5953 - (حَدَّثَنَا مُوسَى) هو ابنُ إسماعيل المِنْقَري _ بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف _، التَّبوذكي قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هو ابنُ زياد قال (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ) بالضم، هو ابنُ القعقاع قال (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هرم بن عَمرو بن جرير(قَالَ دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ
ج 25 ص 300
دَارًا بِالْمَدِينَةِ)هي لمروان بن الحكم وقع ذلك في رواية محمد بن فُضيل عن عُمارة بن القعقاع عند مسلم من هذا الوجه، وعند مسلمٍ أيضًا والإسماعيلي من طريق جرير عن عمارة دارًا تُبنى لسعيدٍ، أو لمروان بالشكِّ، وسعيد هو ابنُ العاص بن سعيد الأموي، وكان هو ومروان بن الحكم يتعاقبان إمرة المدينة لمعاوية رضي الله عنه، والرواية الجازمة أولى.
(فَرَأَى أَعْلاَهَا) ويروى أي سقفها (مُصَوِّرًا) بكسر الواو المشددة؛ أي رجلًا مصورًا (يُصَوِّرُ) بلفظ المضارع المعلوم في محلِّ النصب على الحال؛ أي يصنع الصُّور. وقال الكرمانيُّ بلفظ المفعول، و بلفظ الجار والمجرور. قال الحافظ العسقلانيُّ وهو بعيدٌ، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم يبيِّن وجه بعده، ولا بعدَ أصلًا بل هو أقرب، فتأمل.
(قَالَ) وفي نسخة أي أبو هريرة رضي الله عنه (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ) أي قصد (يَخْلُقُ كَخَلْقِي) هكذا في البخاريِّ، وقد وقع نحو ذلك في حديثٍ آخر لأبي هريرة رضي الله عنه تقدَّم قريبًا في باب «ما يذكر في المسك» [خ¦5953] وفيه حذفٌ يبيِّنه ما وقع في رواية جرير المذكورة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( قال الله تعالى {وَمَنْ أَظْلَمُ} إلى آخره ) )ونحوه في رواية ابن فضيل؛ أي ولا أحد أظلم ممَّن قصد حال كونه يخلق؛ أي يصنع ويقدر كخلقي، والتَّشبيه لا عموم له؛ يعني كخلقي في فعل الصُّورة لا من كلِّ الوجوه، قيل الكافر أظلم منه.
وأُجيب بأنَّ الَّذي يصوِّر الصَّنم للعبادة هو كافرٌ، فهو هو، أو يزيد عذابه على سائر الكفَّار لزيادة قبحِ كفره. قال ابن بطَّال فهم أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ التَّصوير يتناول ما له ظلٌّ، وما ليس له ظلٌّ، فلهذا أنكر ما يُنقشُ في الحيطان. وقال الحافظ العسقلانيُّ هو ظاهرٌ من عموم اللَّفظ، ويحتمل أن يُقصَر على ما له ظلٌّ من جهة قوله (( كخلقي ) )فإنَّ خلقه الَّذي اخترعه ليس صورة في حائط، بل هو خلقٌ تامٌّ، لكنَّ بقيَّة الحديث يقتضي تعميم الزَّجر عن تصوير كلِّ شيءٍ وهو قوله
ج 25 ص 301
(فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً) وهي بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، ويجاب عن ذلك بأن المراد إيجاد حبَّة على الحقيقة لا تصويرها، ووقع لابن فضيل من الزيادة (( وليخلقوا شعيرة ) )والمراد بالحبة حبة القمح بقرينة ذكر الشَّعير، أو الحبة أعم. والمراد بالذرَّة النَّملة، والغرض تعجيزهم تارةً بتكليفهم خلق حيوان وهو أشدُّ، وأخرى بتكليفهم خلق جمادٍ وهو أهونُ، ومع ذلك لا قدرة لهم على ذلك.
(ثُمَّ دَعَا) أي طلب أبو هريرة رضي الله عنه (بِتَوْرٍ) بفتح المثناة وبعد الواو الساكنة راء، إناءٌ كالطِّست (مِنْ مَاءٍ) قال الحافظ العسقلانيُّ أي فيه ماء. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الصَّحيح أنَّ كلمة «من» هنا بمعنى الباء؛ أي دعا بتور ماء، وكلمة (( من ) )تجيء بمعنى الباء كما في قوله تعالى {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى 45] .
(فَغَسَلَ يَدَيْهِ) بالتَّثنية (حَتَّى بَلَغَ إِبْطَهُ) بالإفراد في هذه الرواية اختصارٌ، وبيانه في رواية جرير بلفظ (( فتوضَّأ أبو هريرة فغسل يده حتَّى بلغ إبطه وغسل رجليه حتَّى بلغ ركبتيه ) )أخرجها الإسماعيليُّ، وقدَّم قصة الوضوء على قصة المصوّر، ولم يذكر مسلم قصَّة الوضوء هنا (فَقُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) القائل هو أبو زرعة الرَّاوي (أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي تبليغ الماء إلى الإبط شيءٌ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم (قَالَ مُنْتَهَى الْحِلْيَةِ) أي التَّبليغ إلى الإبط منتهى حلية المؤمن في الجنَّة، وفي رواية جرير (( إنَّه منتهى الحلية ) )كأنَّه يشيرُ إلى الحديث المتقدِّم في «الطهارة» في «فضل الغرة والتَّحجيل في الوضوء» [خ¦136] .
وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه (( يبلغ الحلية من المؤمن من حيث يبلغ الوضوء ) ).قال الطيبيُّ ضمَّن «يبلغ» معنى يتمكَّن، وعُدِّي بمن؛ أي يتمكَّن من المؤمن الحلية مبلغًا يتمكَّنه الوضوء منه. وقال أبو عبيد الحلية هنا التَّحجيل يوم القيامة من أثر الوضوء، وقال غيره هو من قوله تعالى {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ} [الكهف 31] . قال الحافظ العسقلانيُّ وليس بين ما دلَّ عليه الخبر من الزَّجر عن التَّصوير وبين ذكر الوضوء
ج 25 ص 302
مناسبة، وإنَّما أخبر أبو زرعة بما شاهد وسمع من ذلك.
وقال العينيُّ ليس في الحديث تعرُّضٌ إلى النَّقض، ولم تبقَ المطابقة إلَّا في لفظ الصور فقط.