فهرس الكتاب

الصفحة 878 من 11127

540 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحَكَمُ بنُ نافعٍ (قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزةَ _ بالمهملة والزاي _ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ) أي من الحُجرَة الطَّيِّبة (حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ) وفي رواية التِّرمذي بلفظٍ (( زالت ) )أي مالت عن أعلى درجاتِ ارتفاعها.

قال أبو طالب في «القوت» والزَّوال ثلاثة زوالٌ لا يعلمه إلَّا الله عزَّ وجلَّ، وزوالٌ يعلمه الملائكة المقرَّبون، وزوالٌ يعرفه النَّاس، قالَ وجاءَ في الحديث أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل جبريل عليه السَّلام (( هل زالت الشَّمس؟ قال لا، نعم، قال ما معنى لا، نعم؟ قال يا رسول الله، قطعتِ الشَّمسُ من فلكها بين قولي لا، نعم، مسيرةَ خمسمائة عام ) ).

أقولُ وفي الحديث كلام، بل ليسَ له أصلٌ على ما ذكرهُ الملا علي القاريِّ في «موضوعاتِهِ» .

ثمَّ إنَّ الزَّوال الذي يعرفهُ النَّاس يُعْرَف بمعرفة أقل الظِّلِّ؛ بأن تنصبَ قائمًا معتدلًا في أرضٍ معتدلةٍ، وتنظرَ إلى ظلِّهِ في جهةِ المَغربِ، وظِلُّه فيها أطولُ ما يكون غدوة، وتعرفَ منتهاه، ثمَّ كلَّما ارتفعت انتقص الظِّل، حتَّى تنتهي إلى أعلى درجات ارتفاعها فحينئذٍ تقفُ وقفةً ويقفُ الظِّل لا يزيدُ ولا ينقُصُ، وذلك وقتُ نصف النَّهار ووقت الاستواء، ثمَّ تميلُ إلى أوَّل درجاتِ انحطاطِها في الغروب

ج 3 ص 475

فذلكَ هو الزَّوال وأوَّل وقتِ الظُّهر.

(فَصَلَّى الظُّهْرَ) أي في أوَّل وقتها، وهذا يقتضي أن زوالَ الشَّمسِ أوَّل وقت الظُّهر، ولم يُنْقل أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى قبلهُ، وهذا هو الَّذي استقرَّ عليهِ الإجماعُ وكان فيه خلافٌ قديمٌ عنْ بعضِ الصَّحابة أنَّه جَوَّزَ صلاةَ الظُّهر قُبيلَ الزوالِ، وعن أحمدَ وإسحاقَ مثله في الجُمُعة.

وقال ابنُ المُنذِر أجمعَ العلماءُ على أنَّ وقت الظُّهر زوال الشَّمس، وأمَّا ما ذكره ابن بطَّال عن الكرخيِّ، عن أبي حنيفة رحمه الله أنَّ الصَّلاة في أوَّل الوقت تقع نفلًا، والفقهاء بأسرهم على خلاف ذلك فهو قول ضعيف نُقِلَ عن بعض أصحابنا، وليس منقولًا عن أبي حنيفة، والصَّحيح عندنا أنَّ الصَّلاة تجب بأوَّل الوقت وجوبًا موسَّعًا على ما ذكره محمود العيني.

وذكر القاضي عبد الوهاب في الكتاب المتأخِّر، فيما ذكره ابن بطَّال وغيره عن بعض النَّاس أنَّه يجوز أن يفتتح الظُّهر قبل الزَّوال.

وقال شمسُ الأئمَّةِ في «المبسوط» لا خلاف أنَّ أوَّل وقت الظُّهر يدخل بزوال الشَّمس إلا شيء نُقِلَ عن بعض النَّاس أنَّه يدخل إذا صار الفيء بقدر الشِّراك، وصلاة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين زاغت الشَّمس دليلٌ على أنَّ ذلك من وقتها.

(فَقَامَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد فراغه من الصَّلاة (عَلَى الْمِنْبَرِ) وذلك لما بلغه أنَّ قومًا من المنافقين يسألونه ويعجزونه عن بعض ما يسألونه فتغيَّظ عليهم فخطب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المنبر (فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا) وأهوالًا عظيمة تدهش النَّاس وتحيِّرهم (ثُمَّ قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ) أي فليسألني عنه (فَلاَ) وفي رواية (تَسْأَلُونِي) بلفظ النفي وحذف نون الوقاية (عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَخْبَرْتُكُمْ) أي إلا أخبركم به، فاستعمل الماضي موضع المستقبل إشارة إلى تحقُّقه وأنَّه كالواقع (مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا) أي مدَّة دوامي على المنبر، أو مدَّة دوامي على تلك الحالة السنيَّة وهي مقام الكشف ورفع الحجب عنه، واسم الإشارة ساقطٌ عند الأكثر.

(فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي الْبُكَاءِ) وهو يمدُّ ويُقصر، وإذا مددت أردت الصَّوت الذي يكون في تلك الحالة، وإذا قصرت أردت الدُّموع وخروجها، وكان بكاؤهم خوفًا من نزول العذاب لغضبه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مقالة المنافقين كما كان ينزل على الأمم السَّابقة عند ردِّهم على أنبيائهم عليهم السَّلام، ولذلك قال عمر رضي الله عنه رضينا بالله ربًّا. .. إلى آخره، أو لِمَا سمعوه من أهوال يوم القيامة والأمور العِظام التي فيها.

(وَأَكْثَرَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنْ يَقُولَ سَلُونِي، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ) بضم المهملة وفتح المعجمة وبالفاء

ج 3 ص 476

(السَّهْمِيُّ) بفتح المهملة وسكون الهاء، المُهَاجريُّ رضي الله عنه، وقد تَقدَّم في باب من برك على ركبتيه في كتاب العلم [خ¦93] .

(فَقَالَ) يا رسول الله؛ (مَنْ أَبِي؟ قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَبُوكَ حُذَافَةُ) قال الواقديُّ إنَّ عبد الله بن حُذافة كان يَطعن في نسبه، فأراد أن يبيِّن له ذلك، فقالت له أمُّه أما خشيتَ أن تكونَ فارقت بعض ما كان يصنع في الجاهليَّة أكنتَ فاضحي عندَ رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقال والله لو ألحقني بعبدٍ للحقتُ به.

(ثُمَّ أَكْثَرَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنْ يَقُولَ سَلُونِي فَبَرَكَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) بالتثنية (فَقَالَ) وفي رواية .

(رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَبِيًّا [1] ، فَسَكَتَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ثُمَّ قَالَ عُرِضَتْ) على البناء للمفعول (عَلَيَّ) بتشديد الياء (الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا) بمد الهمزة، ويجوز قصرها؛ أي في أوَّل وقتٍ يقرب منِّي وهو الآن، وانتصابه على الظَّرفيَّة لتَضَمُّنه معنى الظَّرفِ.

(فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ) بضم العين المهملة؛ أي ناحيته وجانبه، يقال عرض الشَّيء؛ أي ناحيته من أي وجهٍ جئتَه، وعرضُهما عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إمَّا بأن تكونا رُفِعتَا إليه، أو زُوِّيَ له ما بينهما، أو مُثِّلَتَا له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(فَلَمْ أَرَ) أي لم أبصر (كَالْخَيْرِ) أي مثل الخير الذي في الجنَّة، أو هو الجنَّة (وَالشَّرِّ) الذي في النَّار، أو هو النَّار، أو ما أبصرتُ شيئًا مثل الطَّاعة والمعصية في سبب دخول الجنَّة والنَّار.

ومباحث هذا الحديث قد تقدَّمتْ في باب مَنْ بركَ على رُكبتيه في كتاب العلم [خ¦93] .

[1] في هامش الأصل روى الأربعة والحاكم وأحمد والطبراني من حديث أبي سلَّام خادم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من قال رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبيًا إذا أصبح وأمسى كان حقًا على الله أن يرضيه ) ). وفي رواية (( حتى يُدْخِلَه الجنة ) ). منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت