5957 - (حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) الأنماطيُّ أبو محمد السُّلميُّ مولاهم البصري، قال (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بالجيم والراء مصغَّرًا، ابن أسماء بن عبيد، وهو من الأسماء المشتركة بين الذُّكور والإناث كأسماء (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ الْقَاسِمِ) أي ابن محمد بن أبي بكر رضي الله عنهم (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) وفي رواية مالك عن نافع عن القاسم عن عائشة أنَّها أخبرته، وسيأتي بعد بابين [خ¦5961] (أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً) بضم النون والراء
ج 25 ص 307
بينهما ميم ساكنة وآخره قاف، كذا ضبطه القزَّاز وغيره، وضبطه ابنُ السِّكيت بضم النون أيضًا وبكسرها وكسر الراء، وقيل في النون الحركات الثلاث والراء مضمومة جزمًا، والجمع نمارق، وهي الوسائدُ التي يُصفُّ بعضها إلى بعضٍ، وقيل النُّمرقة الوسادة التي يجلس عليها؛ أي الوسادة الصَّغيرة.
(فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ) زاد مالك في روايته (( فعرفتُ الكراهية في وجهه ) ) (فَقُلْتُ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ) عزَّ وجلَّ (مِمَّا أَذْنَبْتُ) يستفاد منه جواز التَّوبة من الذُّنوب كلها إجمالًا، وإن لم يستحضر التَّائب خصوص الذَّنب الذي حصلت به مؤاخذته، وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء والميم المخففة (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَا هَذِهِ النُّمْرُقَةُ) وفي رواية مالك (( ما بال هذه النُّمْرقة؟ ) ) (قُلْتُ لِتَجْلِسَ عَلَيْهَا) وفي رواية مالك (( اشتريتها لتجلس عليها ) )، ويروى (( لتقعد عليها ) ) (وَتَوَسَّدَهَا) بفتح أوله وتشديد السين المهملة، أصله تتوسدها فحذفت إحدى التاءين. وقال الكرمانيُّ و «توسدها» من التَّوسيد، ويروى .
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ) الَّذين صنعوها ليضاهوا بها خلق الله تعالى (يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بفتح ذال يعذَّبون (يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا) بفتح الهمزة (مَا خَلَقْتُمْ) أي ما صنعتم (وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ الصُّورَةُ) بالجمع، وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد، وقدَّم الجملة الأولى على الجملة الثانية، مع أنها المطابقة للترجمة، لامتناعه صلى الله عليه وسلم من الدُّخول اهتمامًا بالزَّجر عن اتخاذ الصُّور؛ لأنَّ الوعيد إذا حصل لصانعها فهو حاصلٌ لمستعملها؛ لأنَّها لا تصنعُ إلَّا لتستعمل فالصَّانع متسبِّب والمستعمل مباشر فيكون أولى بالوعيد.
ويستفادُ منه أنَّه لا فرق في تحريم التَّصوير بين أن تكون الصُّورة لها ظل أو لا، وبين أن تكون مدهونة أو منقوشة، أو منقورة، أو منسوجة، خلافًا
ج 25 ص 308
لمن استثنى النَّسج وادَّعى أنَّه ليس بتصوير.
قال الحافظ العسقلانيُّ وظاهر حديثَي عائشة رضي الله عنها هذا والذي قبله التَّعارض؛ لأنَّ الذي قبله يدلُّ على أنَّه صلى الله عليه وسلم استعمل السِّتر الذي فيه الصُّورة بعد أن قُطِعَ وعُمل منه الوسادة، وهذا يدلُّ على أنه لم يستعمله أصلًا، وقد أشار المصنِّف إلى الجمع بينهما بأنَّه لا يلزم من جواز اتِّخاذ ما يُوطأ من الصُّور جواز القعود على الصُّورة، فيجوز أن يكون استعمل من الوسادة ما لا صورة فيه، ويجوز أن يكون رأى التَّفرقة بين القعود والاتكاء وهو بعيدٌ.
ويحتمل أيضًا أن يُجمع بين الحديثين بأنها لما قَطَّعتِ الستر وقع القطع في وسط الصُّورة مثلًا فخرجت عن هيئتها، فلهذا صار يرتفقُ بها، ويؤيِّد هذا الجمع الحديث الذي في الباب قبله في نقض الصُّور وما سيأتي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه المخرَّج في «السُّنن» ، وسأذكره في الباب الذي بعده.
وسلك الداوديُّ في الجمع مسلكًا آخر فادَّعى أنَّ حديث الباب ناسخٌ لجميع الأحاديث الدَّالة على الرُّخصة، واحتجَّ بأنه خبر، والخبر لا يدخلُه النَّسخ فيكون هو النَّاسخ. قلتُ والنَّسخ لا يثبتُ بالاحتمال، وقد أمكن الجمع فلا يلتفتُ إلى دعوى النَّسخ، وأمَّا ما احتج به فردَّه ابن التِّين بأن الخبر إذا قارنه الأمر جاز دخول النَّسخ فيه، انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا تعارض بينهما أصلًا؛ لأنَّ هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا من حديث عائشة رضي الله عنها وفيه «فجعلته مرفقتين، فكان يرتفقُ بهما في البيت» ، فهذا يدلُّ على أنَّه استعمل ما عَمِلتْ منها، وهما المرفقتان، غاية ما في الباب أنَّ البخاري لم يزد هذه الزيادة، والحديث حديث واحد وقد ذهل هذا القائل يعني الحافظ العسقلاني عن رواية مسلم، فلذلك قال بالتَّعارض.
ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّه صلى الله عليه وسلم أنكرَ على عائشة رضي الله عنها حين قالت (( لتجلسْ عليها وتوسَّدها ) )فدلَّ ذلك على كراهةِ القُعود على الصُّور. ورُوي ذلك عن اللَّيث بن سعد، والحسن بن حيٍّ وبعض الشافعية.
ج 25 ص 309
وقال الطحاويُّ وذهب ذاهبون إلى كراهةِ اتخاذ ما فيه الصُّور من الثياب، وما كان يُوطأ من ذلك ويُمتهنُ وما كان ملبوسًا وكرهوا كونه في البيوت، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي مضى في الباب السابق [خ¦5953] . وقد أخرج مسلمٌ قال حدَّثنا يحيى بن يحيى قال قرأتُ على مالك عن نافع عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها أنَّها اشترتْ نُمرقة فيها تصاوير، فلمَّا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قامَ على الباب فلم يدخلْ، فعرفت في وجهه الكراهية، فقالت يا رسول الله أتوبُ إلى الله وإلى رسوله، فماذا أذنبتُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( فما بال هذه النُّمْرقة؟ ) )قالت اشتريتها لك تقعدُ عليها وتوسَّدها ... الحديث. وفي لفظ له (( قالت فأخذته فجعلتْه مرفقتين، فكان يرتفقُ بهما في البيت ) ).