فهرس الكتاب

الصفحة 8726 من 11127

5864 - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة، بُندار العبديُّ، قال (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) وفي رواية أبي ذرٍّ بدل (( غندر ) )، فصرَّح باسمه قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دعامة السَّدوسيِّ (عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ) بسكون الضاد المعجمة؛ أي ابن مالكٍ الأنصاريِّ (عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ) بفتح الموحدة وكسر المعجمة، ضدُّ نذير، ونَهِيك _ بفتح النون وكسر الهاء _ السَّدوسيِّ البصريِّ(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 25 ص 151

أَنَّهُ نَهَى)أي الرِّجال نهي تحريمٍ (عَنْ) لبس (خَاتَمِ الذَّهَبِ) وهذا الحديث أخرجهُ مسلمٌ في «اللباس» أيضًا، وأخرجه النَّسائي في «الزينة» .

(وَقَالَ عَمْرٌو) هو ابنُ مرزوق الباهليُّ (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) أنَّه (سَمِعَ النَّضْرَ) أي ابن أنسٍ، أنَّه (سَمِعَ بَشِيرًا) عن أبي هريرة (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث السَّابق، وأشار به إلى إثبات سماع قتادة من النَّضر، وسماع النَّضر من بشير بن نَهِيك. وقد وصله أبو عَوَانة في «صحيحه» عن أبي قِلابة الرقاشيِّ، وقاسم بن أصبغ في «مصنفه» عن محمَّد بن غالب بن حرب كلاهما عن عَمرو بن مرزوقٍ، به. ووقع التَّصريح بسماع قتادة من النَّضر لهذا الحديث أيضًا في رواية أبي داود الطَّيالسيِّ عن شعبة، وأخرجه الإسماعيليُّ كذلك.

فائدة قال ابنُ دقيق العيد إخبار الصَّحابيِّ عن الأمر والنَّهي على ثلاث مراتب

الأولى أن يأتيَ بالصِّيغة كقوله افعلوا أو لا تفعلوا.

الثَّانية قوله أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بكذا أو نهانا عن كذا، وهو كالمرتبة الأولى في العمل به أمرًا ونهيًا، وإنما نزلَ عنها لاحتمال أن يكون ظنُّ ما ليس بأمر أمرًا، إلَّا أنَّ هذا الاحتمال مرجوحٌ للعلم بعدالتهِ ومعرفته بمدلولاتِ الألفاظ لغة.

المرتبة الثَّالثة أُمرنا ونُهينا على البناء للمفعول، وهي كالثَّانية وإنَّما نزلت عنها لاحتمال أن يكون الآمر غير النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإذا تقرَّر هذا فالنَّهي عن خاتم الذَّهب أو التَّختُّم به يختصُّ بالرِّجال دون النِّساء، فقد نقلَ الإجماع على إباحته للنِّساء، انتهى.

وقد أخرج ابنُ أبي شيبة من حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّجاشي أهدى للنَّبي صلى الله عليه وسلم حليةً فيها خاتمٌ من ذهب فأخذه وإنَّه لمُعرِضٌ عنه، ثمَّ دعا أُمامة ابنة ابنته، فقال تحلِّي به. قال ابنُ دقيق العيد وظاهر النَّهي التَّحريم، وهو قول الأئمَّة واستقرَّ الأمر عليه. قال القاضي عياض وما نقل عن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حزم من تختُّمه بالذَّهب فشذوذ، والأشبه أنَّه لم تبلغْه السُّنة فيه، والنَّاس بعده مجمعون على خلافهِ. وكذا ما رُوِي فيه عن خبَّاب، وقد قال له ابن مسعود

ج 25 ص 152

أما آن لهذا الخاتم أن يُلقى، فقال إنَّك لن تراهُ عليَّ بعد اليوم، فكأنَّه ما كان بلغه النَّهي فلمَّا بلغه رجع.

قال وقد ذهب بعضُهم إلى أنَّ لبسه للرِّجال مكروهٌ كراهة تنزيهٍ لا تحريم، كما قال مثل ذلك في الحرير. قال ابنُ دقيق العيد هذا يقتضِي إثبات الخلاف في التَّحريم، وهو يناقضُ القول بالإجماع، على التَّحريم ولا بدَّ من اعتبار وصف كونه خاتمًا. قال الحافظ العسقلانيُّ التَّوفيق بين الكلامين ممكنٌ بأن يكون القائل بكراهة التَّنزيه انقرضَ واستقرَّ الإجماع بعده على التَّحريم. قال النَّوويُّ وأجمعوا على تحريمهِ على الرِّجال إلَّا ما حُكي عن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حزم، فإنَّه أباحه وعن بعضِهم أنَّه مكروهٌ لا حرام.

قال العينيُّ وقد روي عن جماعةٍ من الصَّحابة والتَّابعين أنَّهم لبسوه، فمن الصَّحابة أنس بن مالكٍ والبراءُ بن عازب وجابر بن سَمُرة وحذيفة بن اليمان وزيد بن أرقم وزيد بن حارثة وسعدُ بن أبي وقَّاص وصُهيب بن سنان وطلحة بن عُبيد الله وعبد الله بن زيد وأبو أُسيد رضي الله عنهم. ومن التَّابعين عكرمة مولى ابن عباس، وأبو بكر بن محمد بن عَمرو بن حزم وآخرون، فقد أخرج ابنُ أبي شيبة من طريق محمد بن أبي إسماعيل أنَّه رأى ذلك على سعد بن أبي وقَّاص وطلحة بن عُبيد الله وصهيب وذكر ستَّة أو سبعة. وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا عن حذيفة وعن جابر بن سمُرة وعن عبد الله بن يزيد الخطمي نحوه، ومن طريق حمزة بن أبي أُسيد نزعنا من يد أبي أُسيدٍ خاتمًا من ذهب.

وأُجيب عن فعل الصَّحابة بجوابين

أحدهما أنَّه لعلَّه لم يبلغهم النَّهي.

والثاني لعلَّهم حملوا النَّهي على التَّنزيه، وأنَّ طَرْحه صلى الله عليه وسلم لخاتم الذَّهب للتنزُّه عن الدُّنيا، كما كان ينهى أهله عن الحلية مع أنَّها كانت مباحةً للنِّساء.

وأغرب ما وردَ من ذلك ما جاء عن البراء الَّذي روى النَّهي، فأخرج ابنُ أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ عن أبي السَّفر قال رأيتُ على البراء خاتمًا من ذهب. وعن شعبة عن أبي إسحاق نحوه أخرجه البغويُّ في «الجعديات» . وأخرج أحمد من طريق محمد بن مالك قال رأيت على البراء خاتمًا من ذهب فقال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قَسْمًا فألبسنيهِ، فقال (( البس ما كساك الله ورسوله ) ). قال الحازميُّ إسناده ليس بذلك،

ج 25 ص 153

ولو صحَّ فهو منسوخٌ. قال الحافظ العسقلانيُّ لو ثبت النَّسخ عند البراء ما لبسَهُ بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد رُوِيَ حديث النَّهي المتَّفق على صحَّته عنه، فالجمع بين روايته وفعله إمَّا بأن يكون حمل النَّهي على التَّنزيه، أو فهم الخصوصيَّة له من قوله (( البسْ ما كساك الله ورسوله ) ).

وهذا أولى من قول الحازميِّ لعلَّ البراء لم يبلغْه النَّهي، ويؤيِّد الاحتمال الثَّاني أنَّه وقع في رواية أحمد في «مسنده» من رواية محمد بن مالك، قال رأيت على البراء خاتمًا من ذهب، وكان النَّاس يقولون للبراء لم تَختَّم بالذَّهب وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال البراء بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يديه غنيمةٌ يقسمها سبي وحربي [1] ، قال فقسمها حتَّى بقي هذا الخاتم، فرفع طرفه إلى أصحابه ثمَّ خفض، ثمَّ رفع طرفه فنظر إليهم ثمَّ خفض، ثمَّ رفع طرفه فنظر إليهم، ثمَّ قال _ أي براء _ فجئته حتَّى قعدت بين يديه فأخذ الخاتم ثمَّ قبضَ على كرسوبي، ثمَّ قال (( خُذْ البس ما كساكَ الله ورسوله ) )ثمَّ يقول كيف تأمرونني أن أضعَ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( البس ما كساك الله ورسوله ) )الحديث.

قال الشَّيخ زين الدِّين العراقيُّ محمد بن مالك راويه عن البراء تفرَّد به عنه، وقد ذكره ابن حبَّان في «الضعفاء» وقال وكان يُخطئ كثيرًا، لا يجوز الاحتجاجُ به إذا انفردَ، ومع هذا فقد ذكره ابن حبَّان أيضًا في «الثقات» إلَّا أنَّه قال لم يسمع من البراء شيئًا. لكن قال الشَّيخ زين الدَّين ظاهر هذا الحديث سماعه منه، وحكى ابنُ أبي حاتم عن أبيه أنَّه قال فيه لا بأس به، وقال أو لعلَّ البراء فهم التَّخصيص بإذنه له في لبسهِ، ومع ذلك فالصَّحيح الَّذي عليه الجمهور أنَّ العبرة بما رواه الرَّاوي لا بما رآه، انتهى.

إلَّا أنَّ العبرة عند الحنفيَّة بما رآه على ما عُرف في موضعه.

وأجاب الشَّيخ زين الدِّين عنه بأنَّ هذا ليس عملًا للبراء محضًّا فإمَّا أن يكون كان البراء صغيرًا حين الإذن، ونحن نقول بجواز إلباسه لغير البالغ على الخلاف المعروف فيه عندنا، وإمَّا أن يجعلهما حديثين متعارضين فيحتمل أن يكون الإذن متقدِّمًا على المنع، فإن عُرف التَّاريخ بذلك كان الحكم للنَّهي، وإلَّا فيرجع إلى التَّرجيح

ج 25 ص 154

ولا شكَّ أنَّ حديث النَّهي أصح؛ لأنَّه متَّفق عليه في «الصحيحين» . ومن أدلَّة النَّهي أيضًا ما رواه يونس عن الزُّهريِّ عن أبي إدريس عن رجلٍ له صحبة قال جلس رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده خاتم من ذهب فقرعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يده بقضيبٍ فقال (( القِ هذا ) ).

وعمومُ الأحاديث المقدَّم ذكرها في «باب لبس الحرير» [خ¦5828 قبل] حيث قال في الذَّهب والحرير (( هذان حرامان على رجال أمتي حل لإناثها ) )، وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رفعه (( من مات من أمَّتي وهو يلبسُ الذَّهب حرَّم الله عليه ذهب الجنَّة ) ). الحديث أخرجه أحمدُ والطَّبراني. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما ثالث أحاديث الباب [خ¦5865] ما يستدلُّ به على نسخِ جواز لبس الخاتم إذا كان من ذهبٍ، واستُدلَّ به على تحريم الذَّهب على الرِّجال قليله وكثيره للنَّهي عن التَّختُّم وهو قليلٌ.

وتعقَّبه ابن دقيق بأنَّ التَّحريم يتناول ما هو في قدر الخاتم، وما فوقه كالدُّملج والمِعْضَد وغيرهما، فأمَّا ما هو دونه فلا دَلالة من الحديث عليه، وتناول النَّهي جميع الأحوال، فلا يجوزُ لبس خاتم ذهب لمن فاجأه الحرب؛ لأنَّه لا تعلُّق له بالحرب بخلاف ما تقدَّم في الحرير من الرُّخصة في لبسه بسبب الحرب، وبخلاف ما على السَّيف أو التَّرس أو المنطقة من حلية الذَّهب، فإنَّه لو فاجأهُ الحربُ جاز له الضَّرب بذلك السَّيف، فإذا انقضت الحرب فلينقض؛ لأنَّه كلُّه من متعلِّقات الحرب بخلاف الخاتم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.

[1] في هامش الأصل عيني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت