5861 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) المُقدَّميُّ، قال (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابنُ سليمان (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين، هو ابنُ عمر العمريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبُريِّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوفٍ رضي الله عنه (عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا) بالحاء المهملة والجيم بينهما فوقية آخره راء؛ أي يتَّخذه كالحجرة، يُقال احتجرَ الأرض إذا ضرب عليها ما يمنعها به عن غيره. وقال الحافظ العسقلانيُّ أي يتَّخذ حجرةً لنفسه، يقال حجرت الأرض واحتجرتها إذا جعلتَ عليها علامةً تمنعها عن غيرك. ووقع في رواية الكُشميهني بزاي في آخره؛
ج 25 ص 147
أي يجعله حاجزًا بينه وبين غيره.
(بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهني (وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَثُوبُونَ) بمثلثة وموحدة؛ أي يرجعون، من ثاب إذا رجع (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ويجتمعون عنده (فَيُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ حَتَّى كَثُرُوا، فَأَقْبَلَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم على النَّاس (فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا) بفتح الميم وسابقها في الفعلين من المَلال، وهو كنايةٌ عن عدم القبول، والمعنى فإنَّ الله يقبلُ أعمالكم حتَّى تملُّوا فإنَّه لا يقبل ما يصدرُ منكم على سبيل الملالة، وأطلق الملال على طريق المشاكلة. وقال الخطابيُّ هو كنايةٌ عن التَّرك؛ أي لا يترك الثَّواب ما لم تتركوا، وهذا أحسنُ من الأول؛ وقيل أي لا يقطع عنكم فضله حتَّى تتركوا سؤاله.
(وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ) أي ما استمرَّ في حياة العامل، والمراد بالدَّوام الدَّوام العُرفي إذ حقيقة الدَّوام التي هي شمولُ جميع الأزمنة غير مقدورٍ. ووقع في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ بزيادة واو بين الألف والميم، وزاد في «الإيمان» [خ¦43] (( عليه صاحبه ) )وزاد هنا على رواية «الإيمان» قوله
(وَإِنْ قَلَّ) لأنَّه يستمرُّ بخلاف الكثير الشَّاقِّ، فإن قيل يُعارَض هذا ما رواه ابنُ أبي شيبة من طريق شريح بن هانئ أنَّه سأل عائشة رضي الله عنها أكان النَّبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي على الحصير والله يقول {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء 8] فقالت لم يكن يصلِّي على الحصير. فالجواب أنَّ هذا حديثٌ ضعيفٌ لا يُقاوم ما في الصَّحيح، ويمكن الجمع بحمل النَّفي على المداومة، لكن يخدش فيه ما ذكره شريحٌ من الآية، ويُقال لا خدشَ فيه أصلًا؛ لأنَّ معنى الآية {حصيرًا} ؛ أي مَحْبَسًا، يقال للسِّجن محصر وحصير، فليتأمَّل.
وقد مضى الحديث في «باب صلاة الليل» [خ¦730] ، ومضى في «الإيمان» ، في «باب أحبُّ الدِّين إلى الله» من غير هذا الوجه [خ¦43] ، وقد ترجم المصنف في أوائل «الصلاة» ، باب «الصَّلاة على الحصير» ،
ج 25 ص 148
وأورد فيه حديث أنسٍ رضي الله عنه [خ¦380] فقمت إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِسَ ... الحديث.
ومطابقة حديث الباب للترجمة في قوله «فيجلس عليه» ؛ أي على الحصير، وفي إسناده ثلاثةٌ من التابعين المدنيين.