فهرس الكتاب

الصفحة 8586 من 11127

5770 - 5771 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَدي، قال (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعاني، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه، وفي رواية شعيب عن الزُّهري (( حدَّثني أبو سلمة ) )وهي في الباب الَّذي بعده [خ¦5773] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ عَدْوَى) أي لا سراية للمرضِ عن صاحبه إلى غيره (وَلاَ صَفَرَ وَلاَ هَامَةَ) وقد مرَّ تحقيقُه غير مرَّة، وكذا مرَّ تفسير قوله «ولا صفر» في باب «الجذام» [خ¦5707] .

(فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمه (يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا بَالُ الإِبِلِ) أي فما شأنها (تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ) بكسر الظاء المعجمة وبعدها موحدة فهمزة بعد الألف، جمع ظبي، شبهها بها في صفاء بدنها وسلامتها من الجرب وغيره من الأدواء والنَّشاط والقوَّة، وكأنَّها حالٌ من الضَّمير المستكن في خبر «كان» (فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ) أي يدخلُ البعير الأجرب بين الإبل الصِّحاح عن الجرب، وفي رواية مسلم (( فيدخل فيها ) ).

(فَيُجْرِبُهَا) بضم أوله؛ يعني يُعدي جربه إليها فتجرب؛ أي يكون سببًا لوقوع الجرب بها وهو بناءٌ على ما كانوا يعتقدون من العدوى، وهذا من أوهام الجهَّال، كانوا يعتقدون أنَّ المريض إذا دخل في الأصحاء أمرضهم، فنفى الشَّارع ذلك وأبطله فلمَّا أورد الأعرابي الشُّبهة ردَّ عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ أَعْدَى) البعير (الأَوَّلَ) أي من أجربَ البعير الأوَّل؛ يعني فمن [أين] سرى إليه الجرب، وهذا جوابٌ في غاية البلاغة والرَّشاقة، وحاصله من أين جاءَ الجرب للذي أعدى بزعمهم، فإن أُجيب من بعيرٍ آخر لزم التَّسلسل، أو بسببٍ آخر فليُفِصحْ به، وإن أُجيب بأنَّ الذي فعله في الأوَّل، هو الَّذي فعله في الثَّاني ثبت المدَّعى وهو أنَّ الَّذي فعل بالجميع ذلك هو الخالق القادر على كلِّ شيءٍ، وهو الله تعالى.

ومطابقة

ج 24 ص 560

الحديث للتَّرجمة في قوله (( ولا هامة ) ). وقد مضى الحديث في باب «لا صفر» [خ¦5717] وأخرجه أبو داود في «الطِّب» ، والنَّسائي فيه أيضًا.

(وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرَّحمن بن عوف، بالسَّند السَّابق، أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (بَعْدُ) أي بعد أن سمع منه «لا عدوى ... إلى آخره» (يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُورِدَنَّ) بنون التأكيد الثَّقيلة للنَّهي عن الإيراد، وفي رواية مسلم من رواية يونس عن الزُّهري (( لا يُوردُ ) )بلفظ النَّفي، وهو خبرٌ بمعنى النَّهي بدليل رواية الباب.

(مُمْرِضٌ) بضم الميم الأولى وسكون الثانية، اسم فاعل من أمرض الرَّجل إذا أصاب ماشيته مرض، والمراد به هاهنا الذي له إبل مَرضى، ويُقال أيضًا لمن وقع في ماله آفة (عَلَى مُصِحٍّ) بضم الميم وكسر الصاد المهملة وتشديد الحاء المهملة، من أصحَّ إذا أصابت ماشيته عاهة، ثمَّ ذهبت وصحَّت، والمراد هاهنا هو الَّذي له إبلٌ صحاحٌ ومفعول (( لا يوردن ) )محذوف؛ أي لا يوردنَّ ممرضٌ ماشيته على ماشية مصحٍّ.

والتَّوفيق بين الحديثين بما قاله ابن بطَّال، وهو أنَّ لا عدوى إعلام بأنَّه لا حقيقة لها، وأمَّا النَّهي فلا يتوهَّم المصح أنَّ مرضها حدث من أجل ورود المرضى عليها، فيكون داخلًا بتوهُّمه ذلك في تصحيحِ ما أبطله النَّبي صلى الله عليه وسلم من العدوى.

وقال النَّووي المراد بقوله (( لا عدوى ) )يعني ما كانوا يعتقدونه أنَّ المرض يُعدِي بطبعه، ولم ينفِ حصول الضَّرر عند ذلك بقدرة الله تعالى وجعلِه، وبقوله (( لا يورد ) )الإرشاد إلى مجانبة ما يحصل الضَّرر عنده في العادة بفعل الله وَقدَره، وقيل النَّهي ليس للعدوى بل للتَّأذِّي بالرَّائحة الكريهة ونحوها.

(وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الأَوَّلِ) كذا وقع في رواية المستملي والسَّرخسي وهو كقولهم مسجد الجامع، وفي رواية غيرهما ، وهي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني.

ج 24 ص 561

وفي رواية يونس عن الزُّهري عن أبي سلمة كان أبو هريرة رضي الله عنه يحدِّثهما كليهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ صمت أبو هُريرة بعد ذلك عن قوله (( لا عدوى ) ).

(قُلْنَا أَلَمْ تُحَدِّثْ أَنَّهُ لاَ عَدْوَى) القائل أبو سلمة ومن معه في ذلك الوقت. وفي رواية يونس (( فقال الحارث بن أبي ذُبَاب ) )بضم المعجمة وموحدتين، وهو ابنُ عمِّ أبي هُريرة قد كنتُ أسمعك يا أبا هريرة تحدِّثنا مع هذا الحديث حديث لا عدوى، فأبى أن يعرف ذلك. ووقع عند الإسماعيلي من رواية شُعيب فقال الحارث إنَّك حدَّثتنا فذكره، قال فأنكر أبو هريرة وغضب، وقال لم أحدِّثك ما تقول.

(فَرَطَنَ) أي تكلَّم (بِالْحَبَشِيَّةِ) أي باللُّغة الحبشية، قال الكرمانيُّ أي تكلم بالعجمية؛ أي تكلم بما لا يُفهم، الحاصل من ذلك أنَّه غضبَ فتكلم بما لا يُفهم. وفي رواية يونس (( فما رآه الحارث في ذلك حتَّى غضبَ أبو هُريرة حتَّى رطنَ بالحبشية، فقال للحارث أتدري ماذا قلت؟ قال لا، قلت أبيت ) ).

(قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَمَا رَأَيْتُهُ) أي أبا هُريرة، وفي رواية الكُشميهني (نَسِيَ حَدِيثًا غَيْرَهُ) أي غير الحديث الذي هو قوله (( لا عدوى ... إلى آخره ) )وفي رواية يونس (( قال أبو سلمة ولعمري لقد كان يحدِّثنا به فما أدري أنسى أبو هُريرة أم نَسَخَ أحد القولين الأخر؟ ) ). وهذا الذي قاله أبو سلمة ظاهرٌ في أنَّه كان يعتقد أنَّ بين الحديثين تمام التَّعارض، وقد تقدَّم وجه الجمع بينهما آنفًا، وفي باب «الجذام» [خ¦5707] أيضًا وحاصله أنَّ قوله (( لا عدوى ) )نهي عن اعتقادها.

وقوله (( لا يورد ) )سبب النَّهي عن الإيراد خشية الوقوع في اعتقاد العدوى، أو خشية تأثير الأوهام، كما تقدَّم نظيره في حديث (( فرَّ من المجذوم ) ) [خ¦5707] لأنَّ الذي لا يعتقدُ أنَّ الجذامَ يعدِي، ربما يجد في نفسهِ نفرة، حتَّى لو أُكره على القرب منه لتألَّم بذلك، فأولى بالعاقل أن لا يتعرَّض لمثل هذا بل يباعد أسباب الآلام ويجانب طرق الأوهام،

ج 24 ص 562

كذا قال الحافظُ العسقلاني، والله تعالى أعلم.

قال ابنُ التِّين لعلَّ أبا هُريرة رضي الله عنه كان سمعَ هذا الحديث قبل أن يسمعَ من النَّبي صلى الله عليه وسلم حديث (( من بسطَ رداءه ثمَّ ضمَّه إليه لم ينس شيئًا سمعَه من مقالتي ) ) [خ¦2350] . وقد قيل في الحديث أنَّ المراد أنَّه لا ينسى تلك المقالة التي قالها ذلك اليوم لا أنَّه ينتفِي عنه النِّسيان أصلًا، وقيل كَانَ الحديث الثَّاني ناسخًا للأوَّل فكتبَ عن المنسوخ. وقيل معنى (( لا عدوى ) )النَّهي عن الاعتداء، ولعلَّ من أُجلِب عليه إبلًا جرباء أراد تضمينه، فاحتجَّ عليه في إسقاط الضَّمان بأنَّه إنَّما أصابها ما قُدِّر عليها، وما لم تكن تنجو منه لأنَّ العجماء جبَّارٌ، ويحتمل أن يكون قال هذا على ظنِّه ثمَّ تبيَّن له خلاف ذلك، انتهى.

قال الحافظُ العسقلاني فأمَّا دعوى نسيان أبي هُريرة للحديثِ فهو بحسبِ ما ظنَّ أبو سلمة، وقد بيَّنت ذلك رواية يونس التي مضت، وأمَّا دعوى النَّسخ فمردودٌ لأنَّ النَّسخ لا يُصار إليه بالاحتمال، ولا سيَّما مع إمكان الجمع، وأمَّا الاحتمال الثَّالث فبعيدٌ من مساق الحديث والَّذي بعده أبعد منه، ويحتمل أيضًا أنَّهما لما كانا خبرين متغايرين عن حكمين مختلفين لا ملازمة بينهما جازَ عنده أن يحدِّثَ بأحدهما ويسكت عن الآخر حسب ما تدعو إليه الحاجة، قاله القرطبي في «المفهم» . قال ويحتمل أن يكون خاف اعتقادَ جاهل يظنُّهما متناقضين فسكتَ عن أحدهما، وكان إذا أَمِنَ ذلك حدَّث بهما جميعًا.

قال القرطبي وفي جواب النَّبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي جواز مشافهة من وقعت له شبهة في اعتقاده بذكر البرهان العقلي إذا كان السَّائل أهلًا لفهمه، وأمَّا من كان قاصرًا فيُخاطَب بما يحتمله عقله من الإقناعيات، قال وهذه الشُّبهة التي وقعت للأعرابي هي التي وقعت للطَّبائعيين أوَّلًا وللمعتزلة ثانيًا، فقال الطَّبائعيون بتأثير الأسباب بعضها

ج 24 ص 563

في بعضٍ وإيجادها إيَّاها وسمُّوا المُؤثِّر طبيعة. وقال المعتزلة بنحو ذلك في الحيواناتِ والمتوالدات، وإن قدرتهم مؤثِّرة فيها بالإيجاد، وأنَّهم خالقون لأفعالهم مستقلُّون باختراعها.

واستندَ الطَّائفتان إلى المشاهدة الحسِّيَّة ونسبوا من أنكرَ ذلك إلى إنكار البديهة، وغلطَ من قال ذلك منهم غلطًا فاحشًا لالتباس إدراك الحسِّ بإدراك العقلِ، فإنَّ المشاهد إنَّما هو تأثيرُ شيءٍ عند شيءٍ آخر، وهذا حظُّ الحسِّ وأمَّا تأثيره فيه فهو حظُّ العقلِ، فالحسُّ إدراكُ وجودِ شيءٍ عند وجودِ شيءٍ وارتفاعهِ عند ارتفاعه.

أمَّا إيجاده به فليسَ للحسِّ فيه مدخلٌ، فالعقلُ هو الَّذي يُفرِّق فيحكم بتلازمهما عقلًا أو عادة مع جواز التَّبدُّل عقلًا، والله أعلم.

وفي الحديث وقوع تشبيهِ الشَّيء بالشَّيء إذا جمعهما وصفٌ خاصٌّ ولو تباينا في الصُّورة، وفيه شدَّة ورعِ أبي هريرة رضي الله عنه؛ لأنَّه مع كون الحارث أغضبه حتَّى تكلَّم بغير العربيَّة خشيَ أن يظنَّ الحارث أنَّه قال فيه شيئًا يكرهُه ففسَّر له في الحال ما قال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت