فهرس الكتاب

الصفحة 8850 من 11127

5950 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ مُسْلِمٍ) هو ابنُ صُبيح _ بضم الصاد المهملة مصغَّرًا _ أبو الضُّحى الهَمْداني الكوفيُّ، وهو بكنيته أشهر. قال الحافظ العسقلانيُّ وجوَّز الكرماني أن يكون مسلم بن عمران البطين، ثمَّ قال إنَّه الظَّاهر، وهو مردودٌ، فقد وقع في رواية مسلم في هذا الحديث من طريق وكيع عن الأعمش عن أبي الضُّحى. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم يقل الكرماني هكذا، بل قال مسلمٌ يحتمل أن يكون أبا الضُّحى، وأن يكون البطين لأنَّهما يرويان عن مسروق، والأعمش يروي عنهما، والظَّاهر هو الثَّاني، ولا قدح بهذا الاشتباه؛ لأنَّ كلًّا منهما

ج 25 ص 295

بشرط البخاري. والعجبُ من هذا القائل أنَّه ينقل غير صحيحٍ، ثمَّ يستدلُّ على صحَّة قوله بما وقع في رواية مسلمٍ، وهو استدلالٌ مردودٌ؛ لأنَّ رواية مسلم عن أبي الضُّحى لا تستلزم أن تكون رواية البخاريِّ عنه لوجود الاحتمال المذكور.

(قَالَ كُنَّا مَعَ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (فِي دَارِ يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ) يسار بتحتانية ومهملة خفيفة، وأبوه بنون مضمومة وميم مفتوحة مصغَّرًا المدنيُّ الكوفيُّ، وكان مولى عمر رضي الله عنه وخازنه (فَرَأَى) مسروق (فِي صُفَّتِهِ) بضم الصاد المهملة وتشديد الفاء، صُفَّة الدَّار مشهورة (تَمَاثِيلَ) جمع تِمْثال _ بكسر الفوقية وبعد الميم الساكنة مثلثة _، وهو الصُّورة، والمراد بها صورة الحيوان، وهو اسمٌ من المثال، يُقال مثلت _ بالتخفيف والتثقيل _ إذا صوَّرت مثالًا، قيل لا فرقَ بين الصُّورة والتِّمثال، والصَّحيح أنَّ بينهما فرقًا، وهو أنَّ الصُّورة تكون في الحيوان، والتِّمثال يكون فيه وفي غيره، وقيل التِّمثال ما له جِرْمٌ وشخص، والصُّورة ما كان رقمًا أو تزويقًا في ثوبٍ أو حائط.

وفي مسلم قال لي مسروقٌ هذه تماثيل كسرى؟ فقلت لا هذه تماثيل مريم، كأنَّ مسروقًا ظنَّ أن التَّصوير كان من مجوسيٍّ وكانوا يصوِّرون صورة ملوكهم حتَّى في الأواني، فظهر أنَّ التَّصوير كان من نصرانيٍّ، فإنَّهم يصوِّرون صورة مريم والمسيح وغيرهما ويعبدونها.

(فَقَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ) يعني ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وفي رواية منصور (( فقال أما إنِّي سمعتُ عبد الله بن مسعود ) ) (قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ) أي في حكم الله تعالى (الْمُصَوِّرُونَ) وقع في رواية الحُميدي في «مسنده» عن سفيان (( يوم القيامة ) )بدل قوله (( عند الله ) )، وكذا هو في «مسند ابن أبي عمر» عن سفيان.

وأخرجه الإسماعيليُّ من طريقه، فلعلَّ الحُميدي حدَّث به على الوجهين بدليل ما وقع في الترجمة، أو لمَّا حدث به البخاري حدَّث به بلفظ «عند الله» . والترجمة مطابقةٌ للفظ الَّذي في حديث ابن عمر ثاني حديثي الباب [خ¦5951] ، ووقع عند مسلمٍ من طريق أبي معاوية عن الأعمش (( إنَّ من أشدِّ النَّاس ) )واختلفت نسخه ففي بعضها وهي للأكثر، وفي بعضها وهي لأحمد عن أبي معاوية أيضًا، ووُجِّهت بأنَّ «من» زائدة، واسم «إن» أشد، ووجَّهها ابن مالك على حذف ضمير الشأن، والتقدير إنَّه من أشدِّ النَّاس ...

ج 25 ص 296

إلى آخره.

وقد استُشكل كون المصوِّر أشدُّ النَّاس عذابًا مع قوله تعالى {أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر 46] فإنَّه يقتضي أن يكون المصوِّر أشد عذابًا من آل فرعون.

وأجاب الطبريُّ بأنَّ المراد هنا من يصوِّر ما يُعبد من دون الله، وهو عارفٌ بذلك قاصدٌ له، فإنَّه يكفر بذلك فلا يبعدُ أن يدخل مدخل آل فرعون، وأمَّا من لا يقصدُ ذلك فإنَّه يكون عاصيًا بتصويره فقط، وفيه نظرٌ.

وأجاب القرطبيُّ في «المفهم» بأنَّ النَّاس الَّذين أضيف إليهم «أشد» لا يرادُ بهم كلَّ النَّاس، بل بعضهم وهم من يُشارك في المعنى المتوعَّد عليه بالعذاب، ففرعون أشدُّ النَّاس الَّذين ادَّعوا الإلهيَّة عذابًا، ومن يقتدي به في ضلالة كفره أشدُّ عذابًا ممَّن يقتدي به في ضلالةِ فسقه، ومن صوَّر صورةً ذات روحٍ للعبادة أشدُّ عذابًا ممَّن يصوِّرها لا للعبادة.

وأُجيب أيضًا بأنَّ الرِّواية بإثبات «من» وبحذفها محمولةٌ عليها، وإذا كان من يفعل التَّصوير من أشدِّ النَّاس عذابًا كان مشتركًا مع غيره، وليس في الآية ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشدِّ العذاب، بل هم في العذاب الأشدِّ، وكذلك غيرهم يجوز أن يكون في العذاب الأشدِّ.

وقوَّى الطحاويُّ ذلك بما أخرجه من وجهٍ آخر عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه رفعه (( إنَّ أشدَّ النَّاس عذابًا يوم القيامة رجلٌ قتل نبيًّا أو قتله نبيٌّ، وإمامُ ضلالة، وممثِّلٌ من الممثلين ) )وكذا أخرجه أحمد. وقد وقع بعض هذه الزِّيادة في رواية ابن أبي عمر الَّتي أشير إليها فاقتصر على المصوِّر، وعلى من قتله نبي. وأخرج الطحاويُّ أيضًا من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( أشدُّ النَّاس عذابًا يوم القيامة رجلٌ هجا رجلًا فهجا القبيلة بأسرها ) ). قال الطحاويُّ فكلُّ واحدٍ من هؤلاء يشتركُ مع الآخر في شدَّة العذاب.

وقال أبو الوليد بن رشد في «مختصر مشكل الطحاوي» ما حاصله إنَّ الوعيد بهذه الصِّيغة إن ورد في حقِّ كافرٍ فلا إشكال فيه؛ لأنَّه يكون مشتركًا في ذلك مع آل فرعون، ويكون فيه دلالةٌ على عظم كفر المذكور، وإن ورد في حقِّ عاصٍ فيكون

ج 25 ص 297

أشدَّ عذابًا من غيره من العصاة، ويكون ذلك دالًا على عظم المعصية المذكورة.

قال النووي قال العلماء تصوير صورة الحيوان حرامٌ شديدُ التَّحريم وهو من الكبائر؛ لأنَّه متوعَّدٌ عليه بهذا الوعيد الشَّديد، وسواء صنعه لما يُمتهنُ أم لغيره، فصِنعتُه حرامٌ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ فيه مضاهاة لخلق الله، وسواء كان في ثوبٍ، أو بساطٍ، أو درهمٍ، أو دينارٍ، أو فلسٍ، أو إناءٍ، أو حائطٍ وغيرها، فأمَّا تصوير ما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرامٍ.

ويؤيِّد التَّعميم فيما له ظلٌّ وفيما لا ظلَّ له ما أخرجه أحمدُ من حديث علي رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( أيُّكم ينطلقُ إلى المدينة فلا يدعُ بها وثنًا إلَّا كسره، ولا صورةً إلَّا لطخها ) )أي طمسَهَا ... الحديث، وفيه (( من عاد إلى صنعة شيءٍ من ذلك فقد كفرَ بما أُنْزِل على محمَّد ) ).

وقال الخطابيُّ إنَّما عظمت عقوبة المصوِّر؛ لأنَّ الصُّور كانت تعبد من دون الله، ولأنَّ النَّظر إليها يفتنُ وبعض النفوس إليها تميل، قال والمراد بالصُّور هنا التَّماثيل التي لها روحٌ، وقيل يفرق بين العذاب والعقاب، فالعذابُ يُطلق على ما يُؤلِم من فعل أو قول كالعتبِ والإنكار، والعقاب يختصُّ بالفعل، فلا يلزمُ من كون المصور أشد النَّاس عذابًا أن يكون أشد النَّاس عقوبةً، هكذا ذكره الشَّريف المرتضى في «الغرر» .

وتُعقِّب بالآية المشار إليها وعليها ابتُنى الإشكال، ولم يكن هو عرَّج عليها فلهذا ارتضى التَّفرقة والله أعلم، واستدلَّ به أبو علي الفارسي في «التذكرة» على تكفير المشبِّهة، فحمل الحديث عليهم، وأنَّهم المراد بقوله «المصوِّرون» ؛ أي الَّذين يعتقدون أنَّ لله صورة. وتُعقِّب بالحديث الَّذي بعده في الباب بلفظ «إنَّ الَّذين يصنعون هذه الصُّور يعذَّبون» [خ¦5951] ، وبحديث عائشة رضي الله عنها الآتي بعد بابين بلفظ (( إنَّ أصحاب هذه الصُّور يعذبون ) ) [خ¦5957] وغير ذلك، ولو سَلِم له استدلاله لم يَرِد عليه الإشكال المقدَّم ذكره.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجهُ مسلمٌ في «اللِّباس» ، والنَّسائي في «الزينة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت