فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 11127

48 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) ؛ بالعينين والرَّائين المهملات غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث، ابن البِرِنْد _ بكسر الموحدة والراء وبفتحهما وسكون النون وفي آخره دال مهملة _ وكأنه فارسي ابن النعمان القرشي، السامي _ بالسين المهملة _ نسبة إلى سامة بن لؤي ابن غالب البصري، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين عن خمس وسبعين سنة، روى له البخاري ومسلم وأبو داود كما نبَّه عليه الحافظ المزي.

(قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ؛ هو ابن الحجاج، (عَنْ زُبَيْدٍ) ؛ بضمِّ الزَّاي وفتح الموحدة وسكون المثناة وفي آخره دال مهملة، هو أبو عبد الرحمن، أو أبو عبد الله اليامي _ بالمثناة التحتية وميم خفيفة _ نسبة إلى يام جدٌّ للقبيلة، بطنٌ مِنْ همْدان الكوفي، روى عن أبي وائل وجمعٍ مِنَ التَّابعين وعن الأعمش وغيره من التابعين، وجلالته متفق عليها وكان من العباد المتنسكين. قال البخاري مات سنة اثنتين وعشرين ومئة، وليس في (( الصحيحين ) )زُبيد بالضبط المذكور إلا هذا، وأما زييد باليائين من تحت فمذكور في (( الموطأ ) )وليس له ذكر في الكتابين.

(قَالَ سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ) ؛ بالهمز، شقيق بن سلمة الأسدي أسد خزيمة كوفي تابعيٌّ، أدرك زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره وقال أدركت سبع سنين من سني الجاهلية، وقال كنت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ابن عشر سنين أرعى إبلًا لأهلي، وسمعَ عمر بن الخطاب، وعثمان، وعليًا، وابن مسعود، وعمارًا وغيرهم

ج 1 ص 345

من الصحابة والتابعين. وعنه خلق من التابعين وغيرهم، وأجمعوا على جلالته وصلاحه وورعه وتوثيقه وهو من أجلِّ أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يُثني عليه، مات سنة اثنتين وثمانين على المحفوظ، وقال أبو سعيد بن صالح كان أبو وائل يؤم جنائزنا وهو ابن مئة وخمسين سنة، روى له الجماعة.

(عَنِ الْمُرْجِئَةِ) ؛ أي عن الفرقة الملقبة بالمُرْجِئة _ بضم الميم وكسر الجيم وهمزة _ مشتق من الإرجاء وهو التأخير، ومنه قوله {أرجئه وأخاه} ؛ أي أخره، والمرجئ من يؤخر العمل عن الإيمان، وقيل من الرجاء؛ لأنهم يقولون لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وقيل مأخوذ من الإرجاء بمعنى تأخير حكم الكبيرة حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، وهو المناسب جدًا لما هو المذكور في الحديث، والمعنى أنه سأل أبا وائل عن الطائفة المرجئة هل هم مصيبون في مقالتهم أو مخطئون؟.

(فَقَالَ) ؛ أبو وائل في جوابه لسؤال زُبيد، (حَدَّثَنِي) ؛ بالإفراد، (عَبْدُ اللَّهِ) ؛ أي ابن مسعود رضي الله عنه.

ومِنْ لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه التَّحديث جمعًا وإفرادًا والسؤال والعنعنة، ومنها أن رجاله ما بين بصري وواسطي وكوفي، ومنها أنهم أئمة أجلاء، وقد أخرج متنه المؤلف في «الأدب» أيضًا [خ¦6044] ، وأخرجه مسلم في «الإيمان» ، وأخرجه الترمذي في «البر» وقال حسن صحيح، وأخرجه النسائي في «المحاربة» أيضًا.

(أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ سِبَابُ) بكسر السين المهملة وتخفيف الباء، بمعنى السب والشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه ويؤلمه، وقال إبراهيم الحربي السُّباب أشد مِنَ السَّبِّ؛ وهو أنْ يقولْ في الرَّجل ما فيه وما ليس فيه.

(الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ) ؛ أي فجور وخروج عن طاعة الله ورسله، وهو في عرف الشرَّع أشد من العصيان، قال الله تعالى {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات 7] .

(وَقِتَالُهُ) ؛ أي مقاتلته، ويحتمل أن يكون معناه المخاصمة، والعرب تسمي المخاصمة مقاتلة، (كُفْرٌ) ؛ يعني أنهم مخطئون؛ لأنهم لا يجعلون سباب المسلم فسوقًا ولا قتاله كفرًا حيث لا يفسقون مرتكبي الذنوب، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بخلاف ما ذهبوا إليه فدل ذلك على أنهم مخطئون وضالون؛ فطابق السؤال الجواب، قيل هذا الحديث وإن تضمن الرد على المرجئة، لكن ظاهره يُقوِّي مذهب الخوارج الذين يُكفِّرون بالمعاصي؛ وأُجيب بأنَّه لم يُرِدْ بقوله (( وقتاله كفر ) )حقيقة الكفر التي هي خروج عن الملة، بل إنما أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير عن القتال؛ لأنه أشد من السباب لإفضائه إلى إزهاق الروح، فعبَّر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسوق وهو لفظ الكفر، والإجماع من أهل السنة منعقد

ج 1 ص 346

على أن المؤمن لا يكفر بالقتال ولا بفعل معصية أخرى فلا متمسك فيه للخوارج؛ لأن ظاهره غير مراد بشهادة الإجماع، ويقال أطلق عليه الكفر لشبهه به؛ لأن قتال المسلم من شأن الكافر؛ ويقال أيضًا المراد كفران حقِّ المسلم؛ لأنَّ الله جعل المسلمين إخوة وأمر بالإصلاح بينهم ونهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن التَّقاطع والمقاتلة فأخبر أنَّ مَنْ فعل ذلك فقد كفر حقَّ أخيه المسلم، أو المراد الكفَر اللغويَّ وهو السَّتر؛ لأنَّ من حق المسلم على المسلم أن يعينه وينصره ويكف عنه أذاه، فلمَّا قاتله كان كأنه غطَّى هذا الحق، لكن الأوَليْن أليق بمراد المؤلف فإن مراده كما عرفت هو الرد على المرجئة، وفيهما المبالغة في الرد عليهم كما لا يخفى.

وقال الحافظ العسقلاني وقيل أراد بقوله (( كفر ) )أي قد يؤول هذا الفعل بشؤمه إلى الكفر، وهذا بعيد، وأبعد منه حمله على المستحلِّ لذلك؛ لأنه مع كونه غير مطابق للترجمة لو كان مرادًا هنا لم يحسن التفريق بين السباب والقتال، فإن مستحلَّ سبابِ المسلم يكفر أيضًا انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت