5877 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ، قال (حَدَّثَنَا) ويروى (حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد بن درهم (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) البُنانيِّ الأعمى (ابْنِ صُهَيْبٍ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ) بكسر الراء؛ أي فضة، وفي رواية بصيغة الجمع وهي للتعظيم والمراد إنِّي اتَّخذت (وَنَقَشْتُ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) هذا هو المعروف. ونقل ابن التِّين عن الشَّيخ أبي محمد أنَّه قيل فيه زيادة لا إله إلَّا الله (فَلاَ يَنْقُشَنَّ) بنون التَّأكيد الثقيلة، ويروى بدون النون (أَحَدٌ عَلَى نَقْشِهِ) وأخرج الترمذيُّ من طريق مَعمر عن ثابتٍ عن أنس رضي الله عنه نحوه، وقال فيه (( فلا تنقشوا عليه ) ).
وقال الطِّيبيُّ قوله (( على نقشه ) )يجوز أن يكون حالًا من الفاعل؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّفي أو صفة لمصدر محذوفٌ؛ أي نقشًا كائنًا على نقش خاتمي ومماثلًا له. قال ابن سيرين كان في خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله محمد رسول الله، وقد ورد في حديثٍ غريب أخرجه أبو الشَّيخ عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّه كان فصُّ خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم حبشيًّا مكتوبٌ عليه لا إله إلَّا الله محمد رسول الله، لا إله إلَّا الله سطر ومحمد سطر ورسول الله سطر. وإسناده جيِّدٌ، ولكنَّه شاذٌّ لمخالفته الأحاديث الصَّحيحة في زيادة الأولى من كلمتي الشَّهادة.
واستُدلَّ به
ج 25 ص 179
على جواز نقشِ بعض القرآن على الخاتم؛ يعني بعض آيةٍ من القرآن، وقد كره بعضُهم نقش الآية بتمامها على الخاتم، رواه ابن أبي شيبة عن عطاءٍ والشعبيِّ وإبراهيم النَّخعي، ورُوِيَ عن الحسن جوازها. وسبب النَّهي كما قاله النَّوويُّ أنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما نقشَ على خاتمه ذلك ليختم به كتبه إلى الملوك فلو نقشَ غيره مثله لحصل الخلل.
فإن قيل أهذا النَّهي خاصٌّ بحياته صلى الله عليه وسلم أو يعمُّ حياته وبعدها؟ فالجواب أنَّ الظَّاهر هو الأوَّل، ويدلُّ عليه لبس الخلفاء الخاتم بعده، ثمَّ جدَّد عثمان رضي الله عنه خاتمًا آخر بعد وقوع ذلك الخاتم في بئر أَريس ونَقَشَ عليه ذلك النَّقش.
فإن قيل نقشه صلى الله عليه وسلم بهذا كان برأيه أو بوحيٍ إليه؟
فالجواب أنَّه روى ابن عدي في «الكامل» من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إلى العجم كتابًا. فذكر الحديث، وفيه أمر بخاتمٍ يُصاغ له من وَرِق فجعله في إصبعه فأقرَّه جبريل عليه السلام، وأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم أن ينقشَ عليه محمد رسول الله. الحديث.
وأخرج الدَّارقطنيُّ في «الأفراد» من حديث سلمة بن وَهْرام عن عكرمة عن يَعلى بن أميَّة، قال أنا صنعت للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم خاتمًا لم يشركني فيه أحدٌ، نقشَ فيه محمد رسول الله. قال الحافظ العسقلانيُّ فيستفادُ منه اسم الَّذي صاغ خاتم النَّبي صلى الله عليه وسلم ونقشه. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه يستفادُ منه أنَّه صاغَه، ولكن لا يستفادُ منه أنَّه نقشه إذ لو نقشه هو لقالَ ونقشتُ فيه، وروى الطَّبراني في «الكبير» من حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال كان فصُّ خاتم سليمان بن داود عليهما السلام سماويًا فأُلقىَ إليه فأخذَه فوضعَه في خاتمه، وكان نقشه أنا الله لا إله إلَّا أنا محمد عبدي ورسولي.
تتمة أخرجَ ابنُ أبي شيبة في «المصنف» عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه نقشَ على خاتمه عبد الله بن عمر، وكذا أخرج عن سالم بن عبد الله بن عمر أنَّه نقشَ اسمه على خاتمه، وكذا
ج 25 ص 180
القاسم بن محمد. وقال ابن بطَّال وكان مالك يقول من شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم في خواتمهم. وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة وأبي عبيدة أنَّه كان نقش خاتم كلٍّ منهما الحمد لله، وعن عليٍّ رضي الله عنه الله الملك. وعن إبراهيم النَّخعيِّ بالله، وعن مسروقٍ بسم الله، وعن أبي جعفر الباقر العزة لله، وعن الحسن والحسين رضي الله عنهما لا بأس بنقش ذكر الله على الخاتم.
قال النَّوويُّ وهو قولُ الجمهور، ونقل عن ابن سيرين وبعض أهل العلم كراهته، انتهى. وقد أخرج ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ عن ابن سيرين أنَّه لم يكن يرى بأسًا أن يكتبَ الرَّجل في خاتمه حسبي الله ونحوها، فهذا يدلُّ على أنَّ الكراهة عنه لم تثبت، ويمكن الجمع بأنَّ الكراهة حيث يُخاف عليه حمله للجنبِ والحائض والاستنجاء بالكفِّ التي هو فيها، والجواز حيث حصل الأمن من ذلك، فلا تكون الكراهة لذاتها بل من جهة ما يعرضُ لذلك، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في آخر الحديث، وقد أخرجهُ مسلمٌ في «اللباس» أيضًا.