فهرس الكتاب

الصفحة 8670 من 11127

5828 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) أي ابن دِعامة (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ) بفتح النون وسكون الهاء، هو عبدُ الرَّحمن بن ملٍّ. قال سليمان التَّيميُّ إنِّي لأحسبه كان لا يصيب ذنبًا، ليلُه قائمٌ، ونهاره صائمٌ، كان يصلِّي حتَّى يُغشى عليه. وأبو عثمان هذا أسلم على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وصدقَ إليه ولم يلقه. ورَوَى عن جماعةٍ من الصَّحابة منهم عمر بن الخطَّاب، وابنه عبد الله، وابن عبَّاس وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم.

(قَالَ أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه (وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَةَ) بضم العين المهملة وسكون الفوقية وفتح الموحدة (ابْنِ فَرْقَدٍ) بفتح الفاء والقاف بينهما راء ساكنة آخره دال مهملة، أبو عبد الله السلمي. قال أبو عمر له صحبةٌ ورواية، وكان أميرًا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه على بعض فتوحات العراق، وسمِّي أبوه باسم النَّجم واسم جدِّه يربوعُ بن حبيب بن مالك السُّلمي، ويقال إنَّ يربوع هو فرقد، وأنَّه لقبٌ له، وروى

ج 25 ص 79

شعبة عن حصين عن امرأة عتبة بن فرقد أنَّ عتبةَ غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوتين. ثمَّ إنَّ أكثر أصحاب قتادة رووا هكذا أتانا كتاب عمر. وشذَّ عمر بن عامر فقال عن قتادة عن أبي عثمان عن عثمان رضي الله عنه، فذكر المرفوع أخرجه البزَّار، وأشار إلى تفرُّده به.

فلو كان ضابطًا لقيل سمعه أبو عثمان من كتاب أبو عمر، ثمَّ سمعه من عثمان بن عفان رضي الله عنهما، لكن طرق الحديث تدلُّ على أنَّه عن عمر لا عن عثمان. وقد ذكره أصحاب «الأطراف» في ترجمة أبي عثمان عن عمر. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ المقصود بالكتابة إليه هو عتبةُ بن فرقد، وأبو عثمان سمع الكتاب يقرأ، فإمَّا أن تكون روايته عن عمر بطريق الوجادة، وإمَّا أن تكون بواسطة المكتوب إليه، وهو عتبة بن فرقد، ولم يذكروه في رواية أبي عثمان عن عتبة. وقد نبَّه الدَّارقطنيُّ على أنَّ هذا الحديث أصلٌ في جواز الرِّواية بالمكاتبة عند الشَّيخين، قال ذلك بعد أن استدركه عليهما، وفي ذلك رجوعٌ منه عن الاستدراك [1] .

(بِأَذْرَبِيجَانَ) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الراء والباء الموحدة وسكون التحتية وفتح الجيم ثم ألف ونون، كذا ضبطه بعضهم. وقال الكرمانيُّ وأهلها يقولون بفتح الهمزة والمد وفتح المعجمة وإسكان الراء وفتح الموحدة وبالألف المكسورة وإسكان التحتية وبالجيم والألف والنون. وضبطه المحدِّثون بوجهين بفتح الهمزة بغير المدِّ وإسكان المعجمة وفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتية، وبمد الهمزة وفتح المعجمة. قال العينيُّ والعمدةُ في ذلك على ضبط أهلها، وهو الإقليمُ المعروف. قال الكرمانيُّ ما وراء العراق. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه ليس كذلك، بل العراق جنوبيها عند ظهر حلوان، وشيءٌ من حدود الجزيرة، وشماليها جبال الفينقِ، وغربيها حدود بلاد الرُّوم، وشيءٌ من الجزيرة، وشرقيها بلاد الجبل، وتمامه بلاد الدَّيلم، وهي اسمٌ لبلاد تبريز، وتبريز أجلُّ مدنها.

(أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْحَرِيرِ) أي عن لبس الحريرِ، كما في الرِّواية التي تلي هذه [خ¦5829]

ج 25 ص 80

نهي تحريمٍ على الرِّجال. واختلفوا في الحكمة في تحريم الحرير على الرِّجال، فقيل السَّرف. وقيل الفخر والخيلاء، وقيل كونه ثوب رفاهيَّةٍ وزينةٍ تليق بالنِّساء لا بالرِّجال، والتَّشبُّه بالنِّساء. وحكى ابن دقيق العيد عن بعضهم أنَّ علَّة التَّحريم التَّشبُّه بالكفَّار، ويدلُّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث (( هو لهم في الدُّنيا ) ) [خ¦5426] والمشهور من ذلك هو الثَّاني والثالث، إلَّا أنَّ الثالث لا يقتضي التَّحريم. وقال الشَّافعيُّ في «الأم» ولا أكره لباس اللُّؤلؤ إلَّا للأدب، فإنَّه زيُّ النِّساء.

واستُشكل بثبوت اللَّعن للمتشبِّهين من الرِّجال بالنِّساء، فإنَّه يقتضي منع ما كان مخصوصًا بالنِّساء في جنسه وهيئته. وقال ابن العربيِّ والَّذي يصحُّ من ذلك ما هو فيه السَّرف. وقال الشَّيخ زين الدين العراقي السَّرف منهيٌّ عنه في حقِّ الرِّجال والنِّساء، وإنَّما هو من زينة النِّساء، وقد أُذن للنِّساء في التَّزيُّن، ونُهِيَ الرِّجال عن التَّشبُّه بهنَّ، ولعن الشَّارع الرِّجال المتشبهين بالنِّساء. وهذا الحديث حجَّةٌ للجمهور بأنَّ الحرير حرامٌ على الرِّجال. وقال النَّوويُّ الإجماع انعقدَ على ذلك. وحكى القاضي أبو بكر ابن العربيِّ في المسألة عشرة أقوال

الأوَّل حرامٌ على الرِّجال والنِّساء، وهو قول عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما. الثَّاني حلالٌ للجميع. الثَّالث حرامٌ إلَّا في الحرب. الرَّابع حرامٌ إلَّا في السَّفر. الخامس حرامٌ إلَّا في المرض. السَّادس حرامٌ إلَّا في الغزو. السَّابع حرامٌ إلَّا في العلم. الثَّامن حرامٌ إلَّا على دون الأسفل؛ أي افتراشه. التَّاسع حرامٌ وإن خلط بغيره. العاشر حرامٌ إلَّا في الصلاة عند عدم غيره.

وقال ابن بطَّال اختلف في الحرير فقال قومٌ يحرم لبسه في كلِّ الأحوال حتَّى على النِّساء، نقل ذلك عن عليٍّ وابن عمر وحذيفة وأبي موسى وابن الزُّبير رضي الله عنهم، ومن التَّابعين عن الحسن وابن سيرين. وقال قومٌ يجوز لبسه مطلقًا، وحملوا الأحاديث الواردة في النَّهي عن لبسه على من لبسَهُ خيلاء، أو على التَّنزيه. قال الحافظ العسقلانيُّ وهذا الثَّاني ساقطٌ؛ لثبوت الوعيد على لبسه. وأمَّا قول القاضي عياض حمل بعضُهم النَّهي العامَّ في ذلك على الكراهة لا على التَّحريم.

فقد تعقَّبه ابنُ دقيق العيد فقال قد قال القاضي عياض إنَّ الإجماع انعقد بعد ابن الزُّبير ومن وافقه على تحريم الحرير على الرِّجال، وإباحته للنِّساء، ذكر ذلك في الكلام على قول ابن الزُّبير في الطَّريق التي أخرجها مسلم (( ألا لا تُلبِسوا نساءكُم الحرير ) )فإنِّي سمعت عمر فذكر

ج 25 ص 81

الحديث الآتي في الباب [خ¦5834] . قال فإثبات قول الكراهة دون التَّحريم، إمَّا أن يناقضَ ما نقله من الإجماع، وإمَّا أن يثبتَ أنَّ الحكم العام قبل التَّحريم على الرِّجال كان هو الكراهة، ثمَّ انعقدَ الإجماع على التَّحريم على الرِّجال، والإباحة للنِّساء، ومقتضاه نسخ الكراهة السَّابقة، وهو بعيدٌ جدًا. وأمَّا ما أخرج عبد الرَّزَّاق عن مَعمر عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال لقيَ عمر عبد الرَّحمن بن عوفٍ فنهاهُ عن لبس الحرير، فقال لو أطعتنَا للبسته معنا، وهو يضحكُ. فهو محمولٌ على أنَّ عبد الرَّحمن فهم من إذن النَّبي صلى الله عليه وسلم في لبس الحرير نسخ التَّحريم، ولم يرَ تقييدَ الإباحة بالحاجة، والله تعالى أعلم.

وقد زاد الإسماعيليُّ من طريق عليِّ بن الجعد عن شعبة بعد قوله مع عتبة بن فرقد (( أمَّا بعد فاتَّزروا وارتدُّوا، وانتعلوا وألقوا الخفافَ والسَّراويلات، وعليكم بلباسِ أبيكُم إسماعيل، وإيَّاكم والتَّنعُّم وزيَّ العجم، وعليكم بالشَّمس فإنَّها حمام العرب، وتمعدَدُوا واخْشَوشِنُوا، واخْلَولِقُوا، واقطعوا الرَّكْب، وانزوا نزوًا، وارموا الأغراض، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، الحديث.

(إِلَّا هَكَذَا) زاد الإسماعيليُّ في روايةٍ من هذا الوجه (( وهكذا ) ) (وأشارَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم، كما يأتي في رواية عاصم ما يقتضي كون المشير هو النَّبي صلى الله عليه وسلم [خ¦5829] (بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الإِبْهَامَ) يعني السَّبابة والوسطى، وصرَّح بذلك في رواية عاصم [خ¦5829] (قَالَ) أي أبو عثمان النَّهدي (فِيمَا عَلِمْنَا) أي الَّذي حصل في علمنا (أَنَّهُ يَعْنِي) بالاستثناء في قوله «إلَّا هكذا» (الأَعْلاَمَ) بفتح الهمزة جمع علم، وهو ما يجوِّزه الفقهاء من التَّطريف والتَّطريز ونحوهما. ووقع في رواية مسلمٍ والإسماعيليِّ (( فما عَتمنا أنَّه يعني الأعلام ) ). وعَتمنا بفتح العين المهملة والمثناة الفوقية، بدل اللام، و «ما» نافية، يقال عتم الرَّجل القرى إذا أخَّره، وعتم الشَّيء إذا أبطأ؛ يعني ما أبطأنا في معرفة ذلك لما سمعناهُ أنَّه أراد به الأعلام التي في الثياب، وفيه حجَّةٌ على إباحة قدر الإصبعين في الأعلام. ولكن وقع عند أبي داود من طريق حمَّاد بن سلمة عن عاصم الأحول في هذا الحديث أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير إلَّا ما كان

ج 25 ص 82

هكذا وهكذا إصبعين وثلاثة وأربعة. وروى مسلمٌ من حديث سويد بن غَفَلَة _ بفتح الغين المعجمة والفاء واللام الخفيفتين _ أنَّ عمر رضي الله عنه خطب فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلَّا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع. وكلمة (( أو ) )للتَّنويع والتَّخيير. وأخرجه ابنُ أبي شيبة من هذا الوجه بلفظ (( إنَّ الحرير لا يصلحُ منه إلَّا هكذا وهكذا وهكذا؛ يعني إصبعين وثلاثًا وأربعًا ) ).

وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي في حديث عمر رضي الله عنه حجَّةٌ لما قاله أصحابنا أنَّه لا يرخَّص في التَّطريز والعَلَمِ في الثَّوب إذا زاد على أربعة أصابعٍ، وأنَّه يجوز الأربعة فما دونها، وممَّن ذكره من أصحابنا البغوي في «التهذيب» ، وتبعه الرَّافعيُّ، والنَّوويُّ. انتهى. وذكر الزاهديُّ من الحنفيَّة أنَّ العمامة إذا كانت طُرَّتها قدر أربع أصابع من إبريسم بأصابع عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه _ وذلك قَيْسُ شبرنا _ يرخِّص فيه، والأصابع لا مضمومة كلَّ الضَّمِّ، ولا منشورةً كلَّ النَّشرِ. وقيل أربع أصابعٍ، كما هي على هيئتها. وقيل أربع أصابع منشورة. وقيل التَّحرُّز عن مقدار المنشورة أولى، والعَلَمَ في مواضع، قيل يُجمع، وقيل لا يجمع، وإذا كان نظره إلى الثَّلج يضرُّه فلا بأس أن يشدَّ على عينيه خمارًا أسود من إبريسم. قال وفي العين الرَّمِدَةِ أولى. وقيل لا يجوز، وعن أبي حنيفة رحمه الله لا بأس بالعَلَمِ من الفضَّة في العمامة قدر أربع أصابع، ويكره من الذَّهب، وقيل لا يكره. والذَّهب المنسوج في العَلَمِ كذلك. وعن محمَّدٍ لا يجوز، وفي «جامع مختصر الشيخ أبي محمد» قيل لمالك ملاحفٌ أعلامها حريرٌ قدر إصبعين، قال لا أحبُّه وما أراه حرامًا.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه مسلمٌ أيضًا في «اللباس» [خ¦5829] ، والنَّسائي في «الزينة» ، وابن ماجه في «الجهاد» ، وفي «اللِّباس» .

[1] في هامش الأصل قال النووي هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على البخاري وقال لم يسمعه أبو عثمان من عمر رضي الله عنه بل أخبر عن كتابه، وهذا الاستدراك باطلٌ، فإن الصحيح جواز العمل بالكتاب وروايته عنه وذلك معدود عندهم في المتصل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب إلى أمرائه وعماله ويفعلون ما فيها، وكتب عمر رضي الله عنه إلى عتبة بن فرقد، وفي الجيش خلائق من الصحابة، فدل على حصول الاتفاق منهم. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت