5949 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذِئْب _ بكسر الذال المعجمة _، واسمه هشامُ بن سعيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) أي ابن مسعودٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (عَنْ أَبِي طَلْحَةَ) هو زيدُ بن سهلٍ الأنصاريِّ، زوج أمِّ سلمة والدة أنس رضي الله عنهم، أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَدْخُلُ الْمَلاَئِكَةُ) ظاهره العموم، وقيل يستثنى من ذلك الحفظة، فإنَّهم لا يفارقون الشَّخص بكلِّ حال، وبذلك جزم ابنُ وضَّاح والخطَّابي والدَّاودي وآخرون، وقالوا المراد بالملائكة في هذا الحديث ملائكة الوحي، مثل جبريل، وإسرافيل، فأمَّا الحفظة فإنَّهم يدخلون كلَّ بيتٍ ولا يُفارقون الإنسان أصلًا إلَّا عند الخلاء والجماع، كما جاء في حديث فيه ضعف.
وقيل المراد ملائكة يطوفون بالرَّحمة والاستغفار، لكن قال القرطبيُّ كذا قال بعضُ علمائنا والظَّاهر العموم، والمُخصِّص؛ يعني الدَّال على كون الحفظة
ج 25 ص 292
لا يمتنعون من الدُّخول ليس نصًّا.
قال الحافظ العسقلانيُّ ويؤيِّده أنَّ من الجائز أن يُطلعهم الله تعالى على عمل العبد ويُسمِعهم قوله وهُمْ بباب الدَّار التي هو فيها مثلًا، ويقابلُ القول بالتَّعميم القول بتخصيصِ الملائكة بملائكة الوحي، وهو قول من ادَّعى أنَّ ذلك كان من خصائصِ النَّبي صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي ذكره وهو شاذٌّ.
(بَيْتًا) المراد به المكان الَّذي يستقرُّ به الشَّخص سواءٌ كان بيتًا، أو خيمةً، أو غير ذلك (فِيهِ كَلْبٌ) الظَّاهر العموم في كلِّ كلبٍ؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّفي، وإليه مال القرطبي والنَّوويُّ واستُدِلَّ لذلك بقصَّة الجرو التي تأتي الإشارة إليها في حديث ابن عمر رضي الله عنهما بعد ستَّة أبواب [خ¦5960] قال فامتنع جبريل عليه السلام من دخول البيت الذي كان فيه مع ظهور العذر فيه، قال فلو كان العذر لا يمنعهم من الدُّخول لم يمتنع جبريل عليه السَّلام من الدُّخول انتهى.
ويحتمل أن يُقال لا يلزم من التَّسوية بين ما عَلِمَ به، أو لم يعلم التَّسويةُ فيما لم يُؤمر باتِّخاذه وفيما أَذِن في اتخاذه، فتأمل. قال القرطبيُّ واختلف في المعنى الَّذي في الكلب حتَّى مَنَع الملائكة من دخول البيت الَّذي هو فيه، فقيل لكونه نجس العين.
ويتأيَّد ذلك بما ورد في بعض طُرق الحديث عن عائشة رضي الله عنها عند مسلمٍ (( فأمر بنضحِ موضع الكلب، وقيل لكونه من الشَّياطين، وقيل لأجل النَّجاسة التي تتعلَّق به، فإنَّه يُكثِر أكل النَّجاسة ويتلطَّخ بها فيُنَجِّس ما تعلَّقت به، وعلى هذا يَحمِل من لا يقول إنَّ الكلب نجس العين نضحَ موضعه احتياطًا؛ لأنَّ النَّضح مشروعٌ لتطهير المشكوك فيه، وعُورض بأنَّه لا يخلو بيتٌ من الشَّياطين، ومع هذا لم يَرِد امتناع الملائكة من الدُّخول في بيتٍ فيه هرَّةٌ ولا خنزيرٌ ولا غيرهما، فافهم.
وقال الخطابيُّ يستثنى منه الكلاب التي أُذِن في اتِّخاذها نحو كلاب الصَّيد والماشية والزَّرع.
(وَلاَ) أي ولا تدخل الملائكة بيتًا فيه (تَصَاوِيرُ) وفي رواية مَعمر الماضية في «بدء الخلق» عن الزُّهريِّ (( ولا صورة ) ) [خ¦3225] بالإفراد، وكذا في معظم الرِّوايات، وفائدة إعادة حرف النَّفي الاحتراز عن توهُّم القصر في عدم الدخول على اجتماع الصِّنفين،
ج 25 ص 293
فلا يمتنع الدُّخول مع وجود أحدهما، فلمَّا أُعيد حرف النَّفي صار التَّقدير (( ولا تدخل بيتًا فيه صورة ) ).
قال الخطابيُّ والصُّورة التي لا تدخل الملائكة البيت الَّذي هي فيه ما يَحْرُم اقتناؤه وهو ما يكون من الصُّور الَّتي فيه الرُّوح ما لم يقطع رأسه، أو لم يمتهن على ما سيأتي تقريره في باب «ما وطئ من التَّصاوير» بعد بابين [خ¦5954] ، وتأتي الإشارة إلى تقوية ما ذهب إليه الخطابيُّ في باب «لا تدخلُ الملائكة بيتًا فيه صورةٌ» [خ¦5960] ، وأغرب ابن حبَّان فادَّعى أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بالنَّبي صلى الله عليه وسلم قال وهو نظيرُ الحديث الآخر (( لا تصحبُ الملائكة رفقةً فيها جرسٌ ) )قال فإنَّه محمولٌ على رفقةٍ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ محالٌ أن يخرج الحاج، أو المعتمر لقصد بيت الله على رواحل لا تصحبها الملائكة وهم وفدُ الله عزَّ وجلَّ، انتهى.
قال الحافظ العسقلانيُّ وهو تأويلٌ بعيدٌ جدًّا لم أره لغيره، ويزيل شبهته أنَّ كونهم وفد الله لا يمنع أن يؤاخذوا بما يرتكبونه من خطيئةٍ فيجوز أن يُحرَموا بركة الملائكة بعدم مخالطتهم لهم إذا ارتكبوا النَّهي واستصحبوا الجرس، وكذا القول فيمن يقتني الصُّورة والكلب، والله تعالى أعلم.
وقد استشكل كون الملائكة لا تدخلُ المكان الَّذي فيه التَّصاوير مع قوله سبحانه وتعالى عند ذكر سليمان عليه السلام {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} [سبأ 13] . وقد قال مجاهد كانت صورًا من نحاس، أخرجه الطَّبريُّ. وقال قتادة كانت من خشبٍ ومن زجاجٍ، أخرجه عبد الرَّزَّاق.
والجواب أنَّ ذلك كان جائزًا في تلك الشَّريعة، وكانوا يعملون أشكال الأنبياء والصَّالحين منهم على هيئتهم في العبادة ليتعبَّدوا كعبادتهم، وقد قال أبو العالية لم يكن ذلك في شريعتهم حرامًا، ثمَّ جاء شرعنا بالنَّهي عنه، ويحتمل أن يُقال إنَّ التَّماثيل كانت على صورة النُّقوش لغير ذوات الأرواح وإذا كان اللَّفظ محتملًا لم يتعيَّن الحمل على المعنى المشكل.
وقد ثبتَ في «الصحيحين» حديث عائشة رضي الله عنها في قصَّة الكنيسة التي كانت بأرض الحبشة، وما فيها من التَّصاوير، وأنَّه صلى الله عليه وسلم
ج 25 ص 294
قال (( كانوا إذا مات فيهم الرَّجل الصَّالح بنو على قبره مسجدًا وصوَّروا فيه تلك الصُّورة، أولئك شرار الخلق عند الله ) ) [خ¦427] فإنَّ ذلك يشعر بأنَّه لو كان جائزًا في ذلك الشَّرع ما أطلق عليه صلى الله عليه وسلم أنَّ الَّذي فعله شرُّ الخلق، فدلَّ على أنَّ فعل صور الحيوان فعلٌ مُحْدَثٌ أحدثه عُبَّاد الصُّور.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( ولا تصاوير ) )وقد سبق الحديث في «بدء الخلق» [خ¦3225] وفي «المغازي» [خ¦4002] ، وأخرجه مسلمٌ في «اللِّباس» .
- (وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميُّ، أبو الحارث المصري الإمام المشهور (حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) أي ابن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ) أي ابنُ عبد الله بن عُتبة بن مسعودٍ، أنَّه (سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما يقول (سَمِعْتُ أَبَا طَلْحَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهذا التَّعليق وصله أبو نُعيم في «المستخرج» من طريق أبي صالح كاتب اللَّيث أخبرنا الليث إلى آخره، وفائدته الإشارة إلى تصريحِ ابن شهابٍ وتصريح شيخهِ بالتَّحديث، وتصريح سماع عبيد الله عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وسماعه من أبي طلحة، وسماعُ أبي طلحة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم.