فهرس الكتاب

الصفحة 8746 من 11127

5876 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة التَّبوذكيُّ الحافظ، قال (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) هو ابنُ أسماء، وكلاهما مشتركان في المذكَّر والمؤنث (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ) أي ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَجَعَلَ فَصَّهُ فِي بَطْنِ كَفِّهِ) كذا في روايةٍ في الأكثر، وفي رواية المستملي والسَّرخسيِّ بلفظ المضارع (إِذَا لَبِسَهُ، فَاصْطَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ) وفي رواية أبي ذرٍّ (فَرَقِيَ) بكسر القاف؛ أي فصعد صلى الله عليه وسلم (المِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ) بعد ذلك (إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ) يعني خاتم الذَّهب (وَإِنِّي لاَ أَلْبَسُهُ) أبدًا، لكونه حُرِّم حينئذٍ (فَنَبَذَهُ) أي طرحه (فَنَبَذَ النَّاسُ) خواتيمهم، جملة من فعل وفاعل حذف مفعوله للعلم به (قَالَ جُوَيْرِيَةُ) أي ابن أسماء، المذكور بالسَّند السَّابق (وَلاَ أَحْسِبُهُ) أي ولا أحسب نافعًا (إِلَّا قَالَ) وجعله (فِي يَدِهِ اليُمْنَى) وقال أبو ذرٍّ في روايته لم يقع في البخاري موضع التَّختُّم من أيِّ اليدين إلَّا في هذا.

وقال الداوديُّ لم يجزم به جويرية، وتواطؤ الرِّوايات على خلافه يدلُّ على أنَّه لم يحفظه، وعمل النَّاس على لبس الخاتم في اليسار يدلُّ على أنَّه المحفوظ. قال الحافظ العسقلانيُّ وكلامه متعقَّبٌ فإنَّ الظَّنَّ فيه من موسى شيخ البخاريِّ، وقد أخرجه ابنُ سعد عن مسلم بن إبراهيم، وأخرجهُ الإسماعيليُّ عن الحسن بن سفيان عن عبد الله بن محمد بن أسماء كلاهما عن جويرية أنَّه لبسه في يده اليمنى وجزما ولم يشكَّا. وهكذا أخرج مسلمٌ من طريق عقبة بن خالد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما

ج 25 ص 175

في قصَّة اتِّخاذ الخاتم من ذهبٍ، وفيه «وجعله في يده اليمنى» .

وأخرج التِّرمذيُّ وابن سعدٍ من طريق موسى بن عقبة عن نافع بلفظ صنع النَّبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ذهبٍ فتختَّم به في يمينه، ثمَّ جلس على المنبر، فقال إنِّي كنت اتَّخذت هذا الخاتم في يميني ثمَّ نبذه ... الحديث. وهذا صريحٌ من لفظه صلى الله عليه وسلم رافعٌ للبس، وموسى بن عقبة أحدُ الثِّقات الأثبات، وقد وردت أحاديث كثيرة في التَّختم في اليمين

منها حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتختَّم في يمينه. رواه التِّرمذيُّ.

ومنها حديث عبد الله بن جعفر قال كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه. رواه التِّرمذيُّ أيضًا وأبو داود وأبو الشَّيخ والطَّبرانيُّ في «الكبير» ، ونقل عن البخاريِّ أنَّه أصحُّ شيءٍ رُوِي في هذا الباب.

ومنها حديث علي رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يتختَّم في يمينه. أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ.

ومنها حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يتختَّم في يمينه، أخرجه البزَّار وأبو الشيخ.

ومنها حديث أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يتختَّم في يمينه، أخرجه النَّسائي والتَّرمذي في «الشمائل» .

ومنها حديث أبي أُمامة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يتختَّم في يمينه. أخرجه الطبرانيُّ في «الكبير» وأبو الشَّيخ في كتاب «الأخلاق» .

ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يتختَّم في يمينه حتَّى قبضَه الله إليه. أخرجه الدَّارقطنيُّ في «غرائب مالك» بسندٍ ساقطٍ.

وقد وردت أحاديث آخر في التختُّم في اليسار

منها حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس خاتمه في يساره. أخرجه أبو الشَّيخ وإسناده ضعيفٌ.

ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يتختَّم في يساره وكان فصُّه في باطن كفِّه. أخرجه أبو داود، وهذا يخالفُ حديث الباب.

ومنها ما رواه التِّرمذي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه قال كان الحسنُ والحسين رضي الله عنهما

ج 25 ص 176

يتختَّمان في يسارهما. وقال هذا حديثٌ صحيحٌ.

وقد جاء في بعض طُرقه عن الحسن والحسين رضي الله عنهما رَفْعُ ذلك إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم رواه أبو الشَّيخ في كتاب «أخلاق النَّبي صلى الله عليه وسلم» ، والبيهقيُّ في كتاب «الأدب» من رواية سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم يتختَّمون في اليسار.

وقد اختلف الرُّواة عن أنسٍ رضي الله عنه هل كان يتختَّم في يمينه أو يساره؟ وقد رواه عنه ثابت البُنانيُّ وثُمامة بن عبد الله وحُميد الطَّويل وشريك بن بيان وعبد العزيز بن صهيب وقتادة ومحمد بن مسلم الزُّهري، فأمَّا ثُمامة وحُميد وشريك بن بيان وعبد العزيز بن صُهيب فليس في رواياتهم تعرُّضٌ لذكر اليمين أو اليسار.

وأمَّا رواية ثابت وقتادة والزُّهري ففيها التَّعرُّض لذلك، فأمَّا رواية ثابت فأخرجها مسلمٌ من رواية حمَّاد بن سلمة عن ثابتٍ، عن أنس رضي الله عنه قال كان خاتم النَّبي صلى الله عليه وسلم في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى.

وأمَّا رواية قتادة فاختلف عليه فيها فقال سعيد بن أبي عَروبة عنه عن الزُّهريِّ عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لبس خاتمَ فضَّة في يمينه. ورواه ابن وهب ومُعتمر بن سليمان عن يونس، عن الزُّهريِّ عن أنس رضي الله عنه من غير تعرُّضٍ لذكر لبسه له في يمينه.

وقال ابن أبي حاتم سألتُ أبا زُرعة عن اختلاف الأحاديث في ذلك، فقال لا يثبت هذا ولا هذا ولكن في يمينه أكثر، ورجَّح أصحاب الشَّافعي اليمين وهو الأشهر عندهم. وقال الشَّيخ زين العراقي في «شرح الترمذي» في الأحاديث استحباب التَّختُّم في اليمين، وهو أصحُّ الوجهين لأصاحب الشَّافعي أنَّ التَّختم في اليمين أفضل منه في اليسار، وذهب مالكٌ إلى استحباب التَّختُّم في اليسار وكره التَّختُّم في اليمين، وقال إنما يأكلُ ويشربُ ويعمل بيمينه، فكيف يريد أن يأخذَ باليسار ثمَّ يعمل، قيل له أفيجعل الخاتم في اليمين للحاجة يذكرها؟ قال لا بأس بذلك.

وأمَّا مذهب الحنفيَّة فقد ذكر في «الأجناس»

ج 25 ص 177

وينبغي أن يلبسَ خاتمه في خنصره اليسرى ولا يلبسه في اليمين، ولا في غير خنصره اليسرى من أصابعه، وسوَّى الفقيه أبو اللَّيث في «شرح الجامع الصغير» بين اليمين واليسار. وقال بعض الحنفيَّة هو الحقُّ لاختلاف الرِّوايات ويُقال جاءت أحاديث صحيحةٌ في اليمين ولكن استقرَّ الأمر على اليسار، ويدلُّ على ذلك ما قاله البغويُّ في «شرح السنة» أنَّه صلى لله عليه وسلم تختَّم أوَّلًا في يمينه، ثمَّ تختَّم في يساره، وكان ذلك آخر الأمرين.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ويظهر لي أنَّ ذلك يختلف باختلاف القصد فإن كان اللبس للتزيُّن به فاليمين أفضل، وإن كان للختم به فاليسار أولى؛ لأنَّه يكون كالمودِّع فيها، ويحصل تناوله منها باليمين وكذا خلعه منها، ويترجَّح التَّختُّم في اليمين مطلقًا؛ لأنَّ اليسار آلة الاستنجاء فيصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النَّجاسة ويترجَّح التَّختم في اليسار بما أشرتُ إليه من التَّناول، انتهى.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ إخفاء هذا كان أولى من ظهوره، ومن أين هذا التَّفصيل والحال أنَّ التَّختُّم للزِّينة مكروهٌ؛ لأنَّها لا تليق للرِّجال بل تركه أولى مطلقًا إلَّا لذي حُكْمٍ، وإذا تختَّم في غيره خنصره يكره أشدَّ الكراهة، وفيه مخالفةٌ للسُّنَّة. وحكى صاحب «الكافي» من الشافعيَّة وجهين في جواز لبسه في غير خنصره، وذكر الرَّافعيُّ أنَّ المرأة قد تتختَّم في غير الخنصر، وأمَّا التَّختُّم بالذَّهب فحرامٌ على الرِّجال، وأمَّا من الحديد والرِّصاص والنُّحاس ونحوها فكذلك حرام مطلقًا. وأمَّا العقيق فلا بأس بالتَّختُّم به، وروى الحنفيَّة أثرًا فيه، وهو أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يتختَّم بالعقيق، وقال تختَّموا به فإنَّه مباركٌ وفيه نظرٌ، ولكن ابن منجويه روى عن إبراهيم أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( من تختَّم بالياقوت الأصفر لن يفتقر، والزُّمرُّد ينفي الفقر ) )وقال (( من لبس العقيق لم يُقْضَ له إلَّا بالذي هو أسعد، فإنَّه

ج 25 ص 178

مباركٌ، وصلاةٌ في خاتم عقيقٍ بثمانين صلاة )) .

قال صاحب «التوضيح» ولا أصل لذلك، ورُوِي عن عليٍّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من تختَّم بالعقيقِ ونقشَ عليه وما توفيقي إلَّا بالله، وفَّقه الله لكلِّ خيرٍ وأحبَّه الملكان الموكلان به ) )ذكره ابنُ الجوزي في «الموضوعات» .

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وجعل فصَّه في باطن كفِّه ) )وهو من أفراد البخاريِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت