5999 - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن محمد بن الحكم بن أبي مريم، قال (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة، محمد بن مطرفٍ (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) أسلم مولى عمر رضي الله عنه (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه قال (قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ) أي أَسْرٌ من الغلمان والجواري من هوازن، يقال سبيت سبيًا إذا حملته من بلدٍ إلى بلدٍ. وقوله (( قَدِم ) )على البناء للفاعل، وسبي بالرَّفع فاعله، وفي رواية الكشميهنيِّ على البناء للمفعول وبالباء الموحدة في «سبي» .
(فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ) لم يعرف اسمها (تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي) كذا في رواية المستملي والسَّرخسي بسكون المهملة من تحْلُب وضم اللام، و «ثديَها» بالنصب. وفي رواية الباقين بفتح الحاء وتشديد اللام على وزن تَفعل؛ أي تهيَّأ لأن تحلب وسال اللَّبن، و بالرفع فاعله، وبالإفراد في رواية الكشميهنيِّ، وفي رواية الباقين بالتثنية.
و (( تَسْقِي ) )بفوقية مفتوحة وسكون المهملة
ج 25 ص 401
وكسر القاف. قال الحافظ العسقلانيُّ وفي رواية الكشميهنيِّ بكسر الموحدة بدل الفوقية وفتح المهملة وسكون القاف وتنوين التحتية، وفي رواية الباقين بفتح العين المهملة، من السَّعي، وهو المشي بسرعةٍ؛ أي تمشي بسرعةٍ تطلب ولدها الذي فقدته. وفي رواية مسلم عن الحلوانيِّ وابن عساكر كلاهما عن ابن أبي مريم (( تبتغي ) )بموحدة ساكنة ثم مثناة مفتوحة ثم غين معجمة، من الابتغاء، وهو الطَّلب، قال القاضي عياض وهو وهمٌ، والصَّواب ما في رواية البخاري، وتعقَّبه النَّووي بأن كلاًّ من الرِّوايتين صوابٌ، فهي ساعيةٌ وطالبةٌ لولدها.
وقال القرطبيُّ لا خفاء بحُسْنِ رواية (( تسعى ) )ووضوحها، ولكن لروايةٍ (( تبتغي ) )وجهًا، وهو تطلب ولدها، وحذف المفعول للعلم به، فلا يُغلَّط الرَّاوي مع هذا التَّوجيه.
(إِذ وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ) وفي روايةٍ وكلمة «إذ» ، ظرفٌ، ويجوز أن تكون بدل اشتمالٍ من امرأةٍ. قال العينيُّ وفي بعض النُّسخ أي بالألف، لكن قال الحافظ العسقلانيُّ (( إذا ) )أي بالألف، كذا للجميع، ولمسلم أيضًا.
(أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ) وحذف منه شيءٌ تثبته رواية الإسماعيلي، ولفظه (( إذا وجدت صبيًّا أخذته فأرضعتْه، فوجدت صبيًّا فأخذته فألزمته بطنَها ) ). وعرف من سياقه أنَّها كانت فقدت صبيَّها، وكانت إذا وجدت صبيًا أرضعته؛ ليخفَّ عنها اللَّبن، فلمَّا وجدت صبيَّها بعينه أخذته فالتزمتْه وألصقتْه ببطنها من فرحها بوجدانهِ. قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسم هذا الصبيِّ، ولا على اسم أمِّه.
(فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَرَوْنَ) بضم النون؛ أي أتظنُّون (هَذِهِ) المرأة (طَارِحَةً وَلَدَهَا) هذا (فِي النَّارِ؟ قُلْنَا لاَ) أي لا تطرحه (وَهْيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ) أي طائعة أبدًا، وفي رواية الإسماعيليِّ (( فقلنا لا والله ) ) (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَلَّهُ) اللام فيه للتأكيد، وهي مفتوحةٌ، وصرَّح بالقسم في رواية الإسماعيليِّ (( فقال والله لله ) ) (أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ) قيل لفظ العباد عامٌّ، ومعناه خاصٌّ بالمؤمنين، ومن مات على الإسلام (مِنْ هَذِهِ) المرأة (بِوَلَدِهَا) .
هذا وقد أخرج أحمدُ والحاكم من حديث أنسٍ رضي الله عنه قال مرَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم في نفرٍ من أصحابه،
ج 25 ص 402
وصبي على الطَّريق، فلمَّا رأت أمُّه القومَ خشيت على ولدها أن يُوطأ، فأقبلتْ تسعى وتقول ابني ابني، وسعتْ فأخذتهُ، فقال القومُ يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النَّار، فقال (( ولا اللهُ بطارحٍ حبيبه في النَّار ) )فالتَّعبير بحبيبه يخرج الكافر، وكذا من شاء إدخاله ممَّن لم يتب من مُرتكبي الكبيرة.
وقال الشَّيخ أبو محمد بن أبي جمرة لفظ العباد عامٌّ ومعناه خاصٌّ بالمؤمنين، وهو كقوله تعالى {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف 156] ، فهي عامَّةٌ من جهة الصَّلاحية، وخاصَّة بمن كتبت له.
قال ويحتمل أن يكون المراد أنَّ رحمة الله لا يشبهها شيءٌ لمن سبق له منها نصيبٌ مِن أيِّ العباد كان، حتَّى الحيوانات؛ يعني أنَّ الظاهر أنَّها على العموم لمن سبق له منها نصيبٌ. وفيه إشارةٌ أنَّه ينبغي للمرء أن يجعل تعلُّقه في جميع أمورهِ بالله وحدَه، وأنَّ كلَّ من فرض أنَّ فيه رحمة ما حتَّى يقصد لأجلها، فالله سبحانه وتعالى أرحم منه، فليقصدِ العاقل لحاجتهِ من هو أشد له رحمةً.
قال وفي الحديث جوازُ نظر النِّساء المسبيَّات؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم ينْه عن النَّظر إلى المرأة المذكورة بل في سياق الحديث ما يقتضي إذنه في النَّظر إليها.
وفيه ضربُ المثل بما يدرَك بالحواس لِما لا يدرك بها؛ لتحصيل معرفة الشَّيء على وجهه، وإن كان الذي ضرب له المثل لا يُحاط بحقيقته؛ لأنَّ رحمة الله تعالى لا تدرك بالعقل، ومع ذلك فقرَّبها النبي صلى الله عليه وسلم للسَّامعين بحال المرأة المذكورة.
وفيه جواز ارتكاب أخفِّ الضررين؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم ينهَ المرأة عن إرضاع الأطفال الَّذين أرضعتهم مع احتمال أن يكبر بعضهم فيتزوَّج بعض من أرضعتْه المرأة معه، لكن لما كانت حالة الإرضاع ناجزةٌ، وما يخشى من المحرميَّة متوهَّم اغتُفر، قال وفيه أنَّ الكفَّار مخاطبون بفروع الشَّريعة، وقد يستدلُّ به على عكس ذلك، فأمَّا الأوَّل فمن جهة أنَّ الأطفال لولا أنَّهم كان بهم ضرورة إلى الإرضاع
ج 25 ص 403
في تلك الحالة ما تركها النَّبي صلى الله عليه وسلم ترضع أحدًا منهم. وأمَّا الثاني فلأنَّه أقرَّها على إرضاعهم من قبل أن يتعيَّن الضَّرورة، ولا يخفى ما فيه.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من معنى الحديث، وقد أخرجه مسلم في «التَّوبة» .