فهرس الكتاب

الصفحة 8782 من 11127

5899 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن عيسى منسوبٌ إلى حميد أحد أجداده، المكي الإمام، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرحمن بن عوف (وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) بالتحتية والمهملة، كذا جَمَعَ بينهما، وتابعه الأوزاعيُّ عن الزُّهريِّ أخرجه النَّسائي، ورواه صالح بن كَيسان ويونس ومَعمر عن الزُّهريِّ عن أبي سلمة وحدَه، وقد مضت رواية صالح في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3462] ورواية الآخرين عند النسائي.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)

ج 25 ص 235

في رواية إسحاق بن راهويه عن سفيان بسنده أنَّهما سمعا أبا هريرة رضي الله عنه أخرجه النَّسائي أنَّه قال (قَالَ رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لاَ يَصْبُغُونَ) أي شَيْب لحاهم (فَخَالِفُوهُمْ) يعني بالصَّبغ، وفي رواية مسلم (( فخَالِفوا عليهم واصْبغوا ) )، وفي رواية أحمد بسندٍ حسنٍ عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال خرج رسول الله عليه وسلم على مشيخةٍ من الأنصار بيضٌ لحاهم، فقال (( يا معشر الأنصار حمِّروا وصفِّروا وخالفوا أهل الكتاب ) ).

وأخرج الطبرانيُّ في «الأوسط» نحوه من حديث أنس رضي الله عنه، وفي «الكبير» من حديث عُتبة بن عبدٍ كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يأمرُ بتغيير الشَّيب مخالفةً للأعاجم، وقيل ثبت أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يُوافق أهل الكتاب ما لم ينزل عليه شيءٌ بخلافهِ، ولهذا قيل شرع من قبلنا يلزمنَا ما لم يقصَّ الله بالإنكار.

وأُجيب بأنَّه كان ذلك في أوَّل الإسلام ائتلافًا لهم ومخالفةً لعبدة الأوثان، فلمَّا أغنى الله تعالى عن ذلك وأظهر الإسلام على الدِّين كلِّه أحبَّ المخالفة. وقال ابنُ أبي عاصم قوله (( فخالفوهم ) )إباحةٌ منه أن يُغيَّر الشَّيب بكلِّ ما شاء المُغيِّر له إذ لم يتضمَّن قوله «فخالفوهم» أن أصبغوا بكذا وكذا دون كذا وكذا.

ورُوِيَ من حديث الأَجْلح عن عبد الله بن بُريدة، عن أبي الأسود الدُّؤلي، عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ أحسنَ ما غيَّرتم الشَّيب الحنَّاء والكَتَم ) ). وفي رواية (( إنَّ أفضل ) ). وعن ابن عبَّاس وأنس وعبد الله بن بُريدة عن أبيه رضي الله عنهم مثله، وهذا يحتمل أن يكون على التَّعاقب، ويحتمل الجمع كما سيأتي.

ومن حديث الضَّحَّاك بن حمزة، عن غيلان بن جامع، وإياد بن لقيط عن أبي رِمْثة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وله شعرٌ مخضوبٌ بالحنَّاء والكَتَم، وروى الأوزاعيُّ قال (( اخضبوا فإنَّ اليهود والنَّصارى لا يخضبون ) ). وروى ابن أبي عاصم من حديث هشام عن أبيه، عن الزُّبير بن العوَّام رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( غيِّروا الشَّيب

ج 25 ص 236

ولا تشبَّهوا باليهود )) ورجاله ثقاتٌ، لكن اختلف على هشام بن عروة فيه كما بيَّنه النَّسائي وقال إنَّه غير محفوظٍ.

وأخرجه الطبرانيُّ في «الأوسط» من حديث عائشة رضي الله عنها وزاد (( النَّصارى ) )، ثمَّ إنَّ الكلام في هذا الباب على نوعين

الأوَّل في تغيير الشَّيب، واختلفوا فيه فروى شعبة عن الرُّكين بن الربيع قال سمعت القاسم بن محمَّد يُحدِّث عن عبد الرحمن بن حَرْملة، عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يكره تغيير الشَّيب. وروى الطَّبرانيُّ من حديث عَمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدِّه أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( من شاب شيبةً في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامةِ إلَّا أن ينتفَها أو يخضبَها ) ).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يكرهُ خصالًا فذكر منها تغيير الشَّيب، وقد غيَّر جماعةٌ من الصَّحابة والتَّابعين الشَّيب، فرُوي عن قيس بن أبي حازم قال كان أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه يخرجُ إلينا وكأنَّ لحيتَه ضرام العرفج من الحنَّاء والكتم.

وأخرج مسلمٌ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال اختضبَ أبو بكر بالحنَّاء والكَتَم، واختضبَ عمر رضي الله عنه بالحناء بَحْتًا _ بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة وبالمثناة الفوقية _؛ أي صرفًا خالصًا وذلك يشعر بأنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه كان يجمعُ بينهما دائمًا لا على سبيل التَّعاقب، والكَتَم نباتٌ باليمن يُخرجُ الصِّبغ أسود يميلُ إلى الحمرة، وصبغ الحنَّاء أحمر، فالصَّبغ بهما معًا يخرج بين السَّواد والحمرة.

وكان الشعبيُّ وابنُ أبي مُليكة يختضبان به، وممَّن كان يصبغُ بالصُّفرة علي وابن عمر والمغيرة وجرير البَجَلي وأبو هريرة وعطاء وأبو وائل والحسن وطاوس وسعيد بن المسيِّب. وقال المحبُّ الطبريُّ والصَّواب عندنا أنَّ الآثار التي رُويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتغييره، والنَّهي عنه صحاح، ولكن بعضها عامٌّ وبعضُها خاصٌّ.

فقوله (( خالفوا اليهود وغيِّروا الشَّيب ) )المراد منه الخصوص؛ أي غيروا الشَّيب الَّذي هو نظير شيبة أبي قحافة، وأمَّا من كان أشمط فهو الَّذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يغيِّره وقال (( من شاب شيبةً ... ) )الحديث؛ لأنَّه لا يجوز أن يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولٌ متضادٌّ ولا نسخ، فتعين الجمع، فمن غيَّره

ج 25 ص 237

من الصَّحابة فمحمولٌ على الأوَّل، ومن لم يغيِّره فعلى الثاني مع أنَّ تغييره ندبٌ لا واجبٌ، أو كان النَّهي نهي كراهةٍ لا تحريم؛ لإجماع سلف الأمَّة وخلفها على ذلك، وكذلك الأمر فيما أمر به على وجه النَّدب.

وجمع بعضهم بأنَّ من صبغ منهم كان اللَّائق به كمن يستبشعُ شيبه، ومن ترك كان اللَّائق به كمن لا يستبشع شيبه، وعلى ذلك حمل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر بن سَمُرة في قصَّة أبي قُحافة حيث قال صلى الله عليه وسلم حين رأى رأسه كأنَّها الثُّغامة بياضًا «غيِّروا هذا وجنِّبوه السَّواد» . وزاد الطبريُّ وابن أبي عاصم من وجهٍ آخر عن جابرٍ فذهبوا به فحمَّروه.

والثُّغَامة بضم المثلثة وتخفيف المعجمة، نباتٌ شديد البياض زهره وثمره، فمن كان في مثل حال أبي قحافة استحبَّ له الخضاب؛ لأنَّه لا يحصل به الغرور لأحد، ومن كان بخلافه فلا يستحبُّ في حقِّه ولكنَّ الخضاب مطلقًا أولى؛ لأنَّ فيه امتثال الأمر في مخالفة أهل الكتاب إلَّا إن كان من عادة أهل البلد ترك الصَّبغ، فإنَّ الذي ينفرد دونهم بذلك يصير في مقام الشُّهرة والتَّرك في حقِّه أولى. ونقل عن أحمد أنَّه يجب، وعنه يجب ولو مرَّةً، وعنه لا أحب لأحدٍ أن يتركَ الخضب، ويتشبَّه بأهل الكتاب. وجنح الطحاويُّ إلى أنَّ هذه الكراهة نُسخت بحديث الباب. قيل [1] ودعوى النَّسخ لا دليل عليها. وقال ابن العربيِّ وإنَّما نهى عن النَّتف دون الخضب؛ لأنَّ فيه تغيير الخلقة من أصلها بخلاف الخضب، فإنَّه لا يغير الخلقة على النَّاظر.

النَّوع الثاني فيما يُصبغُ به واختلف فيه فالجمهور على أنَّ الخضاب بالحمرة والصُّفرة دون السَّواد، لما رُوي فيه من الأخبار المشتملة على الوعيد. فروى عبد الكريم عن ابن جبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما يرفعه (( يكون في آخر الزمان قومٌ يخضبون بالسَّواد لا يجدون ريح الجنَّة ) ).

وأجاب عنه ابنُ أبي عاصم بأنَّه لا دَلالة فيه على كراهة الخضاب بالسَّواد

ج 25 ص 238

بل فيه الإخبار عن قومٍ هذه صفتُهم، وعن حديث جابر بن سَمُرة وجنِّبوه السَّواد بأنَّه في حقِّ من صار شيبه مستبشعًا ولا يطَّرد ذلك في حقِّ كلِّ أحدٍ، انتهى.

وما قاله خلاف المتبادر من سياق الحديثين، نعم يشهدُ له ما أخرجه هو عن ابن شهاب قال كنَّا نخضبُ بالسَّواد إذ كان الوجه جديدًا، فلمَّا نَغِضَ الوجه والأسنان تركناهُ. وقد أخرج الطَّبرانيُّ وابن أبي عاصمٍ من حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه رفعه (( من خضبَ بالسَّواد سوَّد الله وجهه يوم القيامةِ ) )وسنده ليِّنٌ. وروى المثنَّى بن الصَّبَّاح، عن عَمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من خضبَ بالسَّواد لم ينظرِ الله إليه ) )ورُوي عن أنسٍ رضي الله عنه يرفعه (( غيِّروا ولا تغيروا بالسَّواد ) ).

والحاصل أنَّ منهم من رخَّص فيه مطلقًا، وأنَّ الأولى كراهته، وجنَّح النَّووي إلى أنَّها كراهة تحريم، ورخَّص طائفةٌ من السَّلف منهم سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغير واحدٍ. واختاره ابنُ أبي عاصم في كتاب «الخضاب» له، وذكر بأسانيده أنَّ حسنًا وحسينًا رضي الله عنهما يخضبان؛ أي بالسَّواد. وكذلك ابن شهاب، وقال أحبُّه إلينا أحلكه، وكان إسماعيلُ بن أبي عبد الله يخضبُ بالسَّواد.

وعن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أنَّه كان يأمرُ بالخضاب بالسَّواد، ويقول هو تسكينٌ للزوجة، وأهيب للعدوِّ، وعن ابنِ أبي مليكة أنَّ عثمان رضي الله عنه كان يخضبُ به، ومن التَّابعين علي بن عبد الله بن عبَّاس وعروة بن الزُّبير وابن سيرين وأبو بُردة كانوا يخضبون به.

وروى ابنُ وهب عن مالك قال لم أسمع في صبغ الشَّعر بالسَّواد نهيًا معلومًا وغيره أحبُّ إليَّ، وعن أحمد فيه روايتان، وعن الشَّافعيَّة أيضًا روايتان والمشهورة يُكره، وقيل يحرمُ، ويتأكَّد المنع لمن دلَّس به. وذكر الكلبيُّ أنَّ أوَّل من صبغ بالسَّواد من العرب هو عبدُ المطلب، وأمَّا أوَّل من صبغ لحيته بالسَّواد، ففرعون موسى عليه السَّلام وبعضهم فرَّق بين الرَّجل والمرأة،

ج 25 ص 239

فأجازه لها دون الرَّجل، واختاره الحليميُّ. وأمَّا خضب اليدين والرِّجلين فلا يجوز للرِّجال إلَّا للتداوي.

ومطابقةُ الحديث للترجمة تُؤخذ من قوله (( فخالفوهم ) )لأنَّ مخالفتهم بالخضاب، وقد أخرجهُ مسلمٌ في «اللباس» ، وكذا أخرجه أبو داود والنَّسائي وابن ماجه.

[1] في هامش الأصل طبري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت