فهرس الكتاب

الصفحة 8688 من 11127

5841 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (جُوَيْرِيَةُ) مصغَّر الجارية، ابن أسماء الضُّبعيُّ _ بضم الضاد المعجمة _، والاسمان مشتركان بين الذُّكور والإناث (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابنُ عمر رضي الله عنهما (أَنَّ) أباه (عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ) تقدم ضبطها (تُبَاعُ) في السُّوق، ووقع في رواية مالك عن نافع، كما تقدَّم في «كتاب الجمعة» أنَّ ذلك كان على باب المسجد [خ¦886] ، وفي رواية ابن إسحاق عن نافعٍ عند النَّسائيِّ أنَّ عمر رضي الله عنه كان مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في السُّوق فرأى الحُلَّة، ولا تخالف بين الرِّوايتين؛ لأنَّ طرف السُّوق كان يصل إلى قرب باب المسجد، وفي رواية جرير بن حازم عن نافع عند مسلم رأى عمر رضي الله عنه عطارد التَّميمي يُقيم حلَّةً بالسُّوق، وكان رجلًا يغشى الملوك ويُصيب منهم. وأخرج الطَّبراني من طريق أبي مِجْلَز، عن حفصة بنت عمر رضي الله عنهما أنَّ عطارد بن حاجب جاء بثوبٍ من ديباجٍ كساهُ إيَّاه كسرى، فقال عمر رضي الله عنه ألا أشتريه لك يا رسول الله، ومن طريق عبد الرَّحمن بن عَمرو بن معاذ، عن عطارد نفسه أنَّه أهدى إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ثوبَ ديباجٍ كساه إيَّاه كسرى، والجمع بينهما أنَّ عطارد لمَّا أقامه في السُّوق ليباع لم ينفقْ له بيعه فأهداه للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وعطارد هذا هو ابنُ حاجب بن زُرَادة

ج 25 ص 109

بن عَدَس _ بمهملات _ الدَّارمي الَّذي يكنى أبا عكرشة _ بشين معجمة _، كان من جملة وفد بني تميم أصحاب الحجرات، وقد أسلم وحسن إسلامه، واستعمله النَّبي صلى الله عليه وسلم على صدقات قومه، وكان أبوه من رؤساء بني تميم في الجاهليَّة، وقصَّته مع كسرى في رهنه قوسه عوضًا عن جمع كثيرٍ من العرب عند كسرى مشهورة حتَّى ضربَ المثل بقوس حاجب.

(فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ ابْتَعْتَهَا تَلْبَسُهَا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني ، وفي رواية سالم عن ابن عمر كما تقدَّم في «العيدين» [خ¦948] (( ابتع هذه فتجمَّل بها ) )، وكان عمر رضي الله عنه أشار بشرائها وتمنَّاه (لِلْوَفْدِ إِذَا أَتَوْكَ) وفي رواية جرير بن حازم (( لوفود العرب ) )وكأنَّه خصَّه بالعرب؛ لأنَّهم كانوا إذ ذاك الوفود في الغالب؛ لأنَّ مكَّة لما فتحت بادر العرب بإسلامهم فكان كلُّ قبيلةٍ ترسل كبراءها ليُسلِموا ويتعلَّموا، ويرجعوا إلى قومهم فيدعوهم إلى الإسلام ويُعلِّموهم (وَالجُمُعَةِ) وفي رواية سالم (( للعيد ) )بدل الجمعة [خ¦948] . وجمع ابن إسحاق عن نافعٍ ما تضمَّنته الرِّوايتان، أخرجه النَّسائي بلفظ (( فتجمَّلت بها لوفود العرب إذا أتوك، وإذا خطبت النَّاس في يوم عيدٍ وغيره ) ).

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ) وفي رواية جرير (( إنَّما يلبس الحرير ) ) (مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ) زاد مالكٌ في روايته (( في الآخرة ) ) [خ¦886] والخلاق النَّصيب، وقيل الحظُّ، وهو المراد هنا ويُطلق أيضًا على الحرمة وعلى الدِّين، ويحتمل أن يُرِدْ من لا نصيبَ له في الآخرة؛ أي من لبس الحرير، قاله الطيبيُّ. وقد تقدَّم في حديث أبي عثمان عن عمر رضي الله عنه في أوَّل حديث من باب «لبس الحرير» ما يؤيِّده، ولفظه «لا يلبسُ الحرير إلَّا من ليس له منه في الآخرة شيءٌ» [خ¦5830] .

(وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ حُلَّةً سِيَرَاءَ حَرِيرٍ) بالجرِّ، وفي رواية أبي ذرٍّ بالنصب. وزاد الإسماعيليُّ من هذا الوجه «بحلَّةٍ سيراء من حريرٍ» ، و «من» بيانيَّة وهو يقتضي أنَّ السِّيراء قد يكون من غير حرير

ج 25 ص 110

(كَسَاهَا) أي كسا النَّبي صلى الله عليه وسلم الحلَّة المذكورة (إِيَّاهُ) أي عمر رضي الله عنه، كذا أطلقَ وهو باعتبار ما فَهِمَ عمر رضي الله عنه من ذلك، وإلَّا فقد ظهر من بقيَّة الحديث أنَّه لم يبعث إليه بها ليلبسها، أو المراد بقوله «كساه» أعطاه ما يصلحُ أن يكون كسوة. وفي رواية مالك الماضية في «الجمعة» جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم حللٌ فأعطى عمر حلَّة [خ¦886] . وفي رواية جرير بن حازم فلمَّا كان بعد ذلك أُتي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بحللٍ سيراء فبعث إلى عمر بحلَّةٍ، وبعث إلى أسامة بن زيد بحلَّةٍ، وأعطى عليَّ بن أبي طالبٍ حلَّة، وعرفَ بهذا جهة الحلَّة المذكورة في حديث عليٍّ المذكور أولًا [خ¦5840] .

(فَقَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه يا رسول الله (كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَقُولُ فِيهَا مَا قُلْتَ؟) من أنَّه «إنَّما يلبسها من لا خلاق له» ، وفي رواية جرير بن حازم (( فجاء عمر بحلَّةٍ يحملها فقال بعثت إليَّ بهذه، وقد قلت بالأمس في حلَّة عطارد ما قلت؟ ) )والمراد بالأمس هنا اللَّيلة الماضية، وفي رواية محمد بن إسحاق (( فخرجتُ فزعًا فقلت يا رسول الله ترسلُ بها إليَّ وقد قلتَ فيها ما قلت ) ).

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ) أي بها (لِتَبِيعَهَا) فتنتفع بثمنها (أَوْ تَكْسُوَهَا) غيرك من نسائك أو غيرهنَّ، لكنَّه محرَّمٌ على الرِّجال فانحصر في النِّساء، وفي رواية جرير (( لتصيب بها ) )وفي رواية الزُّهريِّ عن سالمٍ كما مضى في «العيدين» (( تبيعها وتصيب بها حاجتك ) ) [خ¦948] ، وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق عن سالمٍ كما سيأتي في «الأدب» [خ¦6081] (( لتصيب بها مالًا ) )، وزاد مالكٌ في آخر الحديث (( فكساها عمر أخًا له بمكَّة مشركًا ) ) [خ¦886] زاد في رواية عبيد الله بن عمر العمريِّ عند النَّسائيِّ (( أخًا له من أمِّه ) )، وتقدم في «البيوع» من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر (( فأرسل بها عمر إلى أخٍ له من أهل مكَّة قبل أن يسلمَ ) ) [خ¦2619] .

قال النوويُّ هذا يشعر بأنَّه أسلم بعد ذلك. قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أقف على تسمية هذا الأخ إلَّا فيما ذكره ابنُ بشكوال

ج 25 ص 111

في «المبهمات» نقلًا عن ابن الحذَّاء في «رجال الموطَّأ» ، فقال اسمه عثمان بن حكيم. قال الدِّمياطيُّ هو السلمي أخو خولة بنت حكيم بن أميَّة بن حارثة بن الأوقص قال وهو أخو زيد بن الخطاب لأمِّه، فمَنْ أطلق عليه أنَّه أخو عمر لأمِّه لم يُصبْ. قال الحافظ العسقلانيُّ بل له وجهٌ بطريق المجاز، ويحتمل أن يكون عمر ارتضعَ من أمِّ أخيه زيد، فيكون عثمان أخا عمر لأمِّه من الرَّضاع، وأخا زيدٍ من أمِّه من النَّسب.

وأفاد ابن سعد أنَّ والدة سعيد بن المسيِّب هي أمُّ سعيد بنت عثمان بن حكيم، ولم أقف على ذِكْره في «الصحابة» ، فإن كان أسلم فقد فاتهم فليستدرك، وإن كان مات كافرًا كان قوله «قبل أن يسلم» لا مفهوم له، بل المراد أنَّ البعث إليه كان حال كفره مع قطع النَّظر عمَّا وراء ذلك، فَلْتُعَدَّ بنته في الصَّحابة، وفي حديث جابرٍ الَّذي أوَّله أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى في قَبَاء حرير، ثمَّ نزعه فقال نهاني عنه جبريل، كما تقدَّم التَّنبيه عليه في أوائل «الصَّلاة» [خ¦375] زيادة عند النسائيِّ، وهي فأعطاه لعمر فقال لم أعطكه لتلبسْه بل لتبيعه، فباعه عمرُ. وسندهُ قويٌّ، وأصله في مسلم، فإن كان محفوظًا أمكن أن يكون عمر رضي الله عنه باعه بإذن أخيه بعد أن أهداهُ له.

ثمَّ إنَّ وجه إدخال هذا الحديث في «باب الحرير للنِّساء» ، ومطابقته للترجمة يُؤخذُ من قوله لعمر «لتبيعها أو تكسوها» ؛ لأنَّ الحرير إذا كان لبسه محرمًا على الرِّجال فلا فرقَ بين عمر وغيره من الرِّجال في ذلك فينحصر الإذن في النِّساء كما تقدَّم التَّنبيه عليه، وأمَّا كون عمر كساها أخاهُ فلا يُشكِلُ على ذلك عند من يرى أنَّ الكافر مخاطبٌ بالفروع، ويكون إهداء عمر رضي الله عنه الحلَّة لأخيه ليبيعها أو يكسوها امرأةً، ويمكن مَنْ يرى أنَّ الكافر غير مخاطبٍ أن ينفصلَ عن الإشكال بالتَّمسُّك بدخول النِّساء في عموم قوله «أو تكسوها» ؛ أي إمَّا للمرأة أو للكافر بقرينة قوله «إنَّما يلبس هذا من لا خلاق له» ؛ أي من الرِّجال.

قال الحافظ العسقلانيُّ وظهر لي وجهٌ آخر، وهو أنَّه

ج 25 ص 112

أشار إلى ما ورد في بعض طُرق الحديث المذكور فقد أخرج الطَّحاويُّ الحديث المذكور من رواية أيُّوب بن موسى عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال أبصرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على عطارد حلَّةً فكرهها له، ثمَّ إنَّه كسا عمر رضي الله عنه مثلها ... الحديث، وفيه أنِّي لم أكسكَهَا لتلبسهَا إنما أعطيتُكَها لتلبسها النِّساء. واستدلَّ به على جوازِ لبس المرأة الحرير الصِّرف بناء على أنَّ الحلَّة السِّيراء هي الَّتي تكون من حريرٍ صرفٍ.

قال ابنُ عبد البر هذا هو قولُ أهل العلم، وأمَّا أهل اللُّغة فيقولون هي الَّتي يخالطها الحرير، قال والأوَّل هو المعتمدُ، ثمَّ ساق من طرق محمَّد بن سيرين، عن ابن عمر رضي الله عنهما نحو حديث الباب، وفيه حلَّةٌ من حرير. وقال ابن بطَّال دلَّت طرق الحديث على أنَّ الحلَّة المذكورة كانت من حريرٍ محضٍّ، ثمَّ ذكر من طريق أيُّوب عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ عمر رضي الله عنه قال يا رسول الله إنِّي مررت بعطارد يعرض حلَّة حريرٍ للبيع ... الحديث أخرجه أبو عَوَانة والطَّبراني بهذا اللَّفظ.

قال الحافظ العسقلانيُّ وتقدم في «البيوع» من طريق أبي بكر بن حفص بن عبد الله بن عمر، عن أبيه (( حلَّةً حريرًا أو سيراء ) ) [خ¦2104] ، وفي «العيدين» [خ¦948] من طريق الزُّهريِّ عن سالمٍ (( حلَّةً من استبرق ) )، وقد فسَّر الاستبرق من طريقٍ أخرى بأنَّه ما غلُظ من الدِّيباج، أخرجه المصنف في «الأدب» من طريق يحيى بن إسحاق قال سألني سالمٌ عن الاستبرق، فقلت ما غلظ من الدِّيباج، فقال سمعت عبد الله بن عمر فذكر الحديث [خ¦6081] . ووقع عند مسلم نحو هذه القصَّة (( حلَّةً من سندس ) ). قال النَّوويُّ هذه الألفاظ تبيِّن أنَّ الحلَّة كانت حريرًا محضًّا.

قال الحافظ العسقلانيُّ الَّذي يتبيَّن أنَّ السِّيراء قد يكون حريرًا صرفًا، وقد يكون غير محضٍّ، فالتي في قصَّة عمر رضي الله عنه جاء التَّصريح بأنَّها كانت من حريرٍ محضٍّ، ولهذا وقع في حديثه «إنَّما يلبسُ هذه من لا خلاقَ له» ، والَّتي في قصَّة عليٍّ رضي الله عنه

ج 25 ص 113

لم تكن حريرًا صرفًا؛ لما روى ابن أبي شيبة من طريق أبي فاختة عن هُبيرة بن يَريم، عن عليٍّ رضي الله عنه قال أُهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلَّةً مسيرةً بحريرٍ إمَّا سداها أو لحمتها فأرسل بها إليَّ، فقلت ما أصنعُ بها ألبسُها؟ قال (( لا أرضى لك إلَّا ما أرضى لنفسي، ولكن اجعلها خُمُرًا بين الفواطم ) ).

وقد أخرجه أحمد وابن ماجه من طريق أبي إسحاق عن هبيرة فقال فيه (( حلَّةٌ من حريرٍ ) )، وهو محمولٌ على رواية أبي فاختة، وهو بفاء ومعجمة ثمَّ مثناة اسمه سعيد بن عِلَاقَة _ بكسر المهملة وتخفيف اللام ثم قاف _ ثقةٌ، ولم يقع في قصَّة عليٍّ وعيدٌ على لبسها، كما وقع في قصَّة عمر، بل فيه (( لا أرضى لك إلَّا ما أرضى لنفسي ) )، ولا ريب أن ترك لبس ما خالطه الحرير أولى من لبسه عند من يقول بجوازه، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت