فهرس الكتاب
5976 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (إِسْحَاقُ) هو ابنُ شاهين بن الحارث الواسطيُّ، قال (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابنُ عبد الله الطَّحان (الْوَاسِطِيُّ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ) بضم الجيم وفتح الراء الأولى بعدها تحتية ساكنة، هو سعيد بن إياسٍ بن مسعود البصريُّ، نسب إلى جرير بن عبَّاد بن ضبيعة بن قيسٍ بن بكر بن وائل، وهو ممَّن اختلط.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أرَ من صرَّح بأنَّ سماع خالد منه قبل الاختلاط ولا بعدهُ، لكن تقدَّم في «الشَّهادات» من طريق بشر بن المفضَّل [خ¦2654] ، ويأتي في «استتابة المرتدِّين» [خ¦6919] من رواية إسماعيل ابن عُلَيَّة كلاهما عن الجُريريِّ، وإسماعيل ممَّن سمع من الجريريِّ قبل اختلاطه، وبيَّن في «الشَّهادات» تصريح الجُريري في رواية إسماعيل عنه بتحديث عبد الرَّحمن بن أبي بكرةَ له به.
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) نُفيع مصغَّر نفع، الثَّقفي رضي الله عنه أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلاَ) بالتخفيف حرف استفتاحٍ وضع لتنبيهِ المخاطب على ما يتكلم به من بعده
ج 25 ص 352
(أُنَبِّئُكُمْ) وفي رواية «الاستئذان» من روايةِ بشر بن المفضل عن الجريريِّ (( ألا أخبركم [1] ) ) [خ¦2654] ، وكلاهما بمعنى واحدٍ، وفي رواية التِّرمذي (( ألا أحدِّثكم ) ).
وفيه دليلٌ على أنَّه ينبغي للعالم أن يعرض على صاحبه ما يريد أن يخبره به، إمَّا لأجل الحضِّ على التَّفرغ والاستماع له، وإمَّا لسبب يقتضي التَّحذير ممَّا يحذِّرهم، وإمَّا للحضِّ على الإتيان بما فيه صلاحهم.
(بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ) أي بأعظم الذُّنوب، الكبائر وهي جمع كبيرةٍ، وأصله وصف مؤنَّثٍ؛ أي الفعلة الكبيرة ونحوها، وكبَّرها باعتبار شدَّة مفسدتها، وعِظم إثمها. وفي بعض النُّسخ ؛ أي قالها ثلاث مرَّاتٍ على عادته في تأكيد تنبيه السَّامع على إحضار قلبهِ وفهمهِ للَّذي يقوله، ولا يظنُّ أنَّ المراد به عدد الكبائر كما ظنَّ بعضهم. وقد اختلف السَّلف فذهب الجمهور إلى أنَّ من الذُّنوب صغائر وكبائر، وشذَّت طائفةٌ منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني، فقالوا ليس في الذُّنوب صغيرةٌ، بل كل ما نهى الله عنه كبيرةٌ، نقل ذلك عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وحكاه القاضي عياض عن المحقِّقين، واحتجُّوا بأنَّ كل مخالفةٍ لله تعالى فهي بالنِّسبة إلى جلاله كبيرةٌ. انتهى.
ونسبه ابن بطَّالٍ إلى الأشعريَّة، فقال انقسام الذُّنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامَّة الفقهاء، وخالفهم الأشعريَّة، منهم أبو بكر بن الطَّيب وأصحابه، فقالوا المعاصي كلُّها كبائر، وإنَّما يُقال لبعضها صغيرةٌ بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال القُبلة المحرَّمة صغيرةٌ بإضافتها إلى الزِّنا، وكلُّها كبائر.
قالوا ولا ذنب عندنا يُغفرُ واجبًا باجتناب ذنبٍ آخر، بل كل ذلك كبيرةٌ، ومرتكبه في المشيئة غير الكفر؛ لقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء 48] .
وأجابوا عن الآية الَّتي احتجَّ بها أهل القول الأوَّل، وهي قوله تعالى {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} الآية [النساء 31] أنَّ المراد الشِّرك. وقد قال الفرَّاء من قرأ {كبائر} فالمراد بها كبيرةٌ، وكبير الإثم هو الشِّرك، وقد يأتي لفظ الجمع، والمراد به الواحد كقوله تعالى {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء 105] ، ولم يُرسَل إليهم غيرَ نوحٍ عليه السَّلام، قالوا وجواز العقاب
ج 25 ص 353
على الصَّغيرة كجوازه على الكبيرةِ. انتهى.
قال النَّووي وقد تظاهرت الأدلَّة من الكتاب والسُّنَّة على القول الأوَّل. وقال الغزاليُّ في «البسيط» إنكار الفرق بين الصَّغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه.
وقال الحافظ العسقلانيُّ قد حقَّق إمام الحرمين المنقول عن الأشاعرة، واختاره وبيَّن أنَّه لا يخالف ما قاله الجمهور. فقال في «الإرشاد» المرضيُّ عندنا أنَّ كلَّ ذنبٍ يُعصى الله به كبيرةٌ، فربَّ شيءٍ يُعَدُّ صغيرةً بالإضافة إلى الأقران، ولو كان في حقِّ الملك؛ لكان كبيرةً، والرَّب أعظم من عُصِيَ فكلُّ ذنبٍ بالإضافة إلى مخالفته عظيمٌ، ولكنَّ الذُّنوب وإن عظمت فهي متفاوتةٌ في رُتبتها، وظنَّ بعض النَّاس أنَّ الخلاف لفظيٌّ، فقال التَّحقيق أنَّ للكبيرة اعتبارين، فبالنِّسبة إلى مقايسة بعضها ببعضٍ فهي تختلف قطعًا، وبالنِّسبة إلى الآمر النَّاهي فكلُّها كبائر. انتهى.
والتَّحقيق أنَّ الخلاف معنويٌّ، وإنَّما جرَّ إليه الأخذ بظاهر الآية، والحديث الدَّالُّ على أنَّ الصَّغائر تكفَّر باجتناب الكبائر، والله أعلم.
وقال القرطبيُّ ما أظنُّه يصحُّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ كل ما نهى الله عنه كبيرةٌ؛ لأنَّه مخالفٌ لظاهر القرآن في الفرق بين الصَّغائر والكبائر في قوله {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم 32] ، وقوله {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء 31] ، فجعل في المنهيَّات صغائر وكبائر، وفرَّق بينهما في الحكم، إذ جعل تكفير السَّيئات في الآية مشروطًا باجتناب الكبائر، واستثنى اللَّمم من الكبائر والفواحش، فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن؟
قال الحافظُ العسقلانيُّ ويؤيِّده ما سيأتي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما في تفسير اللَّمم [خ¦6243] ، لكن النَّقل المذكور عنه أخرجه إسماعيل القاضي، والطَّبري بسندٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخين إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما، فالأولى أن يكون المراد بقوله «نهى الله عنه» محمولًا على نهي خاصٍّ، وهو الذي قُرِن به وعيدٌ، كما قُيِّد في الرِّاوية الأخرى
ج 25 ص 354
عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، فيحملُ مطلقه على مقيَّده جمعًا بين كلاميهِ.
وقال الطِّيبي الصَّغيرة والكبيرة أمران نسبيَّان، فلابدَّ من أمرٍ يضافان إليه، وهو أحد ثلاثة أشياءَ الطَّاعة، أو المعصية، أو الثَّواب.
فأمَّا الطَّاعة فكلُّ ما تكفِّره الصَّلاة مثلًا فهو من الصَّغائر، وكل ما يكفِّره الإسلام أو الهجرة فهو من الكبائر، وأمَّا المعصية فكلُّ معصيةٍ يستحق فاعلها بسببها وعيدًا أو عقابًا أزيدُ من الوعيد أو العقاب المستحقِّ بسبب معصيةٍ أخرى، فهي كبيرةٌ، وأمَّا الثَّواب ففاعل المعصية إن كان من المقرَّبين فالصَّغيرة بالنِّسبة إليه كبيرةٌ، فقد وقعت المعاتبة في حقِّ بعض الأنبياء عليهم السَّلام على أمور لم تعدَّ من غيرهم معصيةً. انتهى.
وكلامه فيما يتعلَّق بالوعيد والعقاب يخصِّص عموم مَنْ أطلق أنَّ علامة الكبيرة ورود الوعيد أو العقاب في حقِّ فاعلها، لكن يلزم منه أنَّ مطلق قتل النَّفس مثلًا ليس كبيرةً؛ لأنَّه وإن ورد الوعيد فيه أو العقاب، لكن الَّذي ورد من الوعيد والعقاب في حقِّ من قتل ولده أشد، فالصَّواب ما قال الجمهور، وأنَّ المثال المذكور وما أشبهه ينقسمُ إلى كبيرٍ وأكبر، والله تعالى أعلم.
قال النَّووي واختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافًا كثيرًا منتشرًا؛ فرُوي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّها كل ذنبٍ ختمه الله بنارٍ، أو غضبٍ، أو لعنٍ، أو عذابٍ، قال وجاء نحو هذا عن الحسن البصريِّ. وقال آخرون هي ما أوعد الله عليه بنارٍ في الآخرة، أو أوجب فيه حدًّا في الدُّنيا.
قال الحافظ العسقلانيُّ وممَّن نصَّ على هذا الأخير أحمد فيما نقله القاضي أبو يَعلى، ومن الشَّافعيَّة الماوردي، ولفظه الكبيرة ما وجب فيه الحدود، أو توجَّه إليها الوعيد.
والمنقول عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أخرجه ابن أبي حاتمٍ بسندٍ لا بأس به، إلَّا أنَّ فيه انقطاعًا، وأخرج من وجهٍ آخر متَّصل لا بأس برجاله أيضًا عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال ما توعَّد الله عليه بالنَّار كبيرة.
ج 25 ص 355
وقد ضبط كثير من الشَّافعية الكبائر بضوابط أخرى
منها قول إمام الحرمين كلُّ جريمةٍ تُؤذِن بقلَّة اكتراث مُرتكبها بالدِّين، ورقة الدِّيانة.
وقول الحليميِّ كلُّ محرَّمٍ لعينه منهيٌّ عنه لمعنىً في نفسه.
وقال الرَّافعي هي ما أوجب الحدَّ، وقيل ما يلحقُ الوعيد بصاحبه بنصِّ كتابٍ أو سنَّة، هذا أكثر ما يوجد للأصحاب، وهو إلى ترجيح الأوَّل أميلُ، لكن الثَّاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر. انتهى كلامه.
وقد استشكل بأنَّ كثير ما وردت النُّصوص بكونه كبيرةً لا حدَّ فيه كالعقوق، وأجاب بعض الأئمَّة بأنَّ مراد قائله ضبط ما لم يَرِدْ فيه نصٌّ بكونه كبيرةً.
وقال ابن عبد السَّلام في «القواعد» لم أقف لأحدٍ من العلماء على ضابطٍ للكبيرة لا يَسْلَم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يُشعر بتهاون مُرتكبها بدينه إشعارًا دون الكبائر المنصوص عليها. قال الحافظ العسقلانيُّ وهو ضابطٌ جيِّد. وقال القرطبيُّ في «المفهم» الرَّاجح أنَّ كلَّ ذنبٍ نُصَّ على كبره، أو عِظَمهِ، أو تُوعِّد عليه بالعقاب، أو عُلِّق عليه حدًّا، وشُدِّد النَّكير عليه فهو كبيرةٌ.
وكلام ابن الصَّلاح يُوافق ما نُقل أوَّلًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وزاد إيجاب الحدِّ، وعلى هذا يكثر عدد الكبائر، فأمَّا ما ورد النَّص الصَّريح بكونه كبيرةً، فسيأتي القول فيه في الكلام على حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( اجتنبوا السَّبع الموبقات ) )في كتاب «استتابة المرتدِّين» [خ¦6857] ، ويُذكر هناك ما ورد في الأحاديث زيادةً على السَّبع المذكورات ممَّا نصَّ على كونه كبيرةً أو موبقة.
وقد ذهب آخرون إلى أنَّ الذُّنوب التي لم يُنصَّ على كونها كبيرةً مع كونها كبيرةً لا ضابط لها، فقال الواحديُّ ما لم ينصَّ الشَّارع على كونه كبيرةً، فالحكمة في إخفائه أن يمتنعَ العبد من الوقوع فيه خشيةَ أن يكون كبيرةً كإخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة والاسم الأعظم، والله تعالى أعلم.
ثمَّ إن قوله (( أكبر الكبائر ) )ليس على ظاهرهِ من الحصرِ، بل فيه «من» مقدَّرةٍ، فقد ثبت في أشياء أُخر أنَّها من أكبر الكبائر
منها حديث أنسٍ رضي الله عنه
ج 25 ص 356
في قتل النَّفس، وسيأتي بيانه في الَّذي بعده [خ¦5977] ، وحديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه (( أيُّ الذَّنب أعظم ) )فذكر فيه الزِّنى بحليلة الجار، وسيأتي بعد أبواب، وحديث عبد الله بن أنيس الجهنيِّ مرفوعًا، قال (( من أكبر الكبائر _ فذكر منها _ اليمين الغموس ) )، أخرجه التَّرمذي بسندٍ حسنٍ. وله شاهد من حديث عبدِ الله بن عَمرو بن العاص عند أحمد.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( إنَّ من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرضِ رجلٍ مسلمٍ ) )أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ بسندٍ حسنٍ، وحديث بُريدة رضي الله عنه رفعه (( من أكبر الكبائر _ فذكرَ منها _ منع فضل الماء، ومنع الفحلِ ) )أخرجه البزَّار بسندٍ ضعيفٍ. وحديث ابن عمر رضي الله عنهما رفعه (( أكبرُ الكبائر سوء الظَّنِّ بالله ) )أخرجه ابنُ مردويه بسندٍ ضعيفٍ.
ويقرُب من ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( ومَن أظلمُ ممَّن ذهب يخلقُ كخلقِي ... ) )الحديث، وقد تقدَّم في «كتاب اللِّباس» [خ¦5953] . وحديث عائشة رضي الله عنها (( أبغض الرِّجال إلى الله الألدُّ الخصم ) )أخرجه الشَّيخان [خ¦2457] ، وتقدَّم قريبًا حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما (( من أكبر الكبائر أن يسبَّ الرَّجل أباه ) ) [خ¦5973] ولكنَّه من جملة العقوق.
قال ابن دقيق العيد يُستفاد من قوله (( أكبر الكبائر ) )انقسام الذُّنوب إلى كبيرٍ وأكبر، ويستنبط منه أنَّ في الذُّنوب صغائر وكبائر، لكن فيه نظرٌ؛ لأنَّ من قال كلُّ ذنبٍ كبيرة، فالكبائر والذُّنوب عنده مترادفان على شيءٍ واحدٍ، فكأنَّه قيل ألا أنبِّئكم بأكبر الذُّنوب؟ قال ولا يلزم من كون الذي ذكر أنَّه أكبر الكبائر استواؤها، فإنَّ الشِّرك بالله أعظم من جميع ما ذُكر.
(قَلْنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (بَلَى) أخبرنا (يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) عزَّ وجلَّ في العبادة والألوهيَّة، قال ابنُ دقيق العيد ويُحتمل أن يراد بقوله (( الإشراك بالله ) )مطلق الكفرِ ويكون تخصيصه بالذِّكر؛ لغلبته في الوجود، لاسيَّما في بلاد العرب فذُكر تنبيهًا على غيره من أصناف الكفر، ويحتمل أن يراد به خصوصه إلَّا أنَّه كان محكومًا بأنَّه أعظم من أنواع الكفر، ولا ريب أنَّ التَّعطيل أقبح منه وأشدُّ؛ لأنَّه نفي مطلقٌ، والإشراك إثبات، فيترجَّح الاحتمال الأوَّل على هذا.
(وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) وهو مصدر عقَّ والده يَعُقَّه عُقُوقًا فهو عاقٌّ إذا آذاه وعصاه، وهو ضدُّ البرِّ، وأمَّا العقوق المحرَّم شرعًا، فقال
ج 25 ص 357
ابنُ عبد السَّلام لم أقف على ضابطٍ أعتمدُ عليه، فإنَّه لا يجب طاعتهما في كلِّ ما يأمران به وينهيان عنه اتِّفاقًا، وقالوا يحرم على الولد الجهاد بغير إذنهما؛ لما يشقُّ عليهما من توقُّع قتله، أو قطع شيءٍ منه.
نعم، في «فتاوى ابن الصَّلاح» العقوق المحرَّم كل فعلٍ يتأذَّى به الوالد تأذيًّا ليس بالهيِّن مع كونه من الأفعال الواجبة. قال وربَّما قيل طاعة الوالدين في كلِّ ما ليس بمعصيةٍ، ومخالفةٍ ذلك عقوق.
قال الكرمانيُّ العقوق كبيرةٌ؛ لأنَّها ممَّا توعَّد عليها الشَّارع بخصوصها فما وجه كونه أكبرها؟ وأجاب بقوله لأنَّ الوالد بحسب الظَّاهر كالمُوجِد له صورةً، ولهذا قرن الله عزَّ وجلَّ الإحسان إليه بتوحيدهِ، فقال {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء 23] .
(وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (مُتَّكِئًا فَجَلَسَ) أي قال صلى الله عليه وسلم ما قال مِن صدر الحديث متكئًا فجلس (فَقَالَ أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ) وكلمة (ألا) تنبيهٌ وتحضيضٌ لضبط ما يُقال وفهمه على وجهه، والزُّور في الأصل الانحراف، وفي الاستعمال هو تمويه الباطل بما يُوهم أنَّه حقٌّ، (أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا، حَتَّى قُلْتُ لاَ يَسْكُتُ) هكذا في هذه الطَّريق، ووقع في رواية بشر بن المفضَّل فقال (( ألا وقول الزُّور فما زال يكرِّرها حتَّى قلنا ليتَه يسكتُ ) ) [خ¦2654] أي تمنَّينا أنَّه يسكت إشفاقًا عليه؛ لِما رأوا من انزعاجهِ في ذلك.
وقال ابنُ دقيق العيد اهتمامه صلى الله عليه وسلم بشهادة الزُّور يحتمل أن يكون لأنَّها أسهل وقوعًا على النَّاس، والتَّهاون بها أكثر، ومفسدتها أيسرُ وقوعًا فيظنُّون أنَّه دون سابقه؛ لأنَّ الشِّرك ينبو عنه المسلم، والعقوقُ ينبو عنه الطَّبع، وأمَّا قول الزُّور فإنَّ الحوامل عليه كثيرةٌ فحَسُنَ الاهتمام لها، وليس ذلك لعِظَمها بالنِّسبة إلى ما ذُكِر معها، قال وأمَّا عطف الشَّهادة على القول، فينبغي أن يكون تأكيدًا له؛ لأنَّا لو حملناه على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة
ج 25 ص 358
الواحدة مطلقًا كبيرًا، وليس كذلك، وإن كانت مراتبُ الكذب متفاوتةٌ بحسب تفاوت مفاسدِهِ، كما قال تعالى {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء 112] . وقيل المراد بقوله «الزُّور» هنا الكفر؛ لأنَّ الكافر شاهد بالزُّور وقائل به، فليتأمَّل، وقيل المراد مَنْ يستحلُّ شهادة الزُّور، وهو بعيدٌ.
ثمَّ إنَّ في تكرير ذكر شهادة الزُّور وكيفيَّة بيانه مبالغات منها الجلوس وكان متَّكئًا واستفتاحه بـ «ألا» الَّتي تُفيد تنبيه المخاطب وإقباله على سماعه، وتأكيده بقوله «وشهادة الزُّور» ، وهما في المعنى واحدٌ. وقال القرطبيُّ شهادة الزُّور هي الشَّهادة بالكذب؛ ليتوصَّل بها إلى الباطل من إتلاف نفسٍ، أو أخذ مالٍ، أو تحليل حرامٍ، أو تحريم حلالٍ، فلا شيءَ من الكبائر أعظم ضررًا منها، ولا أكثر فسادًا بعد الشِّرك بالله، هذا وقد نصَّ الحديث الصَّحيح على أنَّ الغيبة والنَّميمة كبيرةٌ، والغيبةُ تختلف بحسب القول المغتاب به، فالغيبةُ بالقذف كبيرةٌ، ولا تساويها الغيبة بقُبح الخلقة، أو الهيئة مثلًا، والله تعالى أعلم. وقد قيل إنَّه يؤخذ من قوله (( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ) )انقسام الذُّنوب إلى كبائرَ وصغائر، وهو قول عامَّة الفقهاء. وقال أبو إسحاق الإسفرايني ليس في الذُّنوب صغيرةٌ بل كل ما نهى الله عنه كبيرةٌ، وهو منقولٌ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وحكاه القاضي عياض عن المحقِّقين.
وقال إمام الحرمين في «الإرشاد» المرضيُّ عندنا أنَّ كل ذنبٍ يُعصى الله به كبيرةٌ فرُبَّ شيءٍ يُعَدُّ صغيرةً بالإضافة إلى الأقران، ولو كان في حقِّ الملك كبيرةٌ والرَّب أعظم من عُصِيَ، فكلُّ ذنبٍ بالإضافة إلى مخالفته عظيمٌ، ولكنَّ الذُّنوب وإن عظمت فهي متفاوتةٌ في رتبها.
وظنَّ بعض النَّاس أنَّ الخلاف لفظيٌّ، فقال التَّحقيق أنَّ للكبيرة اعتبارين فبالنِّسبة إلى مقايسة بعضها ببعضٍ فهي تختلف قطعًا، وبالنِّسبة إلى الآمر والنَّاهي فكلُّها كبائر. انتهى.
فحقَّق رحمه الله المنقول عن الأشاعرة، وبيَّن أنَّه لا يخالف ما قاله الجمهور، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وعقوق الوالدين ) ). وقد مضى الحديث في «الشَّهادات» ، في «باب ما قيل في شهادة الزُّور» [خ¦2654] .
[1] وهي في مطبوع البخاري هناك «ألا أنبئكم» أيضًا.