49 - (أَخْبَرَنَا) ؛ وفي رواية ، (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) ؛ وفي رواية بإسقاط «ابن سعيد» ، وفي رواية ، وقد مر ذكره في باب « [إفشاء] السلام من الإسلام» [خ¦28] .
(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) ؛ الأنصاريِّ المدنيِّ وقد سبق في باب «علامات المنافق» [خ¦33] (عَنْ حُمَيْدٍ) بضم الحاء ابن أبي حميد، واسم أبي حميد تِيْر _ بكسر المثناة الفوقية وسكون التحتية وفي آخره راء مهملة _ ومعناه بالعربية السَّهم، وقيل تيرويه، وقيل طرخان، وقيل مهران، وكنية حُميد أبو عُبيد بصيغة التَّصغير، وكان خزاعيًَّا بصريًَّا مشهورًا بحُميد الطويل، قيل كان قصيرًا طويل اليدين فقيل له ذلك، وكان يقف عند الميت فيصلُ إحدى يديه إلى رأسه والأخرى إلى رجله وقال الأصمعي رأيته ولم يكن بذاك الطَّويل، كان في جيرانه رجل يقال له حُميد القصير فقيل له حُميد الطويل للتمييز بينهما، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة.
(عَنْ أَنَسٍ) ؛ وفي رواية زيادة ، وفي رواية وبذلك يحصل الأَمْن من تدليس حُميد، (قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) ؛
ج 1 ص 347
رضي الله عنه، ومِنْ لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه التَّحديث والإخبار بالإفراد والجمع والعنعنة، ومنها أنَّه فيه رواية صحابي عن صحابي، ومنها أنَّ رواته ما بين بلخيِّ ومدنيِّ وبصريٍّ، وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الصوم» [خ¦2023] و «الأدب» أيضًا [خ¦6049] ، وأخرجه النسائي في «الاعتكاف» .
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ) أي من الحجرة إلى المسجد، (يُخْبِرُ) ؛ حال مقدَّرة كما في قوله تعالى {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر 73] فإنَّ الخروج لم يكن حال الإخبار، بل الإخبار بعد الخروج؛ أي خرج يقدِّر الإخبار كما أنَّ معنى قوله تعالى {فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} فادخلوها مقدِّرين خلودكم فيها، ويمكن أنْ تكون جملة مستأنفة؛ أي يريد أنْ يخبر.
(بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ) أي بتعيينها؛ أي بأنَّ ليلة القدر هي ليلة كذا فسدَّ مسدَّ المفعول الثاني والثالث؛ لأنَّ «أخبر» يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل والمفعول الأول مقدَّر وفي الفعل الآتي ضمير، فافهم.
(فَتَلاَحَى) ؛ أي تنازع، (رَجُلاَنِ) ؛ هما عبد الله بن أبي حَدْرَد _ بفتح الحاء المهملة وسكون الدال المهملة وفتح الراء وفي آخره دال مهملة أيضًا _ وكعب بن مالك وكان على عبد الله دَيْنٌ لكعب فطلبه فتنازعا فيه وارتفع صوتهما في المسجد.
(فَقَالَ) ؛ صلى الله عليه وسلم، (إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ) ؛ وقد سُمِّيا قبل، وكان ذلك في المسجد الذي هو محل الذِّكْر لا اللغو، وكان أيضًا في شهر رمضان الذي هو وقت الذِّكر لا وقت اللغو، وكان المجلس مجلس مَنْ نُهِي رفعُ الصوت فيه، وقد وجد زيادة منازعة بينهما على القدر المحتاج في هذا الوقت وفي المسجد بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يَرِدُ أنَّ المخاصمة في طلب الحقِّ غير مذمومة، وقد ذُكِرَتْ هذه المخاصمة في معرض الذَّم وأنَّها سبب العقوبة المعنوية؛ أي الحرمان لعلها مِنْ تعيين ليلة القدر حيث قال صلى الله عليه وسلم
(فَرُفِعَتْ) ؛ أي بسببه رفع بيانها أو علمها عن قلبي؛ أي فنسيتها، ويدل له حديث أبي سعيد المروي في مسلم (( فجاء رجلان يحتقَّان ) )_ بتشديد القاف _ أي يدَّعي كل منهما أنه المحق، «معهما الشيطان فنسيتها، وإلا فهي باقية إلى يوم القيامة» ، وشذَّ قوم فقالوا رُفعت ليلة القدر وهذا غلط؛ لأنه يردُّه عليهم قوله صلى الله عليه وسلم (( التمسوها ) )إذ لو كان المراد رفع وجودها لم يأمرهم بالتماسها.
(وَعَسَى أَنْ يَكُونَ) ؛ رَفْعُها؛ (خَيْرًا لَكُمُ) ؛ لتزيدوا في الاجتهاد وتقوموا في الليالي لطلبها فتكون زيادة في ثوابكم، ولو كانت معينةً لاقتنعتم بتلك الليلة فقلَّ عملكم، وهذا تأنيس للأمة وتسلية لهم؛ قال الكرماني فإن قلت إذا جاز أن يكون الرفع خيرًا فلا مذمة فيه ولا شرٌ ولا حبط العمل؛ قلت إن أريد بالخير أفعل التفضيل فمعناه أن الرفع عسى أن يكون خيرًا من عدم الرفع من جهة أخرى؛ ككونه سببًا لزيادة الاجتهاد المستلزمة لزيادة الثواب، وإلا فمعناه أن الرفع عسى أن يكون خيرًا وإن كان عدم الرفع أزيد خيرًا وأولى منه. ثم إن خيرية ذلك متحققة وخيرية هذا مرجوة؛ لأن مفاد «عسى» هو الرجاء لا غير.
ج 1 ص 348
(الْتَمِسُوهَا) ؛ أي اطلبوها، وفي رواية ، (فِي) ليلة، (السَّبْعِ) والعشرين من رمضان (وَالتِّسْعِ) والعشرين منه (وَالْخَمْسِ) والعشرين منه، هكذا وقع في معظم الروايات بتقديم السَّبع الذي أوله سين على التِّسع الذي أوله تاء، وفي بعض الروايات وقع بالعكس، وهكذا وقع في (( مستخرج أبي نُعيم ) )فالتقديم؛ للاهتمام فرجاءها في المقدم أولى، والتقييد بالعشرين من رمضان عُلِم من الأحاديث الأُخر الدالة عليه، فإن قيل كيف أمر بطلب ما رفع عمله؟ أُجيب بأن المراد طلب التعبد في مظانها، وربما يقع العمل مصادفًا لها لا أنه أمر بطلب العلم بعينها، ثم وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن فيه ذم التلاحي وأن صاحبه ناقص؛ لأنه يشغله عن كثير من الخير لاسيما إذا كان في المسجد، وعند جهر الصوت بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ربما ينجر إلى بطلان العمل وهو لا يشعر، قال تعالى {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات 2] .
وقد خفي هذا على كثير من المتكلمين على هذا الكتاب، ثم من فوائد هذا الحديث ذم الملاحاة والخصومة، ونقص صاحبها، ومنها أنها سبب العقوبة للعامة، فإن الأمة حرمت أعلام هذه الليلة بسبب التلاحي بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنها الحث على طلب ليلة القدر.