فهرس الكتاب

الصفحة 8798 من 11127

5917 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس الكوفيُّ، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابنُ إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بتصغير الابن وتكبير الأب؛ أي ابن عُتبة بن مسعود أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي اليهود استئلافًا لهم (فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ) أي فيما لم يوحَ إليه بشيءٍ في ذلك، وفي رواية مَعمر وكان إذا شكَّ في أمرٍ لم يُؤمر فيه بشيءٍ صَنع ما يصنعُ أهل الكتاب. قال العينيُّ وفيه أنَّه كان يتَّبع شرع موسى وعيسى عليهما السَّلام قبل أن ينزلَ في تلك المسألة شيءٌ يُوحى إليه، فإن قيل قد مرَّ عن قريبٍ أنَّه قال «خالفوهُم» [خ¦5892] أجيب بأنَّه قال ذلك حين أمر بالمخالفة.

(وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ) بسكون السين وكسر الدال المهملتين وبضم الدال أيضًا، وقد ضبطه الدِّمياطي في «حاشيته» الصَّحيح بالضم، وكذا ضبطه المنذريُّ في «حاشية السنن» أي يرسلون (أَشْعَارَهُمْ) يُقال سدلَ ثوبهُ إذا أرخاه ليسدِّله بالكسر وبالضم وشعره منسدلٌ، ضدُّ منفرق؛ لأنَّ السَّدل مستلزمٌ لعدم الفرق وبالعكس (وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ) أي عبدة الأوثان من قريش (يَفْرُقُونَ) بفتح التحتية وسكون الفاء وضم الراء وقد شدَّدها بعضُهم، حكاه القاضي عياض قال والتَّخفيف أشهر وكذا

ج 25 ص 251

في قوله (( ثمَّ فرق ) )الأشهر فيه التَّخفيف (رُؤوسَهُمْ) يقسمون شعرها من وسطها (فَسَدَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاصِيَتَهُ) موافقة لأهل الكتاب (ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ) وفي رواية مَعمر (( ثمَّ أُمر بالفرق ففرق ) )وكان آخر الأمرين، وكأنَّ الحكمة في ذلك أنَّ أهل الأوثان أبعد من الإيمان من أهل الكتاب، ولأنَّ أهل الكتاب يتمسَّكون بشريعةٍ في الجملة، فكان يحبُّ موافقتهم ليتألَّفهم، ولو أدَّت موافقتهم إلى مخالفة أهل الأوثان، فلمَّا أسلم أهل الأوثان الذين معه والَّذين حوله واستمرَّ أهل الكتاب على كفرهم تمحَّضت المخالفة لأهل الكتاب.

وممَّا يشبه الفرق والسَّدل صبغ الشَّعر وتركه كما تقدَّم [خ¦5889] ، ومنه صومُ يوم عاشوراء، ثمَّ أمر بنوعِ مخالفة لهم فيه بصوم يومٍ قبله أو بعده، ومنه استقبال القبلةِ، ومخالفتهم في مخالطة الحائض حتَّى قال (( اصنعوا كلَّ شيءٍ إلَّا الجماع ) )فقالوا ما يدعُ من أمرنا شيئًا إلَّا خالفنا فيه. ومنه على ما قيل صوم يوم السَّبت، وقد جاء ذلك من طرقٍ متعدِّدة في النَّسائي وغيره، وصرَّح أبو داود بأنَّه منسوخٌ، وناسخه حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يصومُ السبت والأحد ويتحرَّى ذلك، ويقول «إنَّهما يوما عيدٍ للكفَّار وأنا أحبُّ أن أخالفهم» .

وفي لفظ (( ما مات صلى الله عليه وسلم حتَّى كان أكثر صيامه السَّبت والأحد ) )، أخرجه أحمد والنسائي. وأشار بقوله (( يوما عيدٍ ) )إلى أنَّ السبت عيد عند اليهود والأحد عيدٌ عند النصارى، وأيام العيد لا يُصام فيها، فخالفهم بصيامهما.

ويستفادُ من هذا أنَّ الَّذي قاله بعض الشَّافعيَّة من كراهة إفراد السَّبت، وكذا الأحد ليس جيِّدًا، بل الأولى في المحافظة على ذلك يوم الجمعة، كما ورد فيه الحديث الصَّحيح [خ¦1984] . وأمَّا السَّبت والأحد فالأولى أن يُصاما معًا وفُرادى امتثالًا لعموم الأمر بمخالفةِ أهل الكتاب.

وقال القاضي عياض سَدْلُ الشَّعر إرساله، يُقال سدلَ شعره إذا أرسله ولم يضمَّ جوانبه، وكذا الثَّوب، والفرق تفريق الشَّعر بعضه من بعضٍ وكشفه عن الجبين، قال والفرق سنة

ج 25 ص 252

لأنَّه الَّذي استقرَّ عليه الحال، والَّذي يظهر أنَّ ذلك وقع بوحيٍ لقول الراوي في أوَّل الحديث إنَّه كان يحبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمر فيه بشيءٍ، فالظَّاهر أنَّه فرق بأمرٍ من الله تعالى حتَّى ادَّعى بعضهم فيه النَّسخ ومنع السدل واتِّخاذ النَّاصية، وحُكِي ذلك عن عمر بن عبد العزيز.

وتعقَّبه القرطبيُّ بأنَّ الظَّاهر أنَّ الَّذي كان صلى الله عليه وسلم يفعله إنَّما هو لأجل استئلافهم، فلمَّا لم ينجع فيهم أحبَّ مخالفتهم فكانت مستحبَّة لا واجبة عليه. وقول الرَّاوي فيما لم يُؤمر فيه بشيءٍ؛ أي لم يُطلب منه، والطَّلب يشمل الوجوب والنَّدب، وأمَّا توهُّم النَّسخ في هذا فليس بشيءٍ لإمكان الجمع بل يحتمل أن لا يكون الموافقة والمخالفة حكمًا شرعيًّا إلَّا من جهة المصلحة، قال ولو كان السَّدل منسوخًا لصار إليه الصَّحابة أو أكثرهم.

والمنقول عنهم أنَّ منهم من كان يفرق، ومنهم من كان يسدل، ولم يعبْ بعضهم على بعضٍ، وقد صحَّ أنَّه كانت له صلى الله عليه وسلم لمَّةٌ فإن انفرقت فرَّقها وإلَّا تركها، فالصَّحيح أنَّ الفرق مستحبٌّ لا واجبٌ وهو قول مالك والجمهور. قال الحافظ العسقلانيُّ وقد جزم الحازميُّ بأنَّ السَّدل نُسِخَ بالفرق، واستدلَّ برواية معمر التي تقدَّمت.

وقال النوويُّ الصَّحيح جواز السَّدل والفرق، وقال واختلفوا في معنى قوله «يُحِبُّ موافقة أهل الكتاب» ، فقيل للاستئلاف كما تقدَّم، وقيل المراد أنَّه كان مأمورًا باتِّباع شرائعهم فيما لم يوحَ إليه فيه شيءٌ، وما علم أنَّهم لم يبدلوه.

واستدلَّ به بعضهم على أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا حتَّى يَرِدَ في شرعنا ما يُخالفُه وعَكَسَ بعضهم واستدلَّ به على أنَّه ليس بشرعٍ لنا؛ لأنَّه لو كان كذلك لم يقل «يُحِبُّ» ، بل كان يتحتَّم الاتباع، والحقُّ أن لا دليل في هذا على المسألة؛ لأنَّ القائل به يَقْصُرُه على ما ورد في شرعنا أنَّه شُرِعَ لهم لا ما يُؤخذ عنهم

ج 25 ص 253

إذ لا وثوق بنقلِهم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت