5762 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني، قال (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعاني، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة، هو ابنُ راشد، عالم اليمن (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم (عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ) أي ابن الزُّبير بن العوام القرشي المدني، وثبت في رواية أبي ذرٍّ ، يروي (عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) والظَّاهر أنَّ الزُّهري فاته سماع هذا الحديث من عروة مع كثرة روايته عنه، فحمله عن ابنه يحيى، عنه. وقد وصفه الزُّهري بسعة العلم.
ووقع في رواية معقل بن عبيد الله عند مسلم عن الزُّهري أخبرني يحيى بن عروة أنَّه سمع عروة، وكذا للمصنف في «التَّوحيد» من طريق يونس [خ¦7561] ، وفي «الأدب» من طريق ابن جُريج كلاهما عن ابن شهاب [خ¦6213] ، وليس ليحيى في البُخاري إلَّا هذا الحديث، ويحيى وقع عن ظهر بيت تحت أرجل الدَّواب فقطَّعته.
وقد روى بعض هذا الحديث محمد بن عبد الرَّحمن أبو الأسود عن عروة، وتقدَّم موصولًا في «بدء الخلق» [خ¦3210] ، وكذا هشام بن عروة عن أبيه.
(عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسٌ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني . وكذا هو في رواية يونس، وعند مسلم من رواية معقل مثله، وقد سَمَّى مَن سأل معاويةُ بن الحكم السُّلمي، كما أخرجه مسلم من حديثه قال قلت يا رسول الله، أمورًا كنَّا نصنعها في الجاهليَّة كنَّا نأتي الكهَّان، فقال (( لا تأتوا الكهان ) ).
(عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَيْسَ) أي ليس قولهم (بِشَيْءٍ) يعتمدُ عليه، وفي رواية مسلم (( ليسوا بشيءٍ ) )وكذا في رواية يونس في «التَّوحيد» [خ¦7561] ، وفي نسخة ، والعرب تقول لمن عمل شيئًا، ولم يُحكِمْه ما عمل شيئًا.
قال القرطبي كانوا في الجاهليَّة يترافعون إلى الكهَّان في الوقائع والأحكام، ويرجعون إلى أقوالهم، وقد انقطعتِ الكهانة بالبعثة المحمديَّة، لكن بقي في الوجود من يتشبَّه بهم، وثبت النَّهي عن إتيانهم فلا يحلُّ
ج 24 ص 508
إتيانهم، ولا تصديقهم.
(فَقَالُوا) مستشكلين عموم قوله (( ليس بشيء ) )، إذ مفهومه أنَّهم لا يَصْدُقون أصلًا (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا) وفي رواية أبي ذرٍّ على الأصل (أَحْيَانًا بِشَيْءٍ) من الغيب (فَيَكُونُ حَقًّا) أي يكون ما يحدِّثوننا واقعًا ثابتًا، وفي رواية يونس (( فإنَّهم يتحدَّثون ) ) [خ¦7561] (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي أجاب صلى الله عليه وسلم عن سبب الصِّدق، وأنَّه إذا اتَّفق أن يصدق لم يتركه خالصًا، بل يشوبه بالكذب، فقال (تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ) كذا هو في رواية البُخاري بحاء مهملة وقاف؛ أي الكلمة المسموعة التي تقعُ حقًا، ووقع في رواية مسلم (( تلك الكلمة من الجن ) ).
قال النَّووي كذا في نسخ بلادنا بالجيم والنون؛ أي الكلمة المسموعة من الجنِّ، أو التي تصحُّ ممَّا نقلته الجنُّ، والتَّقدير الثَّاني يوافق رواية البُخاري. قال النَّووي وقد حكى القاضي عياض، أنَّه وقع في مسلم بالحاء والقاف.
(يَخْطَفُهَا) بفتح الطاء لا بكسرها على المشهور؛ أي يأخذها الكاهنُ (مِنَ الْجِنِّيِّ) بسرعة، وسقط لفظة «من» في رواية ابن عساكر؛ أي يخطفها الجنِّي من الملائكة، أو الجني الَّذي يلقى الكاهن يخطفها من جنِّي آخر فوقه. وفي رواية الكُشميهني بحاء مهملة ساكنة ففاء مفتوحة فظاء معجمة من الحفظ، والأوَّل هو المعروف.
(فَيَقُرُّهَا) بفتح أوله وثانيه وتشديد الراء؛ أي يصبَّها (فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ) تقول قررت على رأسه دلوًا إذا صببتَه فكأنَّه صَبَّتْ في أذنه ذلك الكلام، وقال القرطبي ويصحُّ أن يُقال المعنى ألقاها في أذنه بصوت، يقال قرَّ الطَّائر إذا صوَّت، انتهى. ووقع في رواية يُونس (( فيقرقرها ) ) [خ¦7561] أي يرددها، يقال قرقرتِ الدَّجاجةُ تقر قرقرة إذا رددت صوتها، وقال الخطَّابي ويقال أيضًا قرَّت الدَّجاجةَ تقرقُرًا وقريرًا إذا رجَّعت في صوتها، وقيل قرقرت قرقرة وقرقرية. والمعنى أنَّ الجني إذا ألقى الكلمة لوليه تسامع بها الشَّياطين فتناقلوها، كما إذا صوَّتت الدَّجاجة،
ج 24 ص 509
فسمعها الدَّجاج فجاوبتها، وتعقَّبه القرطبي بأنَّ الأشبه بمساق الحديث أن الجنِّي يُلقي الكلمة إلى وليِّه بصوتٍ خفيٍّ متراجعٍ له زمزمةٌ، ويُرجِعه له، فكذلك يقع كلام الكهان غالبًا على هذا النَّمط.
وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك في أواخر «الجنائز» في قصَّة ابن صيَّاد، وبيان اختلاف الرواة في قوله (( في قطيفةٍ له فيها زمزمةٌ ) ) [خ¦1355] . وأطلق على الكاهن كونه وليَّ الجنِّ؛ لكونه يُواليه، أو عدل عن قوله «الكاهن» إلى قوله «وليه» ؛ للتَّعميم في الكاهن وغيره ممَّن يُوالي الجن.
وقوله في رواية يونس (( كقرقرة الدَّجاجة ) ) [خ¦7561] يعني الطَّائر المعروف ودالها مثلثة، والأشهر فيها الفتح. ووقع في رواية المستملي بالزاي المضمومة، وأنكرها الدَّارقطني، وعدَّها في التَّصحيف. لكن وقع في حديث الباب من وجهٍ آخر تقدَّم في باب «ذكر الملائكة» من «كتاب بدء الخلق» (( فيقرها في أذنه كما تُقرُّ القارورة ) ) [خ¦3288] وشرحوه على أنَّه كما يُسمعُ صوت الزُّجاجة إذا حُكَّت على شيءٍ، أو أُلقيَ فيها شيء.
وقال القابسي المعنى أنَّه يكون لما يلقيه الجنيُّ إلى الكاهن حسٌّ كحس القارورة برأس الوعاء الَّذي يُفرغ فيه منها ما فيها.
وأغرب شارح «المصابيح» التُّوربشتي فقال الرِّواية بالزاي أحوط؛ لما ثبت في الرِّواية الأخرى (( كما تقر القارورة ) ) [خ¦3288] .
واستعمال قرَّ في ذلك شائعٌ، بخلاف ما فسَّروا عليه الحديث، فإنَّه غير مشهورٍ، ولم نجد له شاهدًا في كلامهم، فدلَّ على أنَّ الرِّواية بالدال تصحيف، أو غلطٌ من السَّامع.
وتعقَّبه الطِّيبي فقال لا ريب أنَّ قوله (( قر الدَّجاجة ) )مفعول مطلق، وفيه معنى التَّشبيه، فكما يصحُّ أن يشبَّه إيراد ما اختطفه من الكلام في أُذُن الكاهن بصبِّ الماء في القارورة يصحُّ أن يُشَّبه ترديد الكلام في أذنه بترديد الدَّجاجة صوتها في أذن صواحباتها.
وهذا مشاهد ترى الدِّيك إذا رأى شيئًا ينكره يُقرقر، فتسمعه الدَّجاج فتجتمع وتُقرقر معه، وباب التَّشبيه واسعٌ لا يفتقرُ إلى العلاقة على أنَّ الاختطاف
ج 24 ص 510
مستعار للكلام من أفعال الطَّير، كما قال الله تعالى {فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} [الحج 31] فيكون ذكر الدَّجاجة هنا أنسب من ذكر الزُّجاجة لحصول التَّرشيح في الاستعارة.
ويؤيِّده دعوى الدَّارقطني، وهو إمام [أهل] الفن أنَّ الذي بالزاي تصحيف، وإن كنَّا ما قَبِلنا ذلك، فلا أقلَّ أن يكون أرجح.
(فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا) أي مع الكلمة التي يخطفونها من الملائكة (مِائَةَ كَذْبَةٍ) بالفتح وحكي الكسر، وأنكره بعضُهم؛ لأنَّه بمعنى الهيئة والحالة، وليس هذا موضعه. وقال العيني هذا موضعه؛ لأنَّ كِذبتهم بالكسر تدلُّ على أنواع الكِذْبات، وهذا أبلغُ من معنى الفتح على ما لا يخفى. وفي رواية ابن جريج (( أكثر من مائة كذبة ) ) [خ¦6213] ، وهو دالٌّ على أنَّ ذكر «المائة» للمبالغة لا لتعيين العدد؛ أي فربَّما أصاب نادرًا، وأخطأ غالبًا، فلا تغترَّ بصدقهم في بعض الأمور.
وقد أخرج مسلم في حديثٍ آخر أصلُ توصُّل الجنِّي إلى الاختطاف، فأخرج من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال حدَّثني رجال من الأنصار أنَّهم بينا هم جلوس ليلًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رُمِيَ بنجم فاستنار، فقال (( ما كنتُم تقولون إذا رُمِيَ مثل هذا في الجاهليَّة؟ ) )قالوا كنَّا نقول ولد اللَّيلة رجلٌ عظيمٌ، أو مات رجلٌ عظيم، فقال (( فإنَّها لا يُرمَى بها لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكن ربَّنا إذا قضى أمرًا سبَّح حملة العرش، ثمَّ سبَّح الذين يلونهم حتَّى يبلغَ التَّسبيح إلى أهل هذه السَّماء الدُّنيا، فيقولون ماذا قال ربُّكم؟ فيخبرونهم حتَّى يصلَ إلى السَّماء الدُّنيا، فيسترق منه الجنِّي، فما جاءوا به على وجهه فهو حقٌّ، ولكنَّهم يزيدون فيه وينقصون ) ).
وقد تقدَّم في «تفسير سورة سبأ» وغيرها بيان كيفيتهم عند استراقهم [تفسير الحجر 4701] ، وأمَّا ما تقدَّم في «بدء الخلق» من وجهٍ آخر عن عروة عن عائشة رضي الله عنها [خ¦3210] (( أنَّ الملائكة تنزلُ في العَنان، وهو السَّحاب، فتذكر الأمر قُضِي في السَّماء، فيسترق الشَّياطين السمع ) )فيحتمل أن يريد بالسَّحاب السَّماء، كما أطلق السَّماء على السَّحاب، ويحتمل أن يكون على حقيقتهِ، وأنَّ بعضَ الملائكة إذا نزلت بالوحي إلى الأرض تسمَّعت منهم الشَّياطين، أو المراد الملائكة الموكَّلون بإنزال المطر.
(قَالَ عَلِيٌّ) هو ابنُ المديني، شيخ البخاري فيه(قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ
ج 24 ص 511
مُرْسَلٌ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ)يعني أنَّ عبد الرَّزاق كان يرسلُ هذا القَدْر من الحديث (ثُمَّ) قال علي بن المديني (بَلَغَنِي أَنَّهُ) أي عبد الرَّزاق (أَسْنَدَهُ) إلى عائشة رضي الله عنها (بَعْدَهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر ؛ أي بعد ذلك.
وقد أخرجه مسلم عن عبد بن حُميد، والإسماعيليِّ من طريق عِياض بن زهير، وأبو نُعيم من طريق عبَّاس العنبري ثلاثتُهم، عن عبد الرَّزَّاق موصولًا كرواية هشام بن يوسف عن مَعمر.
وفي الحديث بقاء استراق الشَّياطين السَّمع، لكنَّه قلَّ وندر حتَّى كادَ يضمحلُّ بالنِّسبة لما كانوا فيه في الجاهليَّة، وفيه النَّهي عن إتيان الكهان.
قال القرطبي يجب على من قَدِرَ على ذلك من محتسبٍ وغيره أن يقيمَ من يتعاطى شيئًا من ذلك في الأسواقِ، وينكر عليهم أشدَّ النَّكير، وعلى من يجيء إليهم ولا يغترُّ بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يجيءُ إليهم ممَّن ينسب إلى العلم، فإنَّهم غير راسخين في العلم، بل من الجهَّال بما في إتيانهم من المحذور.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( عن الكهان ) ). وقد أخرجه المؤلف في «التَّوحيد» [خ¦7561] ، و «الأدب» [خ¦6213] ، وأخرجه مسلم في «الطِّب» .
ثمَّ إن إيراد باب «الكهانة» في «كتاب الطِّب» ؛ لمناسبته «لباب السِّحر» لما يجمعُ بينهما من مرجع كلٍّ منهما إلى الشَّياطين، وإيراد باب «السِّحر» في «الطِّب» ؛ لمناسبة ذكر الرُّقى وغيرها من الأدويةِ المعنوية، فناسبَ ذكر الأدواء التي تحتاجُ إلى ذلك، فاشتملَ «كتاب الطِّب» على الإشارة إلى الأدوية الحسِّيَّة كالحبَّة السَّوداء والعسل.
ثمَّ على الأدوية المعنوية كالرُّقى بالدُّعاء والقرآن، ثمَّ ذكرت الأدواء التي تنفعُ الأدوية المعنوية في دفعها كالسِّحر، كما ذكرت الأدواء التي لا تنفعُ الأدوية الحسيَّة في دفعها كالجذام، والله تعالى أعلم.