فهرس الكتاب

الصفحة 879 من 11127

541 - (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارث الحوضيُّ، وقد تكرَّر ذكره [خ¦168] [خ¦175] [خ¦412] [خ¦532] (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحَجَّاج (عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ) وفي روايةٍ وهو _ بكسر الميم وسكون النون _، واسمه سَيَّار _ بفتح المهملة وتشديد المثناة التحتية _، ابن سلامة الرِّيَاحي _ بكسر الرَّاء وتخفيف المثناة التَّحتية وبالحاء المهملة _ البَصريِّ.

(عَنْ أَبِي بَرْزَةَ) بفتح الموحدة وسكون الرَّاء ثم بالزَّاي، الأسلميِّ، واسمه نَضْلة _ بفتح النون وسكون الضَّاد المعجمة _، ابن عُبَيْد مصغَّرًا، أسلم قديمًا، وشهدَ فتح مكَّة، ولم يزلْ يغزو مع رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى قُبِضَ فتحوَّل ونزل البصرة، ثمَّ غزا خُرَاسان ومات بمَرُو أو بالبصرة، أو بمفازة سجستان سنة أربع وستين، روى له البخاري أربعة أحاديثٍ.

[خ¦568] [خ¦7112] [خ¦6127] [خ¦7271] ورجال هذا الإسناد ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ،

ج 3 ص 477

ويجوز أن يُقَال كلُّهم بصريُّون؛ لأنَّ شُعْبة وإن كان مِن واسطَ فقد سكنَ البصرة ونُسِبَ إليها، وقد أخرج متنه مسلم وأبو داود والنَّسائي أيضًا.

(كَانَ) وفي روايةٍ (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا) أي والحال أنَّ أحدنا (يَعْرِفُ جَلِيسَهُ) أي مُجَالِسَه، وأراد به الذي بجنبه.

وفي وراية الجوزقيِّ من طريق وهب بن جرير، عن شعبة (( فينظر الرَّجل إلى جليسه إلى جنبه فيعرف وجهه ) )، ولأحمد (( فينصرف الرَّجل فيعرف وجه جليسه ) )، وفي رواية لمسلم (( فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه ) )، وله في أخرى (( وننصرف حين يعرف بعضُنا جه بعض ) )، والمُراد أنَّه كان يصلِّي عند الإسفار.

(وَيَقْرَأُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فِيهَا) أي في صلاة الصُّبح (مَا بَيْنَ السِّتِّينَ) من آي القرآن العظيم (إِلَى الْمِائَةِ) وكان القياسُ أنْ يُقال والمئة بدون حرف الانتهاء؛ لأنَّ لفظ «بين» يقتضي التَّعدد، لكنْ تقديره ما بين السِّتين وفوقها إلى المئة، وحُذِفَ لفظُ «وفوقها» لدَلالة السِّياق عليه.

(وَ) كان يصلِّي (الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) أي مالتْ إلى جهةِ المَغرب (وَ) يُصلِّي (وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا) أي والحال أنَّ أحدنا (يَذْهَبُ) من المسجد (إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ) أي إلى منزله في آخر المدينة (رَجَعَ) كذا وقع بلفظ الماضي بدون الواو في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ، وأمَّا في رواية غيرهما فالواقع بواو العطف وصيغة المضارع؛ أي ويرجع إلى المسجد، كما هو الظَّاهر من السَّوق، لكن رواية عوف الآتية [خ¦547] آبيةٌ عنه كما ستقفُ عليه، فالصَّوابُ أنْ يكونَ في مقام التَّفسير لقوله يذهب. .. إلى آخره.

وعلى الرِّوايةِ الأولى فهو في محلِ النَّصب على الحال بتقدير قد، كما في قوله تعالى {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء 90] أي حال كونه راجعًا من المسجد إلى منزلهِ، أو راجعًا من المنزلِ إلى المسجدِ.

لكن على هذا يكون حالًا مقدَّرةً؛ أي حالَ كونه مقدرًا الرُّجوع إلى المسجد، لكن الصَّوابُ أن يكونَ الرُّجوع من المسجد لا إلى المسجد لما في رواية عوف الآتية (( ثمَّ يرجع أحدُنا إلى رَحْلِه في أقصى المدينة ) ) [خ¦547] فليسَ فيه إلَّا الذَّهاب إلى المنزل فقط دونَ الرُّجوع؛ لأنَّ المراد بالرُّجوع هو الذَّهاب إلى المنزل، وإنَّما سُمِّيَ رجوعًا؛ لأن ابتداء المجيء كان من المنزل إلى المسجد فكان الذَّهاب منه إلى المنزل رجوعًا.

ويُحْتَمل أن يكون قوله (( رجع ) )في محل الرَّفع على أنَّه خبرٌ للمبتدأ؛ أعني قوله (( واحدنا ) )، وقوله (( يذهبُ ) )في محل النَّصبِ على الحال؛ أي واحدنا رجع حالَ كونه ذاهبًا إلى منزله في آخر المدينة.

(وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) بيضاءُ لم يتغيَّر لونها ولا حرُّها، وإنَّما يدخلها التَّغيُّر بدنو المغيب، فكأنَّه جعلَ مغيبَها موتًا لها.

ج 3 ص 478

قال أبو المِنْهال (وَنَسِيتُ مَا قَالَ) أبو برزَةَ (فِي الْمَغْرِبِ، و) كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لاَ يُبَالِي) من المبالاة وهو الاكتراث بالشَّيء (بِتَأْخِيرِ) صلاة (الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ) أبو المَنَهال (إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) أي نصفه.

لا يُقال الذي يُفْهمُ منه أنَّ وقت العشاء لا يتجاوز النِّصف؛ لأن الأحاديث الأخر تدلُّ على بقاء وقتها إلى طلوع الفجر، وإنَّما المراد بالنِّصف أو الثُّلث هاهنا هو الوقت المستحبُّ المُخْتَار.

وقد اختُلِف فيه، والأصحُّ أنَّه هو الثُّلث الأول، قالوا إنَّ للعشاء أربعة أوقات وقتُ فضيلةٍ هو أوَّل الوقت، ووقتُ اختيارٍ هو إلى ثلث اللَّيل، ووقت جوازٍ هو إلى طلوع الفجر، ووقتُ عذرٍ هو وقت المغربِ لمَنْ يجمع، والله أعلم.

(وَكَانَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا) أي قبل العشاء (وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا) ولم يوجد هذا في أكثرِ النُّسخِ (وَقَالَ مُعَاذٌ) هو ابن مُعَاذ بن نصر بن حسَّان العَنْبَريُّ، التَّميميُّ، البصريُّ، قاضي البصرة، سمع شُعبة وغيره، ومات سنة ستٍ وتسعين ومئة، وفي رواية ابن عساكر .

(قَالَ شُعْبَةُ) هو ابن الحَجَّاج (ثُمَّ لَقِيتُهُ) أي أبا المِنْهال (مَرَّةً) أخرى بعد ذلك (فَقَالَ أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ) أي رَدَّد بين الشَّطر والثُّلث، ووقع عند مسلمٍ من طريقِ حمَّاد بن سلمة، عن أبي سلمة الجزم بقولهِ (( إلى ثلثِ اللَّيل ) )، وكذا لأحمدَ، عن حجَّاج، عن شُعْبة.

قال الكرمانيُّ هذا تعليقٌ قطعًا؛ لأنَّ البخاري لم يدركه.

وقال محمود العيني هو مسندٌ في «صحيح مسلم» قال حدَّثنا عبيد الله بن مُعاذ، عن أبيه، عن شُعْبة. فذكره.

ومن فوائد الحديث ما ذهب إليه الحنفيَّة من استحباب الإسفار بصلاةِ الصُّبح، فإنَّ قوله (( وأحدنا يعرفُ جليسَه ) )يدلُّ على الإسفار.

ولفظ النَّسائيِّ والطَّحاويِّ فيه كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينصرفُ من الصُّبح فينظر الرَّجل إلى الجليس الذي يعرفه فيعرفُه، ولكن قوله فيقرأ فيها ما بين السِّتين إلى المئة يدلُّ على أنَّه كان يَشرعُ في الغلس، ويمدها بالقراءة إلى وقت الإسفار، وإليه ذهب الطَّحاويَّ.

ومنها أنَّ وقت الظُّهر من زوالِ الشَّمسِ عن كبدِ السَّماء، ومنها أنَّ الوقتَ المستحبَّ للعصر أن يُصلِّيَ ما دامت الشَّمس حيَّةً، وهذا يدلُّ على أنَّ المُستحبَّ تعجيلها كما ذهبَ إليه مالكٌ، والشَّافعيُّ، وأحمدُ.

وفي رواية أبي داود (( كان يُصَلِّي العصرَ والشَّمسُ بيضاءَ مرتفعة حيَّة، ويذهب الذَّاهب إلى العوالي

ج 3 ص 479

والشَّمسُ مرتفعة )) . والعوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة.

قالَ ابنُ الأثيرِ وأدناها من المدينة على أربعةِ أميالٍ، وأبعدها من جهةِ نجدٍ ثمانية، ولكنْ في روايةِ الزُّهريِّ أدناها من المدينة على ميلين، كما ذكرهُ أبو داود.

وقال النَّوويُّ وأراد بهذا الحديث المبادرة بصلاةِ العصرِ أولَ وقتها؛ لأنَّه لا يمكن أن يذهبَ بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة والشَّمسُ بعدُ لم تتغير إلا إذا صُليَتْ أول وقتها، ثمَّ قال وفيه دليل لمالك، والشَّافعي، وأحمد، والجمهور أن وقت العصر يدخل إذا صار ظلُّ كل شيء مثله.

وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يدخلُ حتَّى يصيرَ ظلُّ كل شيءٍ مثليه، وهذا حجَّةٌ للجماعة عليه.

والجوابُ من جهة أبي حنيفة أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بإبراد الظُّهر؛ يعني صلُّوها إذا سكنتْ شدَّةُ الحرِ، واشتدادُ الحرِّ في ديارهم يكون في وقت صيرورة ظلِّ كلِّ شيءٍ مثله، ولا يفترُ الحرُّ إلَّا بعد المثلين، فإذا تعارضت الآثار يبقى ما كان على ما كان، ووقت الظُّهر ثابتٌ بيقينٍ فلا يزول بالشَّكِّ، ووقت العصر ما كان ثابتًا فلا يدخل بالشَّكِّ.

ومنها أنَّ الوقتَ المستحبَ للعشاءِ تأخيره إلى ثلثِ اللَّيل أو إلى شطره وهو حُجَّة على من فَضَّل التَّقديمَ.

وقال الطَّحاويُّ تأخيرُ العشاء إلى ثلث اللَّيل مستحب، وبه قال مالك وأحمد، وأكثر الصَّحابة والتَّابعين ومن بعدهم، قاله التِّرمذي، وإلى النصف مباح وما بعده مكروه.

وحكى ابن المُنْذرِ أن المنقولَ عن ابن مسعودٍ وابن عبَّاس رضي الله عنهما تأخيرها إلى ثلثِ اللَّيلَ، وهو مذهب إسحاق واللَّيث أيضًا، وبه قال الشَّافعيُّ في كتبه الجديدة، وفي الإملاء والقديم تقديمها، وقال النَّوويُّ وهو الأصح.

ومنها كراهةُ النَّومِ قبلَ العشاءِ؛ لأنَّه تَعرُّضٌ لفواتها باستغراقِ النَّومِ.

ومنها كراهةُ الحديثِ بعدها، وذلك لأنَّ السَّهر في اللَّيل سببٌ للكسل في النَّوم عمَّا يتوجه من حقوق النُّوم والطَّاعات، ومصالح الدين، قالوا المكروه ما كان من الأمور التي لا مصلحةَ فيها، أمَّا ما فيهِ مصلحةٌ وخير فلا كراهةَ فيه، وذلك كمُدارسةِ العلم، وحكاياتِ الصَّالحينَ، ومحادثة الضَّيفِ والعروسِ للتَّأنيس، ومحادثةِ الرَّجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثةِ المُسافرين لحفظِ متاعهم أو أنفسهم، والحديثِ في الإصلاحِ بينَ النَّاسِ والشَّفاعةِ إليهم في خيرٍ، والأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكر، والإرشاد إلى مصلحة ونحو ذلك وكلُّ ذلك لا كراهة فيه.

ج 3 ص 480

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت