5835 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ بالجمع (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُنْدَار، قال (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) أي ابن فارس البصريُّ العبديُّ، قال (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ) الهَمْدانيُّ الموثَّق، وليس له في البخاريِّ إلَّا هذا، وآخر في «باب نقض الصُّور» [1] (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلثة (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ) بكسر الحاء المهملة
ج 25 ص 90
وتشديد الطاء المهملة وبالنون، السَّدوسيِّ، وكان رئيس الخوارج وشاعرهم، وهو الَّذي مدح ابن ملجم قاتل علي رضي الله عنه بالأبيات المشهورة. قال الحافظ العسقلانيُّ وإنَّما أخرج له البخاريُّ على قاعدتهِ في تخريج أحاديث المبتدع إذا كان صادق اللَّهجة متديِّنًا، وقد قيل إنَّ عمران تاب من بدعتهِ وهو بعيدٌ، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الموضع وهو متابعة، انتهى.
وقال العينيُّ ليس للبخاريِّ حجَّةٌ في تخريج حديثه، ومسلمٌ لم يخرج حديثه، ومن أين كان له صدق اللَّهجة، وقد أفحشَ في الكذب في مدحهِ ابن ملجمٍ اللَّعين والمتديِّن كيف يفرحُ بقتل مثل عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه حتَّى مدحَ قاتله.
(قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ) رضي الله عنهما (عَنِ الحَرِيرِ) أي عن استعمالهِ (فَقَالَتْ ائْتِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَلْهُ) قال عمران فأتيته (فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ سَلْ ابْنَ عُمَرَ) قال (فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ) كذا في هذه الطَّريق، وفي رواية حرب بن شدَّاد الَّتي تذكر عقب هذه بالعكس إنَّه سأل ابن عبَّاسٍ، فقال له سل عائشة فسألها فقالتْ سلْ ابن عمر، فسألتُ ابنَ عمر (فَقَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو حَفْصٍ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) كذا في الأصل (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ) أي لا حظَّ له في نعيمها أو لا حظَّ له في اعتقاد أمرِ الآخرة، أو لا نصيبَ له من لبس الحرير، فيكون كنايةً عن عدم دخول الجنَّة لقوله تعالى {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} أمَّا في حقِّ الكافر فظاهرٌ، وأمَّا في المؤمن فعلى سبيل التَّغليظ، قال عمران بن حطان
(فَقُلْتُ صَدَقَ، وَمَا كَذَبَ أَبُو حَفْصٍ) عمر (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ) بالجيم والمد، هو الغُدَامي _ بضم المعجمة وتخفيف المهملة _ وهو من شيوخ البخاريِّ أيضًا، لكن لم يصرِّح في هذا بتحديثه لكونه بطريق المذاكرة (حَدَّثَنَا حَرْبٌ) بفتح الحاء المهملة ضدُّ الصلح، كذا في رواية أبي ذرٍّ. ويروى بجيم مفتوحة وكسر الراء
ج 25 ص 91
الأولى. قال الكرمانيُّ قال صاحب «الكاشف» حرب هو ابنُ ميمون أبو الخطاب روى عنه ابن رجاء. وقال الحافظ العسقلانيُّ حربٌ هو ابن شدَّاد. وردَّ على الكرمانيِّ ما ذكره بقوله وهو عجيبٌ فإنَّ صاحب «الكاشف» لم يرقم لحرب بن ميمون علامة البخاري، ولا يلزم من كون عبد الله بن رجاء روى عنه أن لا يروي عن حرب بن شدَّاد، بل روايته عن حرب بن شدَّاد موجودةٌ في غير هذا. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ العجيب ما ذكره من وجهين
أحدهما أنَّ قوله صاحب «الكاشف» لم يرقِّم لحرب بن ميمون علامة البخاريِّ غير مسلَّمٍ، لم لا يجوز أن يكون قد رقَّمه وانمحى، ولم يطَّلع هو عليه، أو يكون قد نسي الرَّقم.
الثاني أنَّ قوله (( ولا يلزم ... إلى آخره ) )غير مقنعٍ في الجواب؛ لأنَّ له أن يقول ولا يلزم من كون عبد الله بن رجاءٍ روى عنه أن لا يروي عن حرب بن ميمون.
(عَنْ يَحْيَى) هو ابنُ أبي كثير، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عِمْرَانُ) أي ابن حطَّان، وأراد بهذه الرِّواية تصريح يحيى بتحديث عمران له بهذا الحديث (وَقَصَّ الحَدِيثَ) أي الحديث المذكور، وساقه النَّسائي موصولًا، عن عَمرو بن منصور عن عبد الله بن رجاءٍ، عن حرب بن شدَّاد بلفظ (( من لبس الحريرَ في الدُّنيا فلا خلاقَ له في الآخرة ) ). وقد ذكر الدَّارقطنيُّ أنَّ هذا اللَّفظ في حديث عمر رضي الله عنه خطأ. ولعلَّ البخاريَّ لم يسق اللَّفظ لهذا المعنى، وفي هذه الأحاديث بيانٌ واضحٌ لمن قال يحرم على الرِّجال لبس الحرير للوعيد المذكور، وقد تقدَّم شرح معناه في «كتاب الأشربة» في شرح أوَّل حديثٍ منه [خ¦5575] ، فإنَّ الحكم فيهما واحدٌ، وهو نفي اللبس، ونفي الشُّرب في الآخرة، وفي الجنَّة.
وحاصل أعدل الأقوال أنَّ الفعل المذكور مقتضٍ للعقوبة المذكورة، وقد يتخلَّف ذلك لمانعٍ كالتَّوبة، والحسنات الَّتي توازن والمصائب التي تكفِّر، وكدعاء الولد بشرائط ذلك، وكذا شفاعة من يُؤذَن له في الشَّفاعة، وأعمُّ من ذلك كلِّه عفو أرحم الراحمين، وفي الاستثناء المذكور بقوله «إلَّا هكذا» دَلالةٌ على جواز لبس الثَّوب المطرَّز بالحرير، وهو ما جعل عليه طرازٌ من حريرٍ
ج 25 ص 92
مركَّبٍ، وكذلك المُطَّرف وهو ما سُجِفت أطرافه بسجفٍ من حريرٍ بالتَّقدير المذكور، وقد يكون التَّطريز في نفس الثَّوب بعد النَّسج. وفيه أيضًا دَلالةٌ على جواز لبس الثَّوب الَّذي يخالطُه من الحرير مقدار العَلَم، سواء كان ذلك القدر مجموعًا أو مفرقًا، وهو قويٌّ.
[1] كذا في إرشاد الساري، ولكن لعلي بن المبارك في البخاري أحاديث كثيرة، والكلام المساق يصح في عمران بن حطان وحديثه الثاني في باب نقض الصور [خ¦5952] فلعل القسطلاني سبق نظره إلى عمران وهو يكتب ترجمة علي بن المبارك فوقع هذا الوهم والله تعالى أعلم.