فهرس الكتاب
5840 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ البصري، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (ح) تحويلٌ من سندٍ إلى آخر. قال البخاريُّ (وحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُنْدَار، قال (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) وفي رواية أبي ذرٍّ وهو اسم غُنْدر، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ) بفتح الميم وسكون التحتية ثم سين مهملة، الهلالي، أبي زيد الزَّرَّاد _ بزاي وراء مشددة _، وقد تقدم في «النَّفقات» من وجهٍ آخر عن شعبة أخبرني عبد الملك [خ¦2614] ، ولشعبة فيه إسنادٌ آخر أخرجه مسلم من رواية معاذ عنه، عن أبي عونٍ الثَّقفيِّ، عن أبي صالحٍ الحنفيِّ، عن علي رضي الله عنه (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجهنيِّ الثِّقة المشهور من كبار التَّابعين، وما له في البخاريِّ عن عليٍّ رضي الله عنه سوى هذا الحديث،
ج 25 ص 106
ثمَّ إنَّه وقع هكذا في رواية الأكثرين، وتقدَّم كذلك في «النَّفقات» [خ¦2614] ، وكذا عند مسلم. ووقع في رواية أبي عليِّ بن السَّكن وحده بدل «زيد بن وهب» . قال الحافظ العسقلانيُّ وهو وهمٌ كأنَّه انتقل من حديثٍ لحديث؛ لأنَّ رواية عبد الملك عن النَّزال عن عليٍّ رضي الله عنه إنَّما هي في «الشُّرب قائمًا» ، كما تقدم في «الأشربة» [خ¦5615] .
(عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ كَسَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّةً سِيَرَاءَ) قد مرَّ غير مرَّةٍ أنَّ الحلَّة إزارٌ ورداء. وقال أبو عبيد الحللُ برودُ اليمن. وقال ابنُ الأثير الحلَّةُ ثوبان إذا كانا من جنسٍ واحدٍ. وقال ابنُ سِيْده في «المحكم» الحلَّة بُرْدٌ أو غيره، وحكى القاضي عياض أنَّ أصلَ تسمية الثَّوبين حلَّة أنَّهما يكونان جديدين، كما حلَّ طيها، وقيل لا يكون الثَّوبان حلَّةٌ حتَّى يلبسَ أحدهما فوق الآخر، فإذا كان فوقه فقد حلَّ عليه والأوَّل أشهر.
والسِّيراء بكسر المهملة وفتح التحتانية والراء مع المد. قال الخليلُ ليس في الكلام فِعَلاء _ بكسر أوله _ سوى سِيَراء وحِولاء، وهو الماء الَّذي يخرج على رأس الولد إذا ولد، والعنباء لغة في العنب. قال مالك هو الوشيُّ من الحرير، والوَشْي بفتح الواو وسكون الشين المعجمة بعدها تحتانية. وقال الأصمعيُّ ثيابٌ فيها خطوطٌ من حريرٍ أو قزٍّ، وإنَّما قيل لها سيراء لتسيير الخطوط فيها. وقال الخليل ثوبٌ مضلَّعٌ بالحرير، وقيل مختلف الألوان فيه خطوطٌ ممتدَّةٌ كأنَّها السُّيور.
ووقع عند أبي داود في حديث أنسٍ رضي الله عنه أنَّه رأى على أمِّ كلثوم حلَّةً سيراء، والسِّيراء الضِّلع بالقزِّ. وقد جزم ابن بطَّال كما سيأتي في ثالث أحاديث الباب [خ¦5842] أنَّه من تفسير الزُّهري. وقال ابنُ سيده هي ضربٌ من البرود، وقيل ثوبٌ يسيرٌ فيه خطوطٌ تعمل من القزِّ، وقيل ثيابٌ من اليمن. وقال الجوهريُّ بُرْدٌ فيه خطوطٌ صفر. ونقل القاضي عياض عن سيبويه قال لم يأتِ فعلاء صفة لكن اسمًا، وهو الحرير الصَّافي، واختلف في قوله «حلَّةً سيراء» هل هو بالإضافة أو لا؟ فوقع عند
ج 25 ص 107
الأكثر بتنوين «حلَّة» على أنَّ «سيراء» عطف بيان أو نعت. وجزمَ القرطبي بأنَّه الرِّواية. وقال الخطابيُّ قالوا حلَّةٌ سيراء، كما قالوا ناقةٌ عشراء. ونقل القاضي عياض عن أبي مروان بن سراج أنَّه بالإضافة. قال القاضي عياض وكذا ضبطناه عن متقني شيوخنا. وقال النَّوويُّ إنَّه قول المحقِّقين ومتقني العربيَّة، وأنَّه من إضافة الشَّيء إلى صفته كما قالوا ثوب خزٍ.
(فَخَرَجْتُ فِيهَا) وفي رواية أبي صالحٍ عن عليٍّ (( فلبستها ) ) (فَرَأَيْتُ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ) أي في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد مسلمٌ في رواية أبي صالح (( فقال إنِّي لم أبعثها إليك لتلبسها، وإنَّما بعثتُ بها إليك لتشققها خُمُرًا بين النِّساء ) ) (فَشَقَّقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي) أي قطَّعتها ففرَّقتها عليهنَّ خُمرًا _ بضم الخاء المعجمة والميم _ جمع خِمَار _ بكسر أوله والتخفيف _، وهو ما تغطِّي به المرأة رأسها، والمراد بقوله نسائي، ما فسَّره في رواية أبي صالحٍ حيث قال «بين الفواطم» . ووقع في رواية النَّسائيِّ قال فرجعتُ إلى فاطمة فشققتُها، فقالت ماذا جئت به، قلت نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبسها فالبسيها واكسِي نساءك. وفي هذه الرِّواية أنَّ عليًا رضي الله عنه إنَّما شقَّقها بإذن النَّبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو محمد بن قتيبة المراد بالفواطمِ فاطمة بنت النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفاطمة بنت أسد بن هاشم والدة عليٍّ ولا أعرف الثالثة. وذكر أبو منصورٍ الأزهريُّ أنَّها فاطمة بنت حمزة بن عبد المطَّلب، وقد أخرج الطَّحاويُّ وابن أبي الدنيا في كتاب «الهدايا» ، وعبد الغنيِّ بن سعيدٍ في «المبهمات» ، وابن عبد البرِّ كلُّهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن أبي فاختة، عن هبيرة بن يريم _ بتحتانية وراء _ على وزن عظيم عن عليٍّ رضي الله عنه في نحو هذه القصَّة قال فشققت منها أربعة أخمرة فذكر الثَّلاث المذكورات، قال ونسي يزيد الرَّابعة. وفي رواية الطَّحاويِّ من طريق جَعْدة، عن عليٍّ رضي الله عنه قال أهدى أمير أذربيجان إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
ج 25 ص 108
حلَّةً مسيرة بحريرٍ إمَّا سداها وإمَّا لحمتها، فبعث بها إليَّ فأتيته فقلتُ يا رسول الله ألبسها؟ قال (( لا، أكره لك ما أكره لنفسي، اجعلها خُمرًا بين الفواطم ) )، قال فقطعت منها أربعة خمر خمارًا لفاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب، وخمارًا لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخمارًا لفاطمة بنت حمزة بن عبد المطَّلب، وخمارًا لفاطمة أخرى قد نسيتها، انتهى.
وقال القاضي عياض لعلَّها فاطمة امرأة عَقيل بن أبي طالب وهي بنتُ شيبة بن ربيعة، وقيل بنت الوليد بن عُتبة، وامرأة عَقيل هذه هي الَّتي لمَّا تخاصمت مع عَقيل بعث عثمان رضي الله عنه معاوية وابن عباس رضي الله عنهم حكَمين بينهما، ذكره مالك في «المدوَّنة» وغيره، واستُدلَّ بهذا الحديث على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أرسل الحلَّة إلى عليٍّ رضي الله عنه، فبنى على ظاهرَ الإسلام فانتفع بها في أشهر ما صُنعت له وهو اللبس، فبيَّن له النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه لم يبحْ له لبسها، وإنَّما بعث بها إليه ليكسوها غيره ممَّن يباح له، وهذا كلُّه إن كانت القصَّة وقعت بعد النَّهي عن لبس الرِّجال الحرير، والله تعالى أعلم.
وقد مضى الحديث في «الهبة» ، في «باب ما يكره لبسها» [خ¦2614] ومطابقته للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( فرأيت الغضب ... ) )إلى آخره.