فهرس الكتاب

الصفحة 8816 من 11127

5927 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي ابنُ نُمير الهَمْدانيُّ الكوفيُّ، وهو شيخ مسلم أيضًا قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعاني، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي ابن شهابٍ (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) سعيد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) ظاهر سياقه أنَّه من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم. وليس كذلك وإنَّما هو من كلام الله عزَّ وجلَّ، وهو من رواية النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ربِّه عزَّ وجلَّ. كذلك أخرجه البخاريُّ في «التوحيد» [خ¦7538] من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال يرويه عن ربِّكم عزَّ وجلَّ قال (( لكلِّ عملٍ كفَّارة فالصَّوم لي وأنا أجزي به ... ) )الحديث.

وأخرجه الشَّيخان من رواية الأعمش عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( كلُّ عملِ ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى إلَّا الصَّوم فإنَّه لي وأنا أجزي به ) ) [خ¦7492] . وفي رواية مسلم من طريق ضرار بن مرَّة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه وأبي سعيد رضي الله عنه قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول (( إنَّ الصَّوم لي وأنا أجزي به ) )وهو من جملة الأحاديث القدسيَّة.

فإن قيل كلُّ العبادة لله تعالى فما معنى إضافة الصَّوم له؟ أُجيب بأجوبةٍ كثيرةٍ نحو الخمسين، ومن جملتها أنَّه عبادةٌ خاليةٌ عن السَّعي، وإنَّما هي تركٌ محضٌّ. ومنها أنَّه هو لي فلا يشغلك ما هو لك عمَّا هو لي. ومنها أنَّ من شغله ماله عنِّي

ج 25 ص 267

أعرضت عنه وإلَّا كنت له عوضًا عنه. ومنها أنَّه لا يقطعك ما لي عنِّي، ومنها لا يشغلك المُلْك عن المالك، ومنها فاشكر لي على أن جعلتك محلًا للقيام بما هو لي، ومنها لا تجعل لنفسك فيه حكمًا، ومنها من ضيَّع حرمة ما لي ضيَّعت حرمة ماله.

ومنها أنَّ فيه جبر الفرائض والحدود، ومنها أنَّ من أدَّاه بما لي وهو نفسه صحَّ البيع، ومنها كن بحيث تصلح أن تؤدِّي ما لي، ومنها أنَّه إضافةٌ إلى نفسه؛ لأنَّ به يتذكَّر العبد نعمة الله عليه في الشَّبع، ومنها أنَّ فيه تقديم رضا الله تعالى على هوى النَّفس.

ومنها أنَّ فيه التَّمييز بين الصَّائم المطيع وبين الآكل العاصي، ومنها أنَّه كان محلَّ نزول القرآن، ومنها أنَّ ابتداءه على المشاهدة وانتهاءهُ على المشاهدة؛ لحديث (( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) )، ومنها أنَّ فيه رياضة النَّفس بترك المألوفات، ومنها أنَّ فيه حفظ الجوارح عن المخالفات، ومنها أنَّ فيه قطع الشَّهوات، ومنها أنَّ فيه مخالفة النَّفس بترك محبوبها، وفي مخالفة النَّفس موافقة الحقِّ، ومنها أنَّ فيه اللِّقاء، ومنها أنَّ فيه مشاهدة الآمر به، ومنها أنَّه مجمع العبادات؛ لأنَّ مدارها على الصَّبر والشُّكر وهما حاصلان فيه.

ومنها أنَّ معناه الصَّائم لي؛ لأنَّ الصَّوم صفة الصَّائم، ومنها أنَّ معنى الإضافة الإشارة إلى الحماية لئلَّا يطمع الشَّيطان في إفساده، ومنها أنَّه عبادةٌ استوى فيه الحرُّ والعبد والذَّكر والأنثى، والعمدة في ذلك أنَّه لم يُعبد به غيره تعالى إذ لم يُعظِّم الكفَّار معبودهم في وقت من الأوقات بالصيام له، وأنَّه عمل سريٌّ لا مدخل للرِّياء فيه.

وأنَّ الاستغناء عن الطَّعام وغيره من الشَّهوات من صفاته تعالى فلمَّا تقرَّب الصَّائم إليه عزَّ وجلَّ بما يوافق صفاته أضافه إليه. وقوله (( وأنا أجزي به ) )إشارةٌ إلى عظم الثَّواب وكثرته، فإنَّه تعالى إذا تولَّى شيئًا بنفسه المقدسة دلَّ على عظم ذلك الشَّيء، وخطر قدره إذ عظمة المُعطي دليل عظمة المُعطى.

(وَلَخُلُوفُ) بفتح اللام وضم الخاء المعجمة،

ج 25 ص 268

وفي رواية أبي ذرٍّ (فَمِ الصَّائِمِ) أي تغيُّر رائحة فمه (أَطْيَبُ) أي أقبل (عِنْدَ اللَّهِ) لما كان الأطيبية لا تُتصوَّر بالنِّسبة إلى الله تعالى إذ هو منزَّهٌ عن أمثاله يُؤول بالقبول؛ لأنَّ الطِّيب مستلزمٌ للقبول، فالمعنى خلوفه عند الله تعالى أقبل.

(مِنْ) قبول (رِيحِ الْمِسْكِ) عندكم، أو المضاف محذوف؛ أي عند ملائكة الله تعالى، وله أجوبةٌ أخرى مضى منها شيءٌ في «كتاب الصيام» [خ¦1894] [خ¦1904] ، ويُؤخذ منه أنَّ الخلوف أعظم من دم الشَّهيد؛ لأنَّ دم الشَّهيد شَبَّه ريحه بريحِ المسك، والخلوف وُصِفَ بأنَّه أطيب، ولا يلزمُ من ذلك أن يكون الصَّائم أفضل من الشَّهيد.

ولعلَّ سببه النَّظر إلى أصل كلٍّ منهما، فإنَّ أصل الخلوف طاهرٌ وإنَّ أصل المسك بخلافه، فكان ما أصله طاهر أطيب ريحًا، كذا قاله الحافظ العسقلانيُّ في «كتاب الصيام» [خ¦1894] [خ¦1904] .

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( ريح المسك ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت