فهرس الكتاب

الصفحة 8772 من 11127

5892 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ) بكسر الميم وسكون النون، البصريُّ الضَّرير الحافظ، قال (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح الراء، مصغَّر زرع، أبو معاوية الخيَّاط البصري، قال (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ) بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ) أراد بهم المجوس يدلُّ عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلمٍ (( خالفوا المجوس ) )، فإنَّهم كانوا يقصُّون لحاهم، ومنهم من كان يحلقها (وَفِّرُوا اللِّحَى) بتشديد الفاء، من التَّوفير وهو الإبقاء؛ أي اتركوها موفرةً، واللِّحي بكسر اللام، وحكي ضمها بالقصر والمد، جمع لِحية، بالكسر فقط، وهي اسمٌ لما نبت على الخدَّين والذَّقن، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الصَّواب على العارضين بدل على الخدَّين.

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلمٍ (( أَرجِئوا ) )وضبط بالجيم والهمزة؛ أي أَخِّروها، وبالخاء المعجمة بلا همز؛ أي أطيلوها، وله في روايةٍ أخرى (( أوفوا ) )أي اتركوها وافيةً، وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع في الباب الذي يليه (( اعفوا ) ) [خ¦5893] . وقال النَّوويُّ وكلُّ هذه الرِّوايات بمعنى واحد.

(وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ) بهمزة قطع، من الإحفاء _ بالمهملة _، كذا في رواية الأكثر، وحكى ابن دريد حفا شاربه حفوًا إذا استأصل أَخْذَ شعره، فعلى هذا فهي بهمزة وصلٍ والمقصود الاستقصاء في القصِّ.

قال الطَّبريُّ فإن قلت ما وجه قوله (( اعفوا اللِّحى ) )وقد علمت أنَّ الإعفاء الإكثار، وأنَّ من النَّاس من إذا ترك شعر لحيتهِ اتِّباعًا منه لظاهر الحديث أعني قوله (( أعفوا اللِّحى ) )يتفاحشُ طولًا وعرضًا ويسمُج حتَّى يصيرَ للنَّاس حديثًا ومثلًا.

قيل قد ثبتت الحجَّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على خصوص هذا الخبر، وأنَّ من اللحية محظورًا إعفاؤه وواجبًا قصُّه على اختلافٍ من السَّلف في قدر ذلك وحَدِّه، فقال بعضهم حدُّ ذلك أن يزداد على قدر القبضة طولًا وأن ينتشر عرضًا فيقبح ذلك. وروي عن عمر رضي الله عنه أنَّه رأى رجلًا قد ترك لحيته حتَّى كبرت فأخذ يجذبها ثمَّ قال ائتوني بحلمتين، ثمَّ أمر رجلًا فجزَّ ما تحت يده، ثمَّ قال اذهب فأصلح شعركَ أو أفسده، يتركُ أحدكم نفسه حتَّى كأنَّه سبعٌ من السِّباع؟! وكان أبو هريرة رضي الله عنه

ج 25 ص 225

يقبضُ على لحيته فيأخذُ ما فضل، وعن ابن عمر رضي الله عنهما مثله. وقال آخرون يأخذُ من طولها وعرضها على ما لم يفحشْ أخذه، ولم يحدُّوا في ذلك حدًّا غير أنَّ معنى ذلك عندي ما لم يخرج من عرف النَّاس.

وقال عطاءٌ لا بأس أن يأخذَ من لحيته الشَّيء القليل من طولها أو عرضها إذا كبرت وعلَّة كراهته الشُّهرة. وفيه تعريضُ نفسه لمن يسخر به، واستدلَّ بحديث عمر بن هارون، عن أسامة بن زيد، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدِّه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها، أخرجه التِّرمذيُّ وقال هذا حديثٌ غريب. وسمعت محمَّد بن إسماعيل يقول عمر بن هارون مقاربُ الحديث لا أعرف له حديثًا ليس له أصل، أو قال ينفرد به إلَّا هذا الحديث قال ورأيتُه حسن الرَّأي في عمر بن هارون، وسمعتُ قتيبة يقول عمر بن هارون كان صاحب حديثٍ، وكان يقول الإيمان قولٌ وعمل. وقال الحافظ العسقلانيُّ وقد ضعَّفه جماعة. وقال القاضي عياض يكره حلقُ اللِّحية وقصِّها وتحديقها، وأمَّا الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسنٌ، بل يكره الشُّهرة في تعظيمها كما تُكره في تقصيرها.

وتعقَّبه النَّوويُّ بأنَّه خلاف ظاهر الخبر في الأمر بتوفيرها، قال والمختار أن يتركها على حالها وأن لا يتعرَّض لها بتقصيرٍ ولا غيره، وكأنَّ مراده بذلك في غير النُّسك؛ لأنَّ الشَّافعي قد نصَّ على استحبابه فيه. وذكر النَّوويُّ عن الغزاليِّ وهو في ذلك تابعٌ لأبي طالب المكي في «القوت» قال يُكره في اللِّحية عشر خصالٍ خضبها بالسَّواد لغير الجهاد وبغير السَّواد إيهامًا للصَّلاح لا لقصد الاتِّباع، وتبييضها استعجالًا للشيخوخة لقصد التَّعاظم على الأقران، ونتفها إبقاء للمروءة، وكذا تحديقها، ونتف الشَّيب.

ورجَّح النَّوويُّ تحريمه لثبوت الزَّجر عنه كما سيأتي قريبًا وتصفيفها طاقة طاقة تصنُّعًا ومخيلة، وكذا ترجيلها

ج 25 ص 226

والتَّعرُّض لها طولًا وعرضًا على ما فيه من اختلافٍ، وتركها شعثةً إيهامًا للزُّهد والنَّظر إليها إعجابًا. وزاد النَّووي وعَقْدُها لحديث رُوَيفع رفعه (( من عقدَ لحيته فإنَّ محمَّدًا منه بريءٌ ) )الحديث وأخرجه أبو داود. قال الخطابيُّ المراد عقدها في الحرب وهو من زيِّ الأعاجم، وقيل المراد معالجة الشَّعر لينعقدَ، وذلك من فعل أهل التأنيث.

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما هو موصولٌ بالسند إلى نافع (إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ لِحْيَتِهِ، فَمَا فَضَلَ) بفتح الفاء والضاد المعجمة، وحكي كسر الضاد، كعَلِم، والفتح أشهر (أَخَذَهُ) وقد أخرجه مالكٌ في «الموطأ» عن نافعٍ بلفظ كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا حلق رأسه في حجٍّ أو عمرةٍ أخذ من لحيتهِ وشاربهِ. وقال الكرمانيُّ وما فضل؛ أي من قبضة اليد قطعه تقصيرًا، ولعلَّ ابن عمر رضي الله عنهما جمع بين حلق الرَّأس وتقصير اللِّحية اتِّباعًا لقوله تعالى {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح 27] هذا هو المقدار الَّذي قاله الكرماني.

وزاد الحافظ العسقلانيُّ وخصَّ ذلك من عموم قوله (( وفِّروا اللِّحى ) )فحمله على حالةٍ غير حالة النُّسك. والَّذي يظهر أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان لا يخصُّ هذا التَّخصيص بالنُّسك، بل كان يحملُ الأمر بالإعفاء على غير الحالة الَّتي يتشوَّه فيها الصُّورة بإفراط طول شعر اللِّحية أو عرضه.

فقد قال الطبريُّ ذهب قومٌ إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيءٍ من اللِّحية من طولها ومن عرضها. وقال قومٌ إذا زاد على القبضة يُؤخذ الزَّائد ثمَّ ساق بسندهِ إلى ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه فعل ذلك، وإلى عمر رضي الله عنه أنَّه فعل ذلك برجلٍ، ومن طريق أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه فعله. وأخرج أبو داود من حديث جابر رضي الله عنه بسندٍ حسنٍ قال كنَّا نُعفِّي السِّبال إلَّا في حجٍّ أو عمرةٍ.

وقوله (( نُعفِّي ) )بضم أوله وتشديد الفاء؛ أي نتركه وافرًا، وهذا يؤيِّد ما نقل عن ابن عمر، فإنَّ السِّبَال _ بكسر المهملة وتخفيف الموحدة _ جمع سَبَلة _ بفتحتين _ وهي ما طالَ من شعر اللِّحية، فأشار جابرٌ رضي الله عنه إلى أنَّهم يقصِّرون منها في النُّسك. وعن الحسن البصريِّ أنَّه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش.

وقال النَّوويُّ

ج 25 ص 227

يستثنى من الأمر بإعفاء اللِّحية ما لو [1] نبتت للمرأة لحيةٌ، فإنَّه يستحبُّ لها حلقها وكذا لو نبت لها شاربٌ أو عنفقة.

وقد سبق أنَّه لا تعلُّق لهذا الحديث بالترجمة إلَّا أن يُتعسَّف، وقد أخرجهُ مسلمٌ في اللباس.

[1] في الأصل لم، ولعل الصواب ما أثبته، وهو موافق للفتح والعمدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت