، ويروى بالإضافة البيانية، والأوَّل أقيسُ وأصوب، لا يكون حينئذٍ من إضافة الشَّيء إلى نفسه، ولا يجوز إلا بتأويلٍ كما ورد قليلًا، وكلمة (( أو ) )هنا للتَّقسيم لا للشَّك (فَقَالَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ الَّتِي غَرِمَتْ) بفتح المعجمة وكسر الراء؛ أي التي قَضَى عليها بالغرة، وفي رواية أبي ذرٍّ بضم المعجمة وكسر الراء مشددة، ووليُّها هو حَمَل _ بفتح الحاء المهملة والميم الخفيفة _ ابن مالكِ بن النَّابغة الهُذلي، بيَّنه مسلمٌ من طريق يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيِّب وأبي سلمة معًا عن أبي هُريرة رضي الله عنه، وكنية حَمَل المذكور أبو نَضْلة، وهو صحابيٌّ نزل البصرة، وفي رواية مالك فقال الذي قضى عليه؛ أي قَضَى على مَن هي منه بسبيلٍ، والغرَّة حيثُ وجبت فهي على العاقلة، وفي رواية اللَّيث عن ابن شهاب أنَّ المرأة من بني لحيان، وبنو لِحيان من هذيل.
وجاء تسمية الضُّرتين فيما أخرج أحمد من طريق عَمرو بن تميم بن عويم عن أبيه عن جدِّه قال كانت أختي مليكة، وامرأةٌ منا يُقال لها أمُّ عفيف بنت مسروح تحت حَمَل بن مالك بن النَّابغة، فضربت أمُّ عفيف مُليكة بمِسْطح ... الحديث. لكن قال فيه فقال العلاء بن مسروح يا رسول الله، أيغرم من لا شرب ولا أكل، الحديث، وفي آخره (( أسجعٌ
ج 24 ص 503
كسجع الجاهليَّة )) .
ويجمع بينهما بأنَّ كلًّا من زوج المرأة، وهو حَمَل وأخيها، وهو العلاء قال ذلك، وتواردا معًا عليه؛ لما تقرر عندهما أنَّ الذي يُؤدى هو الَّذي يخرج حيًا، وأمَّا السَّقط فلا يؤدىَ، فأبطل الشَّرع ذلك، وجعل فيه غرة، وسيأتي بيانه في «كتاب الديات» إن شاء الله تعالى [خ¦6904] . ووقع في رواية للطَّبراني أنَّ الذي قال ذلك عمران بن عويم، فلعلَّها قصَّةٌ أخرى، وأمُّ عفيف _ بمهملة وفائين _ على وزن عظيم.
ووقع في «المبهمات» للخطيب، وأصله عند أبي داود والنَّسائي من طريق سِمَاك عن عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّها أمُّ غطيف _ بغين معجمة وطاء مهملة _ مصغَّرًا.
(كَيْفَ أَغْرَمُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ) غرة (مَنْ لاَ شَرِبَ وَلاَ أَكَلَ) وفي رواية مالك (( من لا أكل ولا شرب ) )والأوَّل أولى لمناسبة السجع، ووقع في رواية الكُشميهني في رواية مالك بدل (( من لا ) )، وهذا هو الَّذي في «الموطأ» ، وقال أبو عثمان بن جنِّي معنى قوله (( لا أكل ) )؛ أي لم يأكل، أقام الفعل الماضي مقام المضارع.
(وَلاَ نَطَقَ وَلاَ اسْتَهَلَّ) يقال استهلَّ الصَّبيُّ إذا صاحَ عند الولادة (فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ) بضم الياء وفتح الطاء المهملة وتشديد اللام، هكذا في رواية الأكثرين، ومعناه يُهدَر. يُقال دم فلانٍ هدر إذا تُرِكَ الطَّلب بثأرهِ، وطُلَّ الدَّم _ بضم الطاء وبفتحها أيضًا _، وحكي أطل، وأنكره الأصمعي. وقال أبو زيد طُلَّ دمه فهو مطلولٌ، وأطل دمه، وطلله الله وأطله، قال ولا يُقال طَلَّ دمه _ بالفتح _، وأبو عبيدة والكسائي يقولانه.
وفي رواية الكُشميهني في رواية ابن مسافر بفتح الموحدة والتخفيف، من البطلان. قال الحافظُ العسقلاني كذا رأيته في نسخةٍ معتمدةٍ من رواية أبي ذرٍّ. وزعم القاضي عِياض أنَّه وقع هنا للجميع بالموحدة، قال وبالوجهين في «الموطأ» . وقد رجَّح الخطَّابي أنَّه من البطلان، وأنكره ابنُ بطَّال فقال كذا يقوله أهل الحديث، وإنَّما هو من طل الدَّم إذا هدر، وليس لإنكاره معنى بعد ثبوت الرِّواية، وهو موجه راجعٌ إلى معنى الرِّواية الأخرى.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ) أي لمشابهة
ج 24 ص 504
كلامه كلامهم زاد مسلم والإسماعيلي من رواية يونس (( من أجل سجعهِ الذي سجع ) ).
قال القرطبي هو من تفسير الرَّاوي، وقد وردَ مستند ذلك فيما أخرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه فقال رجلٌ من عصبةِ القاتلة نغرم، فذكر نحوه، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أسجعٌ كسجعِ الأعراب ) ).
وقال الخطَّابي لم يَردَّه صلى الله عليه وسلم لأجل السَّجع نفسه، لكنَّه إنَّما عاب منه ردَّ الحكم وتزيينه بالسَّجع على مذهب الكهان في ترويجِ أباطيلهم بالأسجاع التي يروجونَ بها الباطل، ويوهمون النَّاس أنَّ تحتها طائلًا.
والسَّجع هو تناسبُ أواخر الكلمات لفظًا، وأصله الاستواء، وفي الاصطلاح هو الكلام المقفَّى، والجمع أسجاع وأساجيع.
قال ابن بطَّال فيه ذمُّ الكهَّان وذمُّ من تشبَّه بهم في ألفاظهم، حيثُ كانوا يستعملونه في الباطل، كما أرادَ هو بسجعهِ دفع ما أوجبهُ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، واستحقَّ بذلك الذَّم، وإنَّما لم يعاقبْه صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه كان مأمورًا بالصَّفح عن الجاهلين.
وقد تمسَّك به من كره السَّجع في الكلام، وليس على إطلاقهِ، بل المكروه منها ما يقعُ مع التَّكلُّف في معرض مدافعة الحقِّ، كما في قول القائل فإنَّه عارضٌ به حكم الشَّرع، وأراد إبطالهِ، وأيضًا أنَّه تكلَّف فيه.
وأمَّا ما يقع عفوًا بلا تكلُّف في الأمور المباحة فجائزٌ، وعلى ذلك يُحملُ ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم مثل (( صدق الله وعدَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزاب وحدَه ) ) [خ¦6385] وغير ذلك. وسيأتي مزيدٌ لذلك في «كتاب الدَّعوات» إن شاء الله تعالى.
والحاصل أنَّه إن جمعَ الأمرين من التَّكلُّف وإبطال الحقِّ كان مذمومًا، وإن اقتصرَ على أحدهما كان أخفَّ في الذَّمِّ، ويخرج من ذلك تقسيمه إلى أربعة أنواع فالمحمود ما جاء عفوًا في حقٍّ، ودونه ما يقعُ متكلِّفًا في حقٍّ أيضًا، والمذموم عكسهما.
وفي الحديث من الفوائد رفع الجناية إلى الحاكم.
وفيه وجوب الدِّيَّة في الجنين ولو خرج ميتًا، وهو عند كافة العُلماء وخالف فيه قوم فقالوا لا شيءَ فيه، حكاه
ج 24 ص 505
في «المعونة» ، وهو منابذٌ للنَّصِّ فلا يُلتفت إليه. وفيه أنَّ الغرة عبدٌ أو أمة. وقال مالك الحُمْر أحبُّ إلي من السُّودان يريد البيض، فإن لم تكن في البلد فالسُّودان، قاله الأبهري، وسيجيءُ ما يتعلَّق به في الحديث الآتي.
وقال مالك عن ربيعة يُقوَّم بخمسين دينارًا أو ستمائة درهم، واختلف فيمن يرثُ الجنين، فقال مالك هي موروثة على فرائض [الله] . وقال أيضًا هو كبضعة من أمه ترثه وحدها، وقال أيضًا هو بين أبويه الثُّلثان للأب، والثُّلث للأم، وبه قال أبو حنيفة والشَّافعي.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( إنَّما هذا من إخوان الكهان ) )، وهو من أفراد البُخاري.