5842 - (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ عَلَيْهَا السَّلاَمُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بُرْدَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ) هكذا وقع في رواية شعيبٍ عن الزُّهري، ووافقه الزُّبيدي كما تقدَّمت الإشارة إليه في «باب مس الحرير من غير لبس» [خ¦5836 قبل] . وأخرجهُ النَّسائيُّ من رواية ابن جريج عن الزُّهريِّ كالأول، ومن طريق مَعمر عن الزُّهريِّ نحوه لكن قال «زينب» ، بدل «أمِّ كلثوم» . وأخرجهُ الطَّحاويُّ من خمس طرق، وفي الطَّريق الخامس رأيتُ على زينب بنت النَّبي صلى الله عليه وسلم بردًا سيراء من حريرٍ، والمحفوظ ما قال الأكثر.
وأم كُلْثُوم _ بضم الكاف وسكون اللام وبالمثلثة _ زوج عثمان رضي الله عنهما ماتت في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم، ماتت في سنة سبع من الهجرة، وزينب بنت النَّبي صلى الله عليه وسلم وهي أكبر بنات النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي ردَّها على زوجها أبي العاص بن الربيع حين أسلم قيل بنكاح جديد، وقيل بنكاحها الأول، ماتت سنة ثمان من الهجرة في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم.
ج 25 ص 114
فإن قيل حديث أنسٍ رضي الله عنه مضطرب. يقال لا نسلِّم؛ لأنَّ عادة الأخوات أن يلبسن زيًّا واحدًا.
فإن قيل كيف يجوز رؤية أنس رضي الله عنه بنات النَّبي صلى الله عليه وسلم، يقال كان ذلك قبلَ بلوغ أنس رضي الله عنه مبلغ الرِّجال، وكان بلوغه في حياته صلى الله عليه وسلم بالإجماع، أو كان قبل نزولِ الحجاب على أنَّه لا يلزم من رؤية الثَّوب على اللَّابس رؤية اللابس، فلعلَّه رأى ذيل القميص مثلًا. وقال الطَّحاويُّ إن كان أنسٌ رأى ذلك في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم فيُعارِض حديث عقبة، وهو الَّذي أخرجه النَّسائي وابن حبَّان وصحَّحه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يمنع أهله الحرير والحلية، وإن كان بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم كان دليلًا على نسخ حديث عقبة. وطعن عليه الحافظ العسقلانيُّ في هذا التَّرديد، فقال وخفيَ عليه أنَّ أمَّ كلثومٍ ماتت في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم وكذا زينب فبطل التَّردد.
وأمَّا دعوى المعارضة فمردودةٌ، وكذا دعوى النَّسخ، والجمع بينهما واضحٌ بحمل النَّهي على التَّنزيه، وإقرارُ أمِّ كلثوم على ذلك إمَّا لبيان الجواز وإمَّا لكونها كانت إذ ذاك صغيرةً، ويحتمل أيضًا أنَّ السِّيراء التي كانت على أمِّ كلثوم كانت من غير الحرير الصَّرف كما تقدَّم في حلَّة عليٍّ رضي الله عنه [خ¦5840] . وقال العينيُّ ويمكن أن يوجه كلام الطَّحاويِّ بأن يُقال معنى قوله وإن كان بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ أي وإن كان إخباره بذلك بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم فعلى هذا يصحُّ دعوى النَّسخ. وأمَّا ما ذكره من الجمع بينهما بحمل النَّهي في حديث عقبة على التَّنزيه إنَّما يُحتاج إليه إذا كان بينهما معارضة، وتصحيح البخاريِّ أقوى من تصحيحِ غيره، والمعارضةُ تقتضي المساواة، فليتأمل.
تنبيه واستُدلَّ بأحاديث الباب على جواز لبس الحرير للنِّساء سواءٌ كان الثَّوب حريرًا كلَّه أو بعضه، وفي الأول عرض المفضول على الفاضل والتَّابع
ج 25 ص 115
على المتبوع ما يحتاج إليه من مصالحه ممَّا يظنُّ أنَّه لم يطلع عليه، وفيه إباحة الطَّعن لمن يستحقُّه. وفيه جواز البيع والشِّراء على باب المسجد. وفيه مباشرة الصَّالحين والفضلاء البيع والشِّراء.
وقال ابن بطَّال فيه ترك النَّبي صلى الله عليه وسلم لباس الحرير زهدًا في الدُّنيا، وإرادةً لتأخير الطَّيِّبات إلى الآخرة الَّتي لا انقضاء لها، إذ تعجيل الطَّيِّبات في الدُّنيا ليس من الحَزْم فزهدَ في الدُّنيا للآخرة، وأمر بذلك ونهى عن كلِّ سرفٍ وحرمةٍ. وتعقَّبه ابن المُنيِّر بأنَّ تركه صلى الله عليه وسلم لبس الحرير إنَّما هو لاجتنابِ المعصية، وأمَّا الزُّهد فإنَّما هو في خالصِ الحلال وما لا عقوبةَ فيه فالتقلُّل منه وتركه مع الإمكان هو الَّذي يتفاضل فيه درجات الزُّهَّاد.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولعلَّ مراد ابن بطَّال بيان سبب التَّحريم فيستقيم ما قاله. وفيه جواز بيع الرِّجال الثِّياب الحرير وتصرُّفهم فيها بالهبة والهديَّة لا اللبس. وفيه جواز صلة القريب الكافر والإحسان إليه بالهديَّة. وقال ابنُ عبد البرِّ فيه جواز الهديَّة للكافر ولو كان حربيًّا، وتعقِّب بأنَّ عطاردًا إنَّما وفد سنة تسع ولم يبقَ بمكَّة بعد الفتح مشركٌ.
وأُجيب بأنَّه لا يلزم من كون وفادة عطارد سنة تسع أن تكون قصَّة الحلَّة كانت حينئذٍ، بل جاز أن يكون قبل ذلك، وما زالَ المشركون يقدمون المدينة ويعاملون المسلمين بالبيع وغيره، وعلى تقدير أن يكون ذلك كان سنة الوفود فيحتمل أن يكون في المدَّة التي كانت بين الفتح وحجَّ أبي بكرٍ رضي الله عنه، فإنَّ منع المشركين من مكة إنَّما كان من حجَّة أبي بكر رضي الله عنه سنة تسع، ففيها وقع النَّهي أن لا يحجَّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ.
واستُدلَّ به على أنَّ الكافر ليس مخاطبًا بالفروع؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه لما مُنِع من لبس الحلَّة أهداها لأخيه المشرك ولم يُنكَر عليه. وتعقِّب بأنَّه لم يأمر أخاه بلبسها فيحتمل أن يكون الحكم وقع في حقِّه
ج 25 ص 116
كما وقع في حقِّ عمر رضي الله عنه، فينتفع بها بالبيع أو كسوه النِّساء ولا يلبس هو.
وأُجيب بأنَّ المسلم عنده من الوازع الشَّرعيِّ ما يحمله بعد العلم بالنَّهيِّ على الكفِّ بخلاف الكافر، فإنَّ كفره يحملُه على عدم الكفِّ عن تعاطي المُحرَّم، فلولا أنَّه مباحٌ له لبسه لما أُهدِيَ إليه؛ لما في تمكينه منه من الإعانة على المعصية، ومن ثمَّة يَحْرُم بيع العصير ممَّن جرت عادته أن يتَّخذه خمرًا، وإن احتمل أنَّه قد يشربه عصيرًا، وكذا بيع الغلام الجميل ممَّن اشتهر بالمعصية، لكن يحتمل أن يكون ذلك كان على أصل الإباحة، ويكون مشروعيَّة خطاب الكافر بالفروعِ تراختْ عن هذه الواقعة، والله تعالى أعلم.