5827 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، هو عبدُ الله بن عَمرو بن أبي الحاج المُقَعد البصريُّ، قال(حَدَّثَنَا
ج 25 ص 76
عَبْدُ الْوَارِثِ)هو ابنُ سعد بن ذكوان التَّيميُّ، مولاهم البصريُّ التَّنوريُّ (عَنِ الْحُسَيْنِ) بضم الحاء، هو ابنُ ذكوان المعلِّم البصريِّ الثِّقة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء؛ أي ابن الحَصيب الأسلميِّ التَّابعيِّ القاضي بمرو وعالمها (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بلفظ مضارع العمارة _ بفتح الميم _، وكان أيضًا قاضيًا بمرو، وهو تابعيٌّ أيضًا (حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ الدِّيْلِي) بكسر الدال المهملة بعدها تحتية ساكنة، وفي رواية أبي ذرٍّ بضم الدال المهملة وفتح الهمزة، التابعي الكبير قاضي البصرة، وهو أوَّل من تكلَّم في النَّحو بإشارة عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، وكان في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم رجلًا، والرِّجال كلُّهم بصريون.
(حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ) جندب بن جُنادة رضي الله عنه (حَدَّثَهُ، قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ) الواو فيه للحال (وَهْوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ) قال الكرمانيُّ وفائدة ذكر الثَّوب والنَّوم والاستيقاظ تقرير التَّثبيت والإتقان فيما يرويه في آذان السَّامعين؛ ليتمكَّن في قلوبهم فقال صلى الله عليه وسلم (مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ) قال أبو ذرٍّ (قَلْتُ) يا رسول الله (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) حرف الاستفهام فيه مقدر، والمعاصي نوعان ما يتعلَّق بحقِّ الله كالزِّنى، وبحقِّ النَّاس كالسَّرقة (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) لأنَّ الكبيرة لا تَسلُب اسمَ الإيمان، ولا تُحبط الطَّاعة، ولا يخلد صاحبها في النَّار، بل عاقبته أن يدخلَ الجنَّة.
قال أبو ذرٍّ (قَلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) قال أبو ذرٍّ (قَلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ) مِنْ رَغِمَ إذا لصقَ بالتراب. والرغام التراب، ويستعمل مجازًا بمعنى كَرِهَ أو ذلَّ، إطلاقًا لاسم السَّبب على المسبِّب.
وأمَّا تكرير أبي ذرٍّ قوله (( وإن زنى وإن سرق ) )فلاستعظام شأن الدُّخول مع اقترافِ الكبائر، وتعجُّبه منه، وأمَّا تكرير النَّبي صلى الله عليه وسلم فلإنكار استعظامهِ وتحجيرهِ واسعًا، فإنَّ رحمة الله سبحانه واسعة
ج 25 ص 77
على خلقهِ. قال الكرمانيُّ مفهوم الشَّرط أن من لم يزنِ لم يدخل. وأجاب بقوله هذا الشَّرط للمبالغة فالدُّخول له بالطَّريق الأولى نحو (( نعم العبدُ صهيبٌ لو لم يخفِ الله لم يعصْه ) ).
(وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ) رضي الله عنه (إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا) الحديث (قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بلفظ المضارع (وَإِنْ رَغِمَ) بكسر المعجمة وتفتح؛ أي ذلَّ (أَنْفُ أَبِي ذَر) وكان يتشرَّف ويفتخر بهذا (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي البخاري مفسِّرًا للحديث (هَذَا) أشار به إلى قوله صلى الله عليه وسلم (( ما من عبدٍ قال لا إله إلَّا الله ثمَّ ماتَ على ذلك إلَّا دخل الجنَّة ) ) (عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ إِذَا تَابَ) من الذُّنوب (وَنَدِمَ) عليها (وَقَالَ لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ، غُفِرَ لَهُ) يعني أنَّه محمولٌ على من وحَّد ربه ومات على ذلك تائبًا من الذُّنوب الَّتي أشير إليها في الحديث؛ فإنَّه دخل الجنَّة فهو موعودٌ بدخول الجنَّة. وقال ابن التِّين السَّفاقسيُّ وهذا الَّذي قاله البخاريُّ خلاف ظاهر الحديث، إذ لو كانت التَّوبة شرطًا لم يقل (( وإن زنى وإن سرق ) ). والحديث على ظاهره أنَّه إذا مات مسلمًا دخل الجنَّة قبل النَّار أو بعدها. انتهى.
نعم، ظاهر قول البخاريِّ أنَّه لم يوجبِ المغفرة إلَّا لمن تاب، فظاهرُ هذا يُوهم إنفاذ الوعيد لمن لم يتب، ثمَّ إنَّ هذا في حقوقِ الله تعالى باتِّفاق أهل السُّنَّة، وأمَّا حقوق العباد فيشترطُ ردُّها عند الأكثر، وقيل بل هو كالأوَّل، ويثيبُ الله صاحب الحقِّ بما شاء، وأمَّا من تلبَّس بالذُّنوب المذكورة، ومات من غير توبةٍ، فظاهرُ الحديث أنَّه أيضًا داخلٌ في ذلك لكن مذهب أهل السُّنَّة أنَّه في مشيئة الله تعالى إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء 23] . ويدلُّ عليه حديث عُبادة بن الصَّامت رضي الله عنه الماضي في «كتاب الإيمان» ؛ فإنَّ فيه (( ومن أتى شيئًا من ذلك فلم يُعاقب به، فأمره إلى الله إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه ) ) [خ¦18] ، وهذا المفسَّر مقدَّمٌ على هذا المبهم. فمعنى الحديث أنَّ من مات على التَّوحيد
ج 25 ص 78
يدخل الجنَّة، وإن ارتكب الذُّنوب ولا يخلَّد في النَّار. وفيه ردٌّ على المبتدعة من الخوراج والمعتزلة الَّذين يدَّعون وجوب خلود من مات من مُرتكبي الكبيرة من غير توبةٍ في النَّار، نسأل الله العفو والعافية، ونستعيذُ بوجهه الكريم من النَّار، إنَّه جوادٌ كريمٌ، رؤوفٌ رحيمٌ.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله «أتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوبٌ أبيض» . وقد أخرجه مسلمٌ أيضًا في «الإيمان» .